وسائل الطريق

قال الشيخ أبو المواهب عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه في كتاب المنن الكُبرى:"

جميع الأخلاق .. لا يوصل إليها إلا بأحد طريقين: إما بالجذب الإلهي، وإما بالسلوك على يد شيخ صادق.

ومن لم يدخل من أحد هاتين الطريقين فمحال أن يصل إلى شيء من هذه الأخلاق، وقد طلب أقوام الوصول إلى التخلق بها من غير طريق الجد فكان غايتهم الحرمان لظنهم أنها طريق ( قال بغير حال ) مثل غيرها من الطرق، وغاب عنهم أن (طريق التصوف) طريق علم وعمل ..

فإن بعض الناس بنى طريقه على ظاهر الفقه ونفى طريق التصوف جملة وقال ( ليس لنا طريق تقرب إلى الله تعالى غير ما نحن عليه من ظاهر الفقه ) بحسب فهمه هو!

وبعضهم ظن أن (علم التصوف) حفظ نقول فقط من غير عمل، فأخذ نحو رسالة القشيري، وعوارف المعارف، وجلس يدرس للناس فيه بحسب فهمه المخالف لما عليه القوم، وظن بنفسه أنه صار صوفياً من غير تخلق بما يدرسه، وهذا خطأ ظاهر، وغاب عنه أن دائرة الولاية تؤخذ من بعد انتهاء دائرة غيرها .. فكما أن دائرة النبوة تؤخذ بدايتها من بعد نهاية الولاية، فكذلك (علم التصوف) يبتدأ من بعد نهاية الفهم والفكر، فلا يُسمى صوفيا إلا من عمل بعمله على وجه الإخلاص، كما عليه الأئمة المجتهدون وصالحو مقلديهم.

ولو أن طريق القوم يوصل إليها بالفهم من غير شيخ يسير بالطالب فيها لما احتاج مثل حجة الإسلام الإمام الغزالي والشيخ عز الدين بن عبد السلام أخذ أدبهما عن شيخ، مع أنهما كانا يقولان قبل دخولهما طريق القوم:" كل من قال إن ثم طريقاً للعلم غير ما أبدينا فقد افترى على الله عز وجل "، فلما دخلا طريق القوم كانا يقولان:" ضيعنا عمرنا في البطالة والحجاب "، وأثبتا طريق القوم ومدحاها، وقد سلك الإمام الغزالي على الشيخ أبي محمد البازغاني، وسلك الشيخ عز الدين بن عبد السلام على الشيخ أبي الحسن الشاذلي ..

فعلم أن مثال من يحفظ نقول أهل الطريق بغير ذوق ولا تخلق مثال من حفظ له كتاباً في علم الطب عن ظهر قلب من غير معرفة الداء والدواء، فكل من سمعه وهو يقرأ ويقول الداء الفلاني دواؤه الشيء الفلاني يقول ما هذا إلا طبيب عظيم، فإذا قال له أعلمني باسم هذا الداء الذي فيَّ وأخبرني باسم الدواء، وقال له لا أعلم ذلك، يقول إنه جاهل بعلم الطب.

وقد كان علماء السلف الصالح يعملون بكل ما يعلمون على وجه الإخلاص لله تعالى فيه فنارت قلوبهم وخلصت من العلل القادحة في الإخلاص، فلما ذهبوا وخلف من بعدهم أقوام لا يعتنون بالإخلاص في علمهم وعملهم أظلمت قلوبهم وحجبت عن أحوال القوم فأنكروها، وبعضهم إذا سمع بشيء من أخلاق القوم يقول ( هذا منزع صوفي لا شرعي )، فيوهم السمعين أن التصوف أمر خارج عن أصل الشريعة! والحال ( أنه لبّ الشريعة ) كما يعلم ذلك من طالع .. فإنه لا يكاد يجد خلقاً واحداً .. يخالف الشريعة أبداً؛ لكثرة مناقشات أهل الطريق لأنفسهم وأخذهم بالعزائم، فإن حقيقة طريق القوم علم وعمل، سداها ولحمتها شريعة وحقيقة لا أحدهما فقط، فينبغي للفقيه إذا قال عن مسألة ( هذا منزع صوفي ) أن يعقب ذلك بقوله: لا يقدر أحد من أمثالنا على المداومة على العمل به؛ ليزيل ما في نفوس السامعين ممن لا يفهم الأمر على وجهه.

وسمعت سيدي علياً الخواص _رحمه الله_ يقول كثيراً:

لا تسلكن طريقاً لست تعرفها  ***  بلا دليل فتهوى في مهاويها

انتهى"