وسيلة المعرفة

في كتاب بهجة المحبوب:" 

.. ووسيلةُ المعرفة: أولوا الأمر ؛ قال اللهُ تعالى: { أطيعوا الله وأطيعوا الرَّسولَ وأولي الأمْرِ منكم }، فإذا وُفِّقَ العَبْدُ للتَّنَبُّه من سِنَةِ الغَفْلَة، وتَدَارَك نَفْسَه بقول الله تعالى: { وأنيبوا إلى ربّكم وأسْلِموا له }، وجَبَ عليه قَصْد شَيخ كَامِلٍ حكيمٍ من أئمَّةِ الصُّوفيَّة ، وتسليم أمره له، على ما تقدم؛ قال الإمام أبو يزيد :" كُنْ بلا شيءٍ، حتى يكون لك كل شيء "اهـ، قال الإمامُ السُّلَمي :" وَقَصد المُريدين للحُكماء على وجوه:

فمُريدٌ يَقْصِدُ تائباً على سبيلِ المُعاشَرَة لا على حُدُود الحَقائق، فحَظُّه من مَقْصُوده على حَسَب قَصْدِه، إلا أنه ربما تعودُ بركاتُ قَصده، فَيُحَقِّقُه فيها؛ كما رُوي عن النبي : أنَّه قيل له:" إنَّ فلاناً يُصَلِّي ويَسْرِق! " فقال: { ستنهاه صلاتُه }، وكما قال حاكياً عن ربّه: { هُمُ القَومُ لا يَشْقَى بهم جليْسُهم }.

ومُريدٌ يَقْصِدُه تائباً، فيَدلّه على تصحيحِ تَوبَتِه وطريقِ مُعامَلَتِه.

ومُريدٌ يَقْصِدُه بِزُهْدِه، فيدُلُّه على ترك الدّنيا وآلتها، والنَّفْس ومخالفتها، وركوب المَشاق.

ومريد يَقْصِده وينتظر حُكمَ الحَكيم، فهو في غير حال ولا مقام يرغبه، فهو أولى القَومِ أن يجبُرَه الله تعالى برؤية الحُكماء؛ فإذا نَظر إليه الحكيمُ ورأى خُلُوَّه من الأسباب والأحوال نظرَ إليه نظرَ شَفقة ورحمة ورِعايةٍ ومُراعاة لأحواله، فيدُلّه في كلّ وقت على ما هو أولى وأليق بحاله، فيتأدَّب بأدَبِه ويتَّبع أمره، فيسهل عليه على المُريد بحُسن هَدي إمامه له، والهجوم على الأحوال، ولا يعجز عن شيء من آدابه؛ وذلك لِقُوَّة دليله لا لِقُوَّة نَفْسِه؛ لأن الدّليل يحمل عنه ببركة نظره إليه وَشَفَقَتِه عليهِ أثقال المؤن والأهوال، وبِقدر نظَره إليه وشفَقَته عليه يُفتح عليه زوائد التوفيق في أوقاته .. "اهـ ثم مَثَّل واستدلَّ لذلك بوجوهٍ صحيحة من السِّيرة الشَّريفة. "انتهى