ذكر ما كان بين سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام
والملك الأشرف موسى بن الملك العادل بن أيوب
 بسبب حاشية الملك الحشويَّة

وذلك بدمشق قبل خروجه إلى الديار المصرية ..

قال الإمام تاج الدين السّبكي في طبقات الشافعية الكبرى في ترجمة سلطان العلماء (1183):

ذكر الشيخ الإمام شرف الدين عبد اللطيف ولد الشيخ، فيما صنفه من أخبار والده في هذه الواقعة:

أن الملك الأشرف لما اتصل به ما عليه الشيخ عز الدين من القيام لله والعلم والدين، وأنه سيد أهل عصره، وحجة الله على خلقه، أحبه، وصار يلهج بذكره ويؤثر الاجتماع به، والشيخ لا يجيب إلى الاجتماع.

وكانت طائفة من مبتدعة الحنابلة القائلين بالحرف والصوت، ممن صحبهم السلطان في صغره، يكرهون الشيخ عز الدين ويطعنون فيه، وقرروا في ذهن السلطان الأشرف أن الذي هم عليه اعتقاد السلف، وأنه اعتقاد أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وفضلاء أصحابه! واختلط هذا بلحم السلطان ودمه، وصار يعتقد أن مخالف ذلك كافر حلال الدم.

 فلما أخذ السلطان في الميل إلى الشيخ عز الدين، دسَّت هذه الطائفة إليه، وقالوا:" إنه أشعري العقيدة، يُخطِّئ من يعتقد الحرف والصوت ويبدِّعه، ومن جملة اعتقاده أنه يقول بقول الأشعري: أن الخبز لا يشبع، والماء لا يروي، والنار لا تحرق "!

فاستهال ذلك السلطان واستعظمه ونسبهم إلى التعصب عليه.

 فكتبوا فتيا في مسألة الكلام، وأوصلوها إليه؛ مريدينَ أن يكتب عليها بذلك فيسقط موضعه عند السلطان.

وكان الشيخ قد اتصل به ذلك كله، فلما جاءته الفتيا، قال:" هذه الفتيا كُتِبت امتحانا لي، والله لا كتبت فيها إلا ما هو الحق ".

فكتب العقيدة المشهورة، وقد ذكر ولده بعضها في تصنيفه، وأنا أرى أن أذكرها كلها؛ لتستفاد وتحفظ:

قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله ورضي عنه وعنا به:"

الحمد لله ذي العزة والجلال، والقدرة والكمال، والإنعام والإفضال، الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ليس بجسم مصوَّر، ولا جوهر محدود مقدَّر، ولا يشبه شيئا، ولا يشبهه شيءٌ، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، كان قبل أن كَوَّن المكان، ودبَّر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان، خلق الخلق وأعمالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، فكل نعمة منه فهي فضل، وكل نقمة منه فهي عدل { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون }[الأنبياء:23]، استوى على العرش المجيد على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، استواء منزها عن المماسة والاستقرار، والتمكن والانتقال، فتعالى الله الكبير المتعال، عما يقوله أهل الغي والضلال، بل لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، مقهورون في قبضته، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، مطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر، حي، مريد، سميع، بصير، عليم، قدير، متكلم: بكلام قديم أزلي ليس بحرف ولا صوت، ولا يتصور في كلامه أن ينقلب مدادا في الألواح والأوراق، شكلا ترمقه العيون والأحداق؛ كما زعم أهل الحشو والنفاق، بل الكتابة من أفعال العباد، ولا يتصور في أفعالهم أن تكون قديمة، ويجب احترامها لدلالتها على كلامه، كما يجب احترام أسمائه لدلالتها على ذاته، وحق لما دل عليه وانتسب إليه أن يعتقد عظمته وترعى حرمته، ولذلك يجب احترام الكعبة والأنبياء والعباد والصلحاء.

أمر على الديار ديار ليلى      أقبل ذا الجدار وذا الجدار

وما حب الديار شغفن قلبي      ولكن حب من سكن الديار

ولمثل ذلك يُقَبَّل الحجر الأسود، ويحرم على المحدث أن يمس المصحف ( أسطره وحواشيه التي لا كتابة فيها، وجلده وخريطته التي هو فيها )، فويل لمن زعم أن كلام الله القديم شيء من ألفاظ العباد، أو رسم من أشكال المداد.

واعتقاد الأشعري رحمه الله: مشتمل على ما دلت عليه أسماء الله التسعة والتسعون التي سمى بها نفسه في كتابه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسماؤه مندرجة في أربع كلمات، هن ( الباقيات الصالحات ):

الكلمة الأولى: قول ( سبحان الله )، ومعناها في كلام العرب: التنزيه والسلب، فهي مشتملة على سلب النقص والعيب عن ذات الله وصفاته! فما كان من أسمائه سلبا فهو مندرج تحت هذه الكلمة، كالقدوس ( وهو الطاهر من كل عيب )، والسلام ( وهو الذي سَلِم من كل آفة ).

الكلمة الثانية: قول ( الحمد لله )، وهي مشتملة على إثبات ضروب الكمال لذاته وصفاته! فما كان من أسمائه متضمنا للإثبات كالعليم والقدير والسميع والبصير، فهو مندرج تحت الكلمة الثانية.

فقد نفينا بقولنا ( سبحان الله ) كل عيب عقلناه وكل نقص فهمناه، وأثبتنا بـ( الحمد لله ) كل كمال عرفناه وكل جلال أدركناه.

ووراء ما نفيناه وأثبتناه شأن عظيم قد غاب عنا وجهلناه، فنحققه من جهة الإجمال بقولنا ( الله أكبر )، وهي الكلمة الثالثة، بمعنى: أنه أجل مما نفيناه وأثبتناه، وذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: « لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك »، فما كان من أسمائه متضمنا لمدح فوق ما عرفناه وأدركناه، كالأعلى والمتعالي، فهو مندرج تحت قولنا " الله أكبر ".

فإذا كان في الوجود من هذا شأنه، نفينا أن يكون في الوجود من يشاكله أو يناظره، فحققنا ذلك بقولنا ( لا إله إلا الله )، وهي الكلمة الرابعة؛ فإن الألوهية ترجع إلى استحقاق العبودية، ولا يستحق العبودية إلا من اتصف بجميع ما ذكرناه، فما كان من أسمائه متضمنا للجميع على الإجمال كالواحد والأحد وذي الجلال والإكرام، فهو مندرج تحت قولنا ( لا إله إلا الله )، وإنما استحق العبودية لما وجب له من أوصاف الجلال ونعوت الكمال الذي لا يصفه الواصفون ولا يعُدُّه العادُّون:

حسنك لا تنقضي عجائبه          كالبحر حدث عنه بلا حرج

فسبحان الله من عظم شأنه وعز سلطانه، { يسأله من في السماوات والأرض}[الرحمن:29] لافتقارهم إليه، { كل يوم هو في شأن }[الرحمن:29]، لاقتداره عليه، له الخلق والأمر والسلطان والقهر، فالخلائق مقهورون في قبضته، { والسماوات مطويات بيمينه }[الزمر:67]، { يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون }[العنكبوت:21]، فسبحان الأزلي الذات والصفات، ومحيي الأموات وجامع الرفات، العالم بما كان وما هو آت.

ولو أدرجت ( الباقيات الصالحات ) في كلمة منها على سبيل الإجمال وهي ( الحمد لله ) لاندرجت فيها؛ كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: « لو شئت أن أوقر بعيرا من قولك الحمد لله، لفعلت »؛ فإن ( الحمد ) هو الثناء، والثناء يكون بإثبات الكمال تارة وبسلب النقص أخرى، وتارة بالاعتراف بالعجز عن درك الإدراك، وتارة بإثبات التفرد بالكمال، والتفرد بالكمال من أعلى مراتب المدح والكمال! فقد اشتملت هذه الكلمة على ما ذكرناه في الباقيات الصالحات؛ لأن الألف واللام فيها لاستغراق جنس المدح والحمد مما علمنا وجهلناه، ولا خروج للمدح عن شيء مما ذكرناه، ولا يستحق الإلهية إلا من اتصف بجميع ما قررناه.

ولا يخرج عن هذا الاعتقاد ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا أحد من أهل الملل، إلا من خذله الله فاتبع هواه وعصى مولاه، أولئك قوم قد غمرهم ذل الحجاب، وطردوا عن الباب، وبَعُدوا عن ذلك الجناب، وحُقَّ لمن حجب في الدنيا عن إجلاله ومعرفته، أن يحجب في الآخرة عن إكرامه ورؤيته:

أرض لمن غاب عنك غيبته           فذاك ذنب عقابه فيه

فهذا إجمال من اعتقاد الأشعري رحمه الله تعالى، واعتقادِ السلف وأهل الطريقة والحقيقة، نسبتُه إلى التفصيل الواضح كنسبة القطرة إلى البحر الطافح:

يعرفه الباحث من جنسه            وسائر الناس له منكر

غيره:

لقد ظهرت فلا تخفى على أحد        إلا على أكمه لا يعرف القمرا

والحشوية المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه ضربان:

أحدهما: لا يتحاشى من إظهار الحشو؛ { ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون }[المجادلة:18].

والآخر: يتستر بمذهب السلف، لسحت يأكله أو حطام يأخذه:

أظهروا للناس نسكا         وعلى المنقوش داروا

{ يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم }[النساء:91].

ومذهب السلف: إنما هو التوحيد والتنزيه، دون التجسيم والتشبيه.

ولذلك جميع المبتدعة يزعمون أنهم على مذهب السلف، فهم كما قال القائل:

وكل يدعون وصال ليلى        وليلى لا تقر لهم بذاكــا

وكيف يُدَّعى على السلف أنهم يعتقدون التجسيم والتشبيه، أو يسكتون عند ظهور البدع، ويخالفون قوله تعالى: { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون }[البقرة:42]، وقوله: { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه}[آل عمران:187]، وقوله: { لتبين للناس ما نزل إليهم }[النحل:44]؛ و « العلماءُ ورثة الأنبياء »، فيجب عليهم من البيان ما وجب على الأنبياء.

وقال تعالى: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر }[آل عمران:104]، ومن أنكر المنكرات: التجسيم والتشبيه، ومن أفضل المعروف: التوحيد والتنزيه.

وإنما سكت السلف قبل ظهور البدع، فورب السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع، لقد تشمر السلف للبدع لما ظهرت، فقمعوها أتم القمع، وردعوا أهلها أشد الردع، فردوا على القدرية والجهمية والجبرية، وغيرهم من أهل البدع، فجاهدوا في الله حق جهاده؛ والجهاد ضربان: ضرب بالجدل والبيان، وضرب بالسيف والسنان.

فليت شعري، فما الفرق بين مجادلة الحشوية وغيرهم من أهل البدع! ولولا خبث في الضمائر وسوء اعتقاد في السرائر: { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول }[النساء:108]، وإذا سئل أحدهم عن مسألة من مسائل الحشو أمر بالسكوت عن ذلك، وإذا سئل عن غير الحشو من البدع أجاب فيه بالحق، ولولا ما انطوى عليه باطنه من التجسيم والتشبيه لأجاب في مسائل الحشو بالتوحيد والتنزيه.

 ولم تزل هذه الطائفة المبتدعة قد ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا، { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين }[المائدة:64]، لا تلوح لهم فرصة إلا طاروا إليها، ولا فتنة إلا أكبوا عليها!

وأحمد بن حنبل وفضلاء أصحابه وسائر علماء السلف برآء إلى الله مما نسبوه إليهم، واختلقوه عليهم، وكيف يظن بأحمد بن حنبل وغيره من العلماء، أن يعتقدوا أن وصف الله القديم القائم بذاته هو عَيْنُ لفظ اللافظين، ومداد الكاتبين، مع أن وصف الله قديم، وهذه الأشكال والألفاظ حادثة بضرورة العقل وصريح النقل؟!

وقد أخبر الله تعالى عن حدوثها في ثلاثة مواضع من كتابه:

أحدها: قوله: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث }[الأنبياء:2]، جعل الآتي محدثا، فمن زعم أنه قديم فقد رد على الله سبحانه وتعالى، وإنما هذا الحادث دليل على القديم، كما أنا إذا كتبنا اسم الله تعالى في ورقة لم يكن الرب القديم حالا في تلك الورقة، فكذلك إذا كتب الوصف القديم في شيء لم يحل الوصف المكتوب حيث حلت الكتابة.

الموضع الثاني: قوله: { فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون * إنه لقول رسول كريم }[الحاقة:38-40]، وقول الرسول صفة للرسول، ووصف الحادث حادث يدل على الكلام القديم، فمن زعم أن قول الرسول قديم فقد رد على رب العالمين، ولم يقتصر سبحانه وتعالى على الإخبار بذلك حتى أقسم على ذلك بأتم الأقسام، فقال تعالى: { فلا أقسم بما تبصرون } أي تشاهدون { وما لا تبصرون } أي ما لم تروه، فاندرج في هذا القسم ذاته وصفاته، وغير ذلك من مخلوقاته.

الموضع الثالث: قوله تعالى: { فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس * والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس * إنه لقول رسول كريم }[التكوير:15-20].

والعجب ممن يقول ( القرآن مركب من حرف وصوت )، ثم يزعم أنه في المصحف! وليس في المصحف إلا حرف مجرد لا صوت معه؛ إذ ليس فيه حرف مكتوب عن صوت، فإن الحرف اللفظي ليس هو الشكل الكتابي، ولذلك يدرك الحرف اللفظي بالآذان ولا يشاهد بالعيان، ويشهد الشكل الكتابي بالعيان، ولا يسمع بالآذان، ومن توقف في ذلك فلا يعد من العقلاء فضلا عن العلماء.

فلا أكثر الله في المسلمين من أهل البدع والأهواء، والإضلال والإغواء.

