تَسَاوي السِّرِّ والعَلانيَة

قال الشيخ أبو المواهب عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه في كتاب تنبيه المغترّين:"

أخذ علينا العهود في أخلاق السلف الصالح : فمنها: عملهم على ترك النفاق، بحيث تتساوى سريرتهم وعلانيتهم في الخير، فلا يكون لأحدهم عمل يفتضح به غداً في الآخرة.

ومن وصية أبي العباس الخضر لعمر بن عبد العزيز لما اجتمع به في المدينة المشرفة وسأله أن يوصيه بوصية، فقال له:" إياك يا عمرُ أن تكون ولياً لله في العلانية، وعدواً له في السرّ؛ فإن من لم تتساو سريرته وعلانيته فهو منافق، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار "، فبكى عمر حتى بل لحيته.

وفي الحديث: { يخرج في آخر الزمان أقوام يختلون } أي: يطلبون { الدنيا بالدين } أي: الدنيا بعمل الآخرة، { يلبسون جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله تعالى: أبي يغترون؟ أم عليّ يجترئون؟ فبي حلفت، لأبعثنّ على أولئك فتنة تدع الحليم فيهم حيراناً }.

وكان المهلب بن أبي صفرة يقول:" إني لأكره الرجل يكون للسانه فضل على فعله ".

وكان عبد الواحد بن زيد يقول:" ما بلغ الحسن البصري رحمه الله تعالى إلى ما بلغ إلا لكونه كان إذا أمر الناس بشيء يكون أسبقهم إليه، وإذا نهاهم عن شيء كان أبعدهم منه، وكانوا يقولون: ما رأينا أحداً سريرته أشبه بعلانيته من الحسن البصري ".

وكان معاوية بن قرة يقول:" بكاء القلب خير من بكاء العين ".

وكان يحيى بن معاذ يقول:" القلوب كالقدور، ومغارفها ألسنة أصحابها، فكونوا عبيداً بأفعالكم كما أنكم عبيد بأقوالكم ".

وكان مروان بن محمد يقول:" ما وصف لي رجل قط إلا وجدته دون ما وصفوه به إلا وكيعاً رحمه الله تعالى، فإني وجدته فوق ذلك ".

وكان عتبة بن عامر يقول:" إذا وافقت سريرة العبد علانيته، قال الله تعالى لملائكته: { هذا عبدي حقاً } ".

وكان أبو عبد الله الأنطاكي يقول:" أفضل الأعمال: ترك المعاصي الباطنة "، فقيل له: ولم ذلك؟ قال:" لأن الباطلة إذا تركت كان صاحبها للمعاصي الظاهرة أترك، فمن كانت سريرته أفضل من علانيته فذلك الفضل، ومن تساوت سريرته وعلانيته فذلك العدل، ومن كانت علانيته أفضل من سريرته فذلك الجور ".

وكان يوسف بن أسباط يقول:" أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: أن قل لقومك يُخفوا أعمالهم وأنا أظهرها لهم "، وقد مر مثل ذلك في الخلق قبله.

وكان أبو عبد الرحمن الزاهد يقول في مناجاته:" يا ويحي، عاملت الناس بالأمانة، وعاملت ربي بالخيانة، فليتني عكست "، ثم يبكي.

وكان مالك بن دينار يقول:" من أمر الناس بشيء لم يبلغه حاله فهو منافق إلا أن يسأله أحد عن حكمه ".

وكان يقول:" إياك أن تكون في النهار أبا عبد الله الصالح، وفي الليل شيطان طالح ".

وعن إبراهيم التيمي أنه يقول:" ما عرضت علمي على عملي إلا وجدت نفسي غير عامل بما علمت ".

كان الزبير بن العوّام يقول:" اجعلوا لكم خبيئة من العمل الصالح كما أن لكم خبيئة من العمل السيئ ".

وقال معاوية بن قرّة:" من يدلني على رجل يبكي بالليل ويبتسم في النهار "، أي: أن ذلك لقليل.

وكان مسلم الخولاني يقول:" من نعمة الله علي: أنني منذ ثلاثين سنة ما فعلت شيئاً يستحيا منه إلا قربي من أهلي ".

وكان أبو عبد الله السمرقندي إذا مدحه الناس يقول:" والله ما مثلي ومثلكم إلا كمثل جارية ذهبت بكارتها بالفجور وأهلها لا يعلمون بذلك، فهم يفرحون بها ليلة الزفاف وهي حزينة خوف الفضيحة ".

وكان أبو أمامة يعيب على الرجل بكاءه في المسجد بحضرة الناس.

وكان ميمون بن مهران يقول:" علانية بغير سريرة، مثل كنيف من خارجه ومن داخله النتن والخبث، ومن افتخر بمال لم يصبه كذبه كسبه ".

وكان يحيى بن معاذ يقول:" من أراد أن يعدّه الناس من الصالحين بالقول فقط دون موافقتهم في الأعمال، فهو كمن دخل وليمة الملك لقوم خاصين بغير إذن، ومن اكتفى بالقول دون العمل جازاه الله بالوعد دون العطاء عقوبة له ".

وكان بلال بن سعد يقول:" إذا ادعى الفقير الزهد بغير حق، رقص الشيطان حوله يضحك عليه ويسخر به ".

وكان عبد الله بن عمر يقول:" لا يجد عبد صريح الإيمان حتى يعلم بأن الله تعالى يراه، فلا يعلم سراً يفتضح به يوم القيامة ".

وكان مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول:" لو علمتم ما أغلق بي عليه دونكم ما جلس أحد منكم حوله "، قلت: وهذا من باب الهضم لنا والاتهام له .

وكان سفيان الثوري يقول:" قد غلب على القراء في هذا الزمان الرياء، يظهرون للناس النسك والعبادة، وباطنهم مشغول بالغلّ والحقد والشحناء لبعضهم، وإذا كان لكم حاجة عند قارئ فلا تتشفعوا عنده بقارئ مثله، فيقسو قلبه عليكم، ولكن تشفعوا عنده بأحد من الأغنياء؛ فإنه أقضى لحاجاتكم " ..

ففتش نفسك يا أخي: هل تساوت سريرتك وعلانيتك أم لا؟ وأكثر من الاستغفار، واعلم أن من أظهر للناس خلاف ما في باطنه فهو منافق، يحشر غداً مع المنافقين، فافهم ذلك، والحمد لله رب العالمين. "انتهى