التوقف على الحقّ

قال الشيخ أبو المواهب عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه في كتاب تنبيه المغترّين:"

من أخلاق السلف الصالح : توقفهم عن كل فعل أو قول حتى يعرفوا ميزانه على الكتاب والسنة، أو العرف؛ لأن " العرف " من جملة الشريعة، قال الله تعالى: { خُذ العفو وأمر بالعُرف }[الأعراف:199].

فعلم أن القوم لا يكفون في أقوالهم وأفعالهم بمجرد عمل الناس بها، لاحتمال أن يكون ذلك الفعل أو القول من جملة البدع التي لا يشهد لها كتاب ولا سنة، وفي الحديث: { لا تقوم الساعة حتى تصير السنة بدعة، فإذا تركت البدعة يقول الناس: تركت السنة }؛ وذلك لتوارث الفروع البدع عن أصولهم، فلما طال زمن العمل بالبدع ظن الناس أنها سنة مما سنه رسول الله .

ومن القوم طائفة إذا لم يجدوا لذلك العمل دليلاً من سنة النبي الثابتة في كتب الشريعة يتوجهون بقلوبهم إليه ، فإذا حضروا بين يديه سألوه عن ذلك، وعملوا بما قال لهم، إلا أن مثل ذلك خاص بأكابر الرجال.

فإن قيل: فهل لصاحب هذا المقام أن يأمر الناس بما أمره به رسول الله أم لا؟

فالجواب: لا ينبغي له ذلك؛ لأنه أمر زائد على السنة الصحيحة الثابتة من طريق النقل، ومن أمر الناس بشيء زائد على ما ثبت من طريق النقل فقد كلف الناس شططاً، اللهم إلا أن يختار أحد ذلك فلا حرج، كما هو شأن مقتدي المذاهب المستنبطة من الكتاب والسنة، والله أعلم.

وقد كان السلف الصالح يحثون الناس، لاسيما أصحابهم على التقيد بالكتاب والسنة واجتناب البدع، ويشددون في ذلك، حتى إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب :" ربما كان يهم بالأمر ويعزم عليه، فيقول له بعض الناس: إن رسول الله لم يفعل ذلك ولم يأمر به، فيرجع عما كان عزم عليه ".

قال:" وهمّ مرة أن يأمر الناس بنزع ثياب كانوا يلبسونها حين بلغه أنها تصبغ ببول العجائز، فقال له شخص: إن رسول الله قد لبس منها، ولبسها الناس في عصره، فاستغفر الله تعالى ورجع، وقال في نفسه: لو كان عدم لبسها من الورع لما لبسها ".

وقد بلغنا: أن الإمام زين العابدين قال لولده:" اتخذ لي ثوبا ألبسه عند قضاء الحاجة وأنزعه وقت شروعي في الصلاة؛ فإني رأيت الذباب يجلس على النجاسة ثم يقع على ثوبي "، فقال له ولده: إنه لم يكن لرسول الله إلا ثوب واحد لصلاته وخلائه، فرجع الإمام عما كان عزم على فعله.

قلت: المنقول: أن رسول الله لم يكن الذباب ينزل على ثوبه ولا على بدنه، فلا يصلح ما ذكر دليلاً، إلا أن يكون قال له ولده: لم يأمر أحداً، فتأمل.

وأما ما نقل من أبي يزيد البسطامي _ رحمه الله تعالى _: من أنه كان له ثوب لصلاته وثوب لخلائه، فليس ذلك من حيث وقوع الذباب كما وقع لزين العابدين، وإنما ذلك من باب الأدب: أن لا يكون ثوب الخلاء هو ثوب الصلاة، نظير ما قالوا في تحريم استقبال القبلة واستدبارها في الغائط؛ فطلب الشارع أن لا يكون جهة قضاء الحاجة هي جهة الوقوف للصلاة، فافهم.

فعليك يا أخي باتباع السنة المحمدية في جميع أفعالك وأقوالك وعقائدك، ولا تقدم على فعل شيء حتى تعلم موافقته للكتاب والسنة. انتهى

فكذب والله وافترى من يقول " إن طريق القوم بدعة "، وإذا كان من يهاب مخالفة الشريعة ويتوقف عن العمل حتى يعلم موافقته للشرع مبتدعاً، فما بقي على وجه الأرض سنّي! والحمد لله رب العالمين. "انتهى