ومن قال بأن ( الوصف القديم حال في المصحف )، لزمه: إذا احترق المصحف أن يقول بأن وصف الله القديم احترق! سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا، ومن شأن القديم أن لا يلحقه تغير ولا عدم، فإن ذلك مناف للقدم.

فإن زعموا أن ( القرآن مكتوب في المصحف غير حال فيه )، كما يقوله الأشعرى، فلِم يلعنون الأشعري رحمه الله؟

وإن قالوا بخلاف ذلك، فانظر { كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا}[النساء:50]، { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين }[الزمر:60].

وأما قوله سبحانه وتعالى: { إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون }[الواقعة:77-78]، فلا خلاف بين أئمة العربية: أنه لا بد من كلمة محذوفة يتعلق بها قوله { في كتاب مكنون }، ويجب القطع بأن ذلك المحذوف تقديره: ( مكتوب في كتاب مكنون )؛ لما ذكرناه، وما دل عليه العقل الشاهد بالوحدانية وبصحة الرسالة، وهو مناط التكليف بإجماع المسلمين.

وإنما لم يستدل بالعقل على القوم _ وكفى به شاهدا _: لأنهم لا يسمعون شهادته، مع أن الشرع قد عدل العقل وقبل شهادته، واستدل به في مواضع من كتابه، كالاستدلال بالإنشاء على الإعادة، وكقوله تعالى: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا }[الأنبياء:22]  وقوله: { وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض }[المؤمنون:91] وقوله: { أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء }[الأعراف:185]! فيا خيبة من رد شاهدا قبله الله، وأسقط دليلا نصبه الله.

فهم يرجعون إلى المنقول، فلذلك استدللنا بالمنقول، وتركنا المعقول كمينا إن احتجنا إليه أبرزناه، وإن لم نحتج إليه أخَّرناه.

وقد جاء في الحديث الصحيح: « من قرأ القرآن وأعربه كان له بكل حرف عشر حسنات، ومن قرأه ولم يعربه فله بكل حرف منه حسنة »، والقديم لا يكون معيبا باللحن وكاملا بالإعراب. وقد قال تعالى: { وما تجزون إلا ما كنتم تعملون }[الصافات:39]، فإذا أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بأنا نجزى على قراءة القرآن، دل على أنه من أعمالنا، وليست أعمالنا قديمة.

وإنما أُتِيَ القوم من قبل جهلهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسخافة العقل وبلادة الذهن؛ فإن لفظ ( القرآن ) يطلق في الشرع واللسان على الوصف القديم، ويطلق على القراءة الحادثة، قال الله تعالى: { إن علينا جمعه وقرآنه}[القيامة:17]، أراد بقرآنه: قراءته؛ إذ ليس للقرآن قرآن آخر { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه }[القيامة:18]، أي قراءته، فالقراءة غير المقروء، والقراءة حادثة والمقروء قديم! كما أنا إذا ذكرنا الله عز وجل كان الذكر حادثا والمذكور قديما.

فهذه نبذة من مذهب الأشعري رحمه الله.

إذا قالــت حــذام فصدقوهـــا         فإن القــول ما قالــت حــذام

والكلام في مثل هذا يطول، ولولا ما وجب على العلماء من إعزاز الدين وإخمال المبتدعين، وما طولت به الحشوية ألسنتهم في هذا الزمان، من الطعن في أعراض الموحدين، والإزراء على كلام المنزهين، لما أطلت النفس في مثل هذا مع إيضاحه، ولكن قد أمرنا الله بالجهاد في نصرة دينه، إلا أن سلاح العالم: علمه ولسانه، كما أن سلاح الملك: سيفه وسنانه، فكما لا يجوز للملوك إغماد أسلحتهم عن الملحدين والمشركين، لا يجوز للعلماء إغماد ألسنتهم عن الزائغين والمبتدعين، فمن ناضل عن الله وأظهر دين الله كان جديرا أن يحرسه الله بعينه التي لا تنام، ويعزه بعزه الذي لا يضام، ويحوطه بركنه الذي لا يرام، ويحفظه من جميع الأنام { ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض}[محمد:4].

 وما زال المنزهون والموحدون يفتون بذلك على رؤوس الأشهاد في المحافل والمشاهد، ويجهرون به في المدارس والمساجد.

وبدعة الحشوية كامنة خفية لا يتمكنون من المجاهرة بها، بل يدسونها إلى جهلة العوام، وقد جهروا بها في هذا الأوان، فنسأل الله تعالى أن يعجل بإخمالها كعادته، ويقضي بإذلالها على ما سبق من سنته.

وعلى طريقة المنزهين والموحدين درج الخلف والسلف، رضى الله عنهم أجمعين.

