حفظ قلوب مشايخ الصوفية

وترك الخلاف عليهم

قال الشيخ الإمام أبو القاسم القشيري _ رحمه الله _ في رسالته:

قال الله تعالى في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً .

لما أراد صحبة الخضر حفظ شرط الأدب، فاستأذن أوَّلاً في الصحبة، ثم شرط عليه الخضر: أن لا يعارضه في شيء، ولا يعترض عليه في حكم، ثم لما خالفه موسى عليه السلام تجاوز عنه المرة الأولى، والثانية، فلما صار إلى الثالثة _ والثلاثُ آخر حد القلة وأول حد الكثرة _ سامه الفرقة فقال: هذا فراق بيني وبينك ..

عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أكرم شاب شيخاً لسنَّه إلا قيض الله تعالى له من يكرمه عند سنه [ فكيف بمن أكرم عالماً لعلمِه أو ولياً لولايته؟!! ].

سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله يقول:" بدء كل فُرقة المخالفة ".

يعني به: أنَّ من خالف شيخه لم يبق على طريقته، وانقطعت العُلقةُ بينهما وإن جمعتهما البقعة؛ فمن صحب شيخاً من الشيوخ ثم اعترض عليه بقلبه فقد نقض عهد الصحبة، ووجبت عليه التوبة.

على أن الشيوخ قالوا:" عُقوق الأستاذين [ لغير عذر شرعي صحيح ] لا توبة عنها ".

سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: خرجت إلى مرو في حياة شيخي الأستاذ أبي سهل الصعلوكي، وكان له قبل خروجي أيام الجمعة بالغدوات مجلس دَوْر القرآن والختم، فوجدته عند رجوعي قد رفع ذلك المسجد، وعقد لأبي الغفاني في ذلك الوقت مجلس القول، فداخلني من ذلك شيءٌ؛ فكنت أقول في نفسي: قد استبدل مجلس الختم بمجلس القول، فقال لي يوماً: يا أبا عبد الرحمن، ما يقول الناسُ فيّ؟

فقلت: يقولون رفع مجلس القرآن ووضع مجلس القول!!

فقال: من قال لأستاذهِ " لِمَ؟ " لا يفلح أبداً ".

ومن المعروف أن الجنيد قال: دخلت على السريّ يوماً، فأمرني شيئاً، فقضيت حاجته سريعاً، فلما رجعت ناولني رقعة وقال: هذا لمكان قضائك لحاجتي سريعاً، فقرأت الرقعة، فإذا فيها مكتوب: سمعت حادياً يحدو في البادية:

أبكي، وهل يدريك ما يبكيني

أبكـي حـذار أن تفارقينـي

وتقطعي حبلـي وتهجرينـي

ويحكى عن أبي الحسن الهمداني العلوي قال:" كنت ليلة عند جعفر الخلدي، وكنت أمرت في بيتي أن يُعَلَّق طير في التنور، وكان قلبي معه، فقال لي جعفر: أقم عندنا الليلة! فتعللت بشيء، ورجعت إلى منزلي، فأخرج الطير من التنور، ووضع بين يدي، فدخل كلب من الباب، وحمل الطير عند تغافل الحاضرين ..

فلما أصبحتُ دخلت على جعفر، فحين وقع بصره عليّ قال: من لم يحفظ قلوب المشايخ سُلّط عليه كلب يؤذيه ".

[ وروى بإسناده ]: أن شقيقاً البلخيِّ، وأبا تراب النخشبي، قدما على أبي يزيد، فقُدَّمت السفرة، وشاب يخدم أبا يزيد، فقالا له: كل معنا يا فتى، فقال: أنا صائم.

فقال أبو تراب: كل ولك أجر صوم شهر، فأبى.

فقال شقيق: كل ولك أجر صوم سنة، فأبى.

فقال أبو يزيد: تدعُوا من سقط من عين الله تعالى!!

فأخذ ذلك الشاب في السرقة بعد سنة، فقطعت يده!! ..

سمع عبد الله الرازي أبا عثمان الحيري يصف محمد بن الفضل البلخي ويمدحه، فاشتاق إليه، فخرج إلى زيارته، فلم يقع بقلبه من محمد بن الفضل ما اعتقد، فرجع إلى أبي عثمان وسأله، فقال: كيف وجدته؟

فقال: لم أجده كما ظننت!

فقال: لأنك استصغرته، وما استصغر أحدٌ أحداً إلا حُرم فائدته، ارجع إليه بالحرمة.

فرجع إليه عبد الله، فانتفع بزيارته ..

سمعت أحمد بن يحيى الأبيوري يقول:" من رضي عنه شيخه لا يكافأ في حال حياته، لئلا يزول عن قلبه تعظيم ذلك الشيخ. فإذا مات الشيخ أظهر الله عز وجل عليه ما هو جزاء رضاه.

ومن تغير عليه قلبُ شيخه لا يكافأ في حال حياة ذلك الشيخ، لئلا يرقَّ له؛ فإنهم مجبولون على الكرم، فإذا مات ذلك الشيخ، فحينئذ يجد المكافأة بعده ".

 

 


ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين باللون الأزرق [ -- ]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف.