الندم والاستغفار

قال الشيخ عبد الله بن علوي الحداد رحمه الله:"

وأما " الندم ": فهو رجوع القلب مع التحسر والتأسف، عن شيء قد كان هم العبد به، مما يسخط الله تعالى فعله كالمعاصي أو تركه كالفرائض وقد يقع على الانهماك في المباحات، وعلى التأخر عن نوافل القربات .

والندم الصادق ما حمل على مجانبة التقصير وملازمة التشمير وعند صحته يكاد يتضمن جميع شرائط التوبة، ولذلك قال : "" الندم توبة "". والذي يندم على إتيان القبائح مع الملابسة لها متلاعب لا يغني عنه ندمه شيئا.

وأما " الاستغفار ": فهو طلب المغفرة من الله وهو الستر على الذنوب، وإذا تفضل الله بغفران ذنب لم يفضح به صاحبه ولم يعاقبه عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة.

وأشرف أنواع المغفرة: أن يجعل الله بين العبد سترا من الذنوب حاجزا بينه وبينها حتى لا يقع في شيء منها ، ويسمى هذا الستر بلسان النبوة: عصمة وبلسان الولاية: حفظا، وإليه يرجع معنى قوله تعالى لسيد المعصومين : { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات وقوله تعالى: { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر }.

ومن المعلوم أن الذنب لا يصدر منه ولكن ذكره نعمته عليه بعصمته مما يبعده منه، وأمره أن يدعو بذلك، فإن الدعاء في هذا الموطن يرجع إلى الشكر، والشكر سبب المزيد؛ { لئن شكرتم لأزيدنكم } والله أعلم.

دقيقة:

اعلم أن الطاعة وإن كانت هي الطريق إلى الله، والوسيلة إلى القرب من حضرته المقدسة، قد يداخل العاملين بها من أهل الغفلة أمور معدودة من كبائر الذنوب وذلك كالرياء والعجب، والتكبر بها على العباد، والإدلال بها على الله ونسيان منته في التوفيق لها، وما يجري هذا المجري.

وهذه الأشياء قد تنتهي بالمطيع إلى أحباط أصل الثواب، وربما استوجب مع ذلك أليم العقاب.

والمؤمن المعول على طريق الحزم الحريص على حصول النجاة، لا يفارقه الاتهام لنفسه وسوء الظن بها فهو يستغفر بإزاء الطاعات، وإن لم تكن له صور المخالفات، مخافة أن تكون نفسه قد دهته بشيء من هذه الدواهي المهلكات، فقد عرفت بهذا موقع الاستغفار من الطاعات.

وأمر أدق من هذا يقع لأهل المعرفة في بعض الحالات: وهو أنهم إذا آنسوا من نفوسهم ركونا إلى الصالحات من أعمالهم أو أنسا بها أو اعتمادا عليها يرجعون إلى الله بالتوبة والاستغفار.

وهذه الأشياء بعينها قد تطرقهم عند منازلات المقامات الشريفة، والأحوال الواردة فيتوبون عنها ويستغفرون منها.

ولذلك كانت الذنوب عند أهل الله المتجردين عن علائق الأكوان: الالتفات إلى غير الله كائن ذلك الغير ما كان، فتراهم يفزعون إلى الله ويفرون إليه من أحوال لو وردت على غيرهم كان يعدها من أعظم القربات وذلك كخواطر الرجاء بإزاء الطاعة، وخواطر الخوف وخواطر الزهد، وأفهم هاهنا قولهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين.

ولولا إندراس الطريق وأفول أنوار التحقيق لكنا نأتي من ذلك بالعجب العجاب، فتذكروا يا أولى الألباب.

قال الشيخ شهاب الدين السهروردي رحمه الله: وللمقامات قوادح قد تدخلها دواخل، لا يكاشف بها العارف في حال الإقامة بها، وإنما يتبينها إذا ارتقى من مقام إلى ما هو أعلى منه. فعند ذلك ينظر إلى الأوال وقد حصل له من الثاني زيادة تبصرة فيرجع إلى الذي فارقه فيصلحه ويجبر تقصيره فيه، ولا يكون ذلك إلا بالتوبة والاستغفار، وهذا معنى كلامهم مع مزيد شرح وإيضاح.

وقد تأول بعضهم قوله "" إنه لَيُغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم سبعين مرة ""، بنحو ما ذكره السهروردي، وهو بعيد المناسبة؛ للمنصب المحمدي الذي تندرج فيه جميع الكمالات الحقيقة والخلقية، وعندي له تأويل لا أسمح بذكره إلا مشافهة لأهله، والله أعلم.