والعجب أنهم يذمون الأشعري بقوله ( إن الخبز لا يشبع، والماء لا يروي، والنار لا تحرق )، وهذا كلام أنزل الله معناه في كتابه؛ فإن الشبع والري والإحراق حوادث انفرد الرب بخلقها، فلم يخلق الخبز الشبع، ولم يخلق الماء الري، ولم تخلق النار الإحراق، وإن كانت أسبابا في ذلك، فالخالق هو المسبب دون السبب، كما قال تعالى: { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى }[الأنفال:17]، نفى أن يكون رسوله خالقا للرمي، وإن كان سببا فيه، وقد قال تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا }[النجم:43-44]، فاقتطع الإضحاك والإبكاء والإماتة والإحياء عن أسبابها، وأضافها إليه فكذلك اقتطع الأشعري رحمه الله الشبع والري والإحراق عن أسبابها، وأضافها إلى خالقها، لقوله تعالى: { خالق كل شيء }[الأنعام:102]، وقوله: { هل من خالق غير الله }[فاطر:3]، { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله }[يونس:39]، { أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أم ماذا كنتم تعملون }[النمل:84].

وكم من عائب قولا صحيحا            وآفته من الفهم السقيم

فسبحان من رضي عن قوم فأدناهم، وسخط على آخرين فأقصاهم؛ { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون }[الأنبياء: 23].

وعلى الجملة: ينبغي لكل عالم إذا أذل الحق وأخمل الصواب أن يبذل جهده في نصرهما، وأن يجعل نفسه بالذل والخمول أولى منهما، وإن عز الحق فظهر الصواب أن يستظل بظلهما، وأن يكتفي باليسير من رشاش غيرهما:

قليل منك ينفعني ولكن           قليلك لا يقال له قليل

والمخاطرة بالنفوس مشروعة في إعزاز الدين، ولذلك يجوز للبطل من المسلمين أن ينغمر في صفوف المشركين، وكذلك المخاطرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة قواعد الدين بالحجيج والبراهين مشروعة، فمن خشي على نفسه سقط عنه الوجوب وبقي الاستحباب، ومن قال بأن التغرير بالنفوس لا يجوز، فقد بعد عن الحق ونأى عن الصواب.

وعلى الجملة، فمن آثر الله على نفسه آثره الله، ومن طلب رضا الله بما يسخط الناس رضى الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن طلب رضا الناس بما يسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، وفي رضا الله كفاية عن رضا كل أحد.

فليتك تحلو والحياة مريرة         وليتك ترضى والأنام غضاب

غيره:

في كل شيء إذا ضيعته عوض    وليس في الله إن ضيعته عوض

وقد قال عليه الصلاة والسلام: « احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك »، وجاء في حديث: « ذَكِّروا الله بأنفسكم فإن الله يُنْزِل العبدَ من نفسه حيث أنزله من نفسه »، حتى قال بعض الأكابر: من أراد أن ينظر منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده.

اللهم فانصر الحق، وأظهر الصواب، وأبرم لهذه الأمة أمرا رشدا، يعز فيه وليك، ويذل فيه عدوك، ويعمل فيه بطاعتك، وينهى فيه عن معصيتك.

والحمد لله الذي إليه استنادي وعليه اعتمادي، وهو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم "انتهى.

فهذه الفتيا التي كتَبَهَا.

قال ولده الشيخ شرف الدين عبد اللطيف: فلما فرغ من كتابة ما راموه رماه إليهم وهو يضحك عليهم، فطاروا بالجواب وهم يعتقدون أن الحصول على ذلك من الفرص العظيمة التي ظفروا بها، ويقطعون بهلاكه واستئصاله واستباحة دمه وماله!

فأوصلوا الفتيا إلى الملك الأشرف رحمه الله، فلما وقف عليها استشاط غضبا، وقال:" صح عندي ما قالوه عنه، وهذا رجل كنا نعتقد أنه متوحد في زمانه في العلم والدين، فظهر بعد الاختبار أنه من الفجار، لا بل من الكفار ".

 وكان ذلك في رمضان عند الإفطار، وعنده على سماطه عامة الفقهاء من جميع الأقطار، فلم يستطع أحد منهم أن يرد عليه، بل قال بعض أعيانهم:" السلطان أولى بالعفو والصفح، ولاسيما في مثل هذا الشهر "! وموَّه آخرون بكلام موجه يوهم صحة مذهب الخصم، ويظهرون أنهم قد أفتوا بموافقته!

فلما انفصلوا تلك الليلة من مجلسه بالقلعة اشتغل الناس في البلد بما جرى في تلك الليلة عند السلطان، وأقام الحق سبحانه وتعالى الشيخ العلامة جمال الدين أبا عمرو بن الحاجب المالكي، وكان عالم مذهبه في زمانه، وقد جمع بين العلم والعمل رحمه الله تعالى في هذه القضية، ومضى إلى القضاة والعلماء الأعيان الذين حضروا هذه القضية عند السلطان، وشدد عليهم النكير، وقال:" العجب أنكم كلكم على الحق وغيركم على الباطل، وما فيكم من نطق بالحق وسكتم، وما انتخبتم لله تعالى وللشريعة المطهرة، ولما تكلم منكم من تكلم قال: ( السلطان أولى بالصفح والعفو ولا سيما في مثل هذا الشهر )، وهذا غلط يوهم الذنب؛ فإن العفو والصفح لا يكونان إلا عن جرم وذنب، أما كنتم سلكتم طريق التلطف بإعلام السلطان بأن ما قاله ابن عبد السلام مذهبكم، وهو مذهب أهل الحق، وأن جمهور السلف والخلف على ذلك، ولم يخالفهم فيه إلا طائفة مخذولة، يخفون مذهبهم ويدسونه على تخوف إلى من يستضعفون علمه وعقله، وقد قال تعالى: { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون }[البقرة:42] ".

ولم يزل يعنفهم ويوبخهم، إلى أن اصطلح معهم على أن يكتب فتيا بصورة الحال، ويكتبوا فيها بموافقة ابن عبد السلام، فوافقوه على ذلك، وأخذ خطوطهم بموافقته.

والتمس ابن عبد السلام من السلطان أن يعقد مجلسا للشافعية والحنابلة، ويحضره المالكية والحنفية وغيرهم من علماء المسلمين، وذكر له أنه أخذ خطوط الفقهاء الذين كانوا بمجلس السلطان لما قرئت عليه الفتيا بموافقتهم له، وأنهم لم يمكنهم الكلام بحضرة السلطان في ذلك الوقت لغضبه وما ظهر من حدته في ذلك المجلس، وقال:

" الذي نعتقد في السلطان: أنه إذا ظهر له الحق يرجع إليه، وأنه يعاقب من موه الباطل عليه، وهو أولى الناس بموافقة والده السلطان الملك العادل، تغمده الله برحمته ورضوانه؛ فإنه عزر جماعة من أعيان الحنابلة المبتدعة تعزيرا بليغا رادعا، وبدع بهم وأهانهم ".

فلما اتصل ذلك بالسلطان، استدعى دواة وورقة وكتب فيها:" بسم الله الرحمن الرحيم، وصل إليَّ ما التمسه الفقيه ابن عبد السلام أصلحه الله، من عقد مجلس وجمع المفتين والفقهاء، وقد وقفنا على خطه وما أفتى به، وعلمنا من عقيدته ما أغنى عن الاجتماع به، ونحن فنتبع ما عليه الخلفاء الراشدون الذين قال صلى الله عليه وسلم في حقهم: « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي »، وعقائد الأئمة الأربعة فيها كفاية لكل مسلم يغلب هواه ويتبع الحق ويتخلص من البدع، اللهم إلا إن كنت تدعي الاجتهاد، فعليك أن تثبت، ليكون الجواب على قدر الدعوى، لتكون صاحب مذهب خامس، وأما ما ذكرته عن الذي جرى في أيام والدي تغمده الله برحمته، فذلك الحال أنا أعلم به منك، وما كان له سبب إلا فتح باب السلامة لا لأمر ديني:

وجرم جره سفهاء قوم        فحل بغير جانيه العذاب

ومع هذا فقد ورد في الحديث: « الفتنة نائمة لعن الله مثيرها »، ومن تعرض إلى إثارتها قاتلناه بما يخلصنا من الله تعالى، وما يعضد كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم "، ثم استدعى رسولا، وصير الرقعة معه إليه.

فلما وفد بها عليه، فضها وقرأها وطواها، وقال للرسول:" قد وصلت، وقرأتها وفهمت ما فيها، فاذهب بسلام ".

فقال: قد تقدمت الأوامر المطاعة السلطانية إلي بإحضار جوابها.

فاستحضر الشيخ دواة وورقة وكتب فيها ما مثاله:"

بسم الله الرحمن الرحيم

{ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون }[الحجر:92-93].

 أما بعد حمد الله الذي جلت قدرته، وعلت كلمته، وعمت رحمته، وسبغت نعمته: فإن الله تعالى قال لأحب خلقه إليه وأكرمهم لديه: { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون }[الأنعام:116]، وقد أنزل الله كتبه وأرسل رسله لنصائح خلقه، فالسعيد من قبل نصائحه وحفظ وصاياه، وكان فيما أوصى به خلقه أن قال: { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين }[الحجرات:6]، وهو سبحانه أولى من قبلت نصيحته، وحفظت وصيته.

وأما طلب المجلس وجمع العلماء: فما حملني عليه إلا النصح للسلطان وعامة المسلمين، وقد سئل رسول الله  صلى الله عليه وسلم عن الدين، فقال: « الدين النصيحة »، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: « لله ولكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم »، فالنصح لله: بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ولكتابه: بالعمل بمواجبه، ولرسوله: باتباع سنته، وللأئمة: بإرشادهم إلى أحكامه والوقوف عند أوامره ونواهيه، ولعامة المسلمين: بدلالتهم على ما يقربهم إليه ويزلفهم لديه، وقد أديت ما علي في ذلك.

والفتيا التي وقعت في هذه القضية يوافق عليها علماء المسلمين، من الشافعية والمالكية والحنفية والفضلاء من الحنابلة، وما يخالف في ذلك إلا رعاع لا يعبأ الله بهم، وهو الحق الذي لا يجوز دفعه، والصواب الذي لا يمكن رفعه، ولو حضر العلماء مجلس السلطان لعلم صحة ما أقول، والسلطان أقدر الناس على تحقيق ذلك، ولقد كتب الجماعة خطوطهم بمثل ما قلته، وإنما سكت من سكت في أول الأمر لِما رأى من غضب السلطان، ولولا ما شاهدوه من غضب السلطان لما أفتوا أولا إلا بما رجعوا إليه آخرا، ومع ذلك: فتكتب ما ذكرته في الفتيا وما ذكره الغير، وتبعث به إلى بلاد الإسلام؛ ليكتب فيها كل من يجب الرجوع إليه ويعتمد في الفتيا عليه، ونحن نحضر كتب العلماء المعتبرين، ليقف عليها السلطان.

وبلغني أنهم ألقوا إلى سمع السلطان أن الأشعري يستهين بالمصحف، ولا خلاف بين الأشعرية وجميع علماء المسلمين: أن تعظيم المصحف واجب، وعندنا: أن من استهان بالمصحف أو بشيء منه فقد كفر، وانفسخ نكاحه، وصار ماله فيئا للمسلمين، ويضرب عنقه، ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، بل يترك بالقاع طعمة للسباع.

ومذهبنا: أن كلام الله سبحانه قديم أزلي قائم بذاته، لا يشبه كلام الخلق، كما لا يشبه ذاته ذات الخلق، ولا يتصور في شيء من صفاته أن تفارق ذاته؛ إذ لو فارقته لصار ناقصا، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا! وهو مع ذلك مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، وصفة الله القديمة ليست بمداد للكاتبين، ولا ألفاظ اللافظين، ومن اعتقد ذلك فقد فارق الدين، وخرج عن عقائد المسلمين، بل لا يعتقد ذلك إلا جاهل غبي { وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون }[الأنبياء:112].

وليس رد البدع وإبطالها من باب إثارة الفتن؛ فإن الله سبحانه أمر العلماء بذلك، وأمرهم ببيان ما علموه، ومن امتثل أمر الله ونصر دين الله لا يجوز أن يلعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما ما ذكر من أمر الاجتهاد، والمذهب الخامس: فأصول الدين ليس فيها مذاهب، فإن الأصل واحد، والخلاف في الفروع، ومثل هذا الكلام مما اعتمدتم فيه قول من لا يجوز أن يعتمد قوله، والله أعلم بمن يعرف دينه ويقف عند حدوده، وبعد ذلك فإنا نزعم أنا من جملة حزب الله، وأنصار دينه وجنده، وكل جندي لا يخاطر بنفسه فليس بجندي.

وأما ما ذكر من أمر باب السلامة: فنحن تكلمنا فيه بما ظهر لنا، من أن السلطان الملك العادل رحمه الله تعالى إنما فعل ذلك إعزازا لدين الله تعالى ونصرة للحق، ونحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.

والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ".

وكان يكتبها وهو مسترسل من غير توقف ولا تردد ولا تلعثم، فلما أنهى كتابتها طواها وختمها ودفعها إلى الرسول ..

فلما عاد الرسول إلى السلطان رحمه الله، وأوصله الرقعة، فعندما فضها وقرئت عليه، اشتدت استشاطته، وعظم غضبه، وتيقن العدو تلف الشيخ وعطبه، ثم استدعى الغرز خليلا، وكان إذ ذاك أستاذ داره، وكان من المحبين للشيخ والمعتقدين فيه، فحمله رسالة إلى الشيخ، وقال له:" تعود إلي سريعا بالجواب ".

فذهب الغرز إليه، وجلس بين يديه، بحسن تودد وتأدب وتأن، ثم قال له:" أنا رسول { وما على الرسول إلا البلاغ المبين }[النور:54]، والله لقد تعصبوا عليك، وأعنتهم أنت على نفسك بعدم اجتماعك في مبدأ الأمر بالسلطان، ولو كان رآك ولو مرة واحدة لما كان شيء من هذه الأمور أصلا، وكنت أنت عنده الأعلى ".

فقال له:" أد الرسالة كما قيلت لك ولا تسأل ".

فقال:" لا تسأل ما حصل عند السلطان عند وقوفه على ورقتك، ولا سيما أنه وجد فيها ما لا يعهده من مخاطبة الناس للملوك، مضافا إلى ما ذكرته من مخالفة اعتقاده، فقال لي: اذهب إلى ابن عبد السلام، وقل له: إنا قد شرطنا عليه ثلاثة شروط:

أحدها: أنه لا يفتى.

والثانية: أنه لا يجتمع بأحد.

والثالثة: أنه يلزم بيته ".

فقال له:" يا غرز، إن هذه الشروط من نعم الله الجزيلة علي الموجبة للشكر لله تعالى على الدوام:

أما الفتيا: فإني كنت والله متبرما بها وأكرهها، وأعتقد أن المفتي على شفير جهنم، ولولا أني أعتقد أن الله أوجبها علي، لتعينها علي في هذا الزمان، لما كنت تلوثت بها، والآن فقد عذرني الحق، وسقط عني الوجوب، وتخلصت ذمتي، ولله الحمد والمنة.

وأما ترك اجتماعي بالناس، ولزومي لبيتي: فما أنا في بيتي الآن، وإنما أنا في بستان ( وكان في تلك السنة استأجر بستانا متطرفا عن البساتين، وكان مخوفا ) ".

فقال له الغرز:" البستان هو الآن بيتك " ..

فقال له:" يا غرز، من سعادتي لزومي لبيتي، وتفرغي لعبادة ربي، والسعيد من لزم بيته، وبكى على خطيئته، واشتغل بطاعة الله تعالى، وهذا تسليك من الحق، وهدية من الله تعالى إلي، أجراها على يد السلطان وهو غضبان وأنا بها فرحان، والله يا غرز، لو كانت عندي خلعة تصلح لك على هذه الرسالة المتضمنة لهذه البشارة، لخلعت عليك، ونحن على الفتوح، خذ هذه السجادة صل عليها ".

فقبلها وقبلها وودعه، وانصرف إلى السلطان، وذكر له ما جرى بينه وبينه.

فقال لمن حضره:" قولوا لي ما أفعل به؟ هذا رجل يرى العقوبة نعمة، اتركوه، بيننا وبينه الله ".

ثم إن الشيخ بقي على تلك الحالة ثلاثة أيام.

ثم إن الشيخ العلامة جمال الدين الحصيري شيخ الحنفية في زمانه، وكان قد جمع بين العلم والعمل، ركب حمارا له، وحوله أصحابه، وقصد السلطان، فلما بلغ الملك الأشرف دخول الحصيري إلى القلعة، أرسل إليه خاصته يتلقونه، وأمرهم أن يدخلوه إلى دار الإمارة راكبا على حماره، فلما رآه السلطان وثب قائما، ومشى إليه وأنزله عن حماره وأجلسه على تكرمته، واستبشر بوفوده عليه، وكان في رمضان قريب غروب الشمس، فلما دخل وقت المغرب، وأذن المؤذن صلوا صلاة المغرب، وأحضر للسلطان قدح شراب، فتناوله وناوله للشيخ، فقال له الشيخ:" ما جئت إلى طعامك ولا إلى شرابك ".

فقال له السلطان: يرسم الشيخ ونحن نمتثل مرسومه.

فقال له:" أيش بينك وبين ابن عبد السلام، وهذا رجل لو كان في الهند أو في أقصى الدنيا كان ينبغي للسلطان أن يسعى في حلوله في بلاده؛ لتتم بركته عليه وعلى بلاده ويفتخر به على سائر الملوك؟!

قال السلطان:" عندي خطه باعتقاده، في فتيا، وخطه أيضا في رقعة جواب رقعة سيَّرتها إليه، فيقف الشيخ عليهما، ويكون الحكم بيني وبينه ".

ثم أحضر السلطان الورقتين فوقف عليهما، وقرأهما إلى آخرهما، وقال:" هذا اعتقاد المسلمين، وشعار الصالحين، ويقين المؤمنين، وكل ما فيهما صحيح، ومن خالف ما فيهما وذهب إلى ما قاله الخصم، من إثبات الحرف والصوت، فهو حمار ".

فقال السلطان رحمه الله:" نحن نستغفر الله مما جرى، ونستدرك الفارط في حقه، والله لأجعلنه أغنى العلماء "، وأرسل إلى الشيخ واسترضاه، وطلب محاللته ومخاللته ..  "انتهى مهذَّبا