|
الإرادة
في كتاب (
بهجة المحبوب
):"
الإرادة: هي معنى
في القلب يبعثُ على القَصْد.
فائدة: واعلم أن التَّعويل عليها في المَحكمَةِ العُليا؛ إذ العمل الواحد قد
يُفِيدُ آثاراً متعدِّدة إنما يترتب الحكمُ من بينها على مُراد العامل الذي
قَصده منه، كما قال سيدنا شُعيب
في باعث نصيحته لقومه: { وما
أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، إن أريدُ إلا الإصلاحَ ما استطعت }،
فبيّن أن العمل الواحد يختلف حكمه باختلاف المقصود به، لذلك قال الله
تعالى: { لله ما في السماوات وما في الأرض؛ وإن تُبْدُوا ما في أنفسكم أو
تُخفوه يُحاسبكم به الله، فيغفر لمن يشاء ويُعذّب من يشاء؛ والله على كل
شيء قدير }، يعني: يعلم مرادكم بالأعمال، فيُحاسبكم بما أوجبه عليها.
ثم بيَّن أنَّ
الإرادة على وجهين: إرادة الدنيا على اختلاف زينتها، وإرادة الآخرة
لغيرها أو لذاتها على اختلاف مراتبها؛ إذ إرادة الدنيا مهما اختلفت لا
تُثمر السعادة الدءوب التي تُوجبُ التّفاوت، خلافاً للأخرى. فقال لسيّدنا
رسول الله محمد : { واصبر نفسَك مع الذين يدعون ربَّهم
بالغداة والعشِيِّ يُريدون وجهه، ولا تَعدُ عيناك عنهم تُريدُ زينة الحياة
الدنيا }؛ ففرق بَيْنَ مَنْ يريد اللهَ
وبَيْن من يريد ثوابَه من
أصحابه ، وطلب منه الصبر مع الأوائل منهم، ثم جعل الدنيا
واحدة إنما تختلف بحسب الزينة.
وبيَّنَ أصناف
الحِساب: فقال : { بلى مَنْ أسلم وجهه لله وهو مُحسن فله أجره عند
ربّه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }؛ إذ مرادهم الله تعالى، كما قال
في موضِع آخر: { يُريدون وجهه }، وذلك لعلمهم أن { كل شيء هالك إلا وجهه }،
فالسعادة بالقَديم التامّ القدرة لا نسبة بينها وبين المحدثات القابلة
للهلاك، كما مَرَّ.
وقال
: { من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان
اللهُ سميعاً بصيرا }، وذلك: إنما يتحقق بإرادة منهج الذين قالوا: { ربنا
آتنا في الدنيا حَسَنة وفي الآخرة حَسَنة وقِنا عذاب النار }، وسلوكه؛ إذ
قال : { ومن أرادَ الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمنٌ فأولئك كان
سعيُهم مشكوراً }.
وقال
: { ومن كان يُريد حَرثَ الدّنيا نُؤتِهِ منها وما له في الآخرة من
نَصِيْب }، يعني: ومن عملَ عملاً صالحاً لدنيا يُريدها نؤته منها ويوم
القيامة يُقال له: أذهبت طيباتك في حياتك الدنيا واستمتعت بها، فلا نصيب
لكم من الآخرة. ولو أن هذا المحروم تأمل قولَ الله تعالى: { مَن كان يُريدُ
العاجِلةَ عجَّلنا له فيها ما نشاءُ لمن نُريدُ ثمَّ جعلنا له جهنَّم
يصلاها مذموماً مدحوراً } بمنطق العدل، لما أراد ذلك؛ وقد فهم أن عوائد
الأعمال في الدنيا متوقفة على المشيئة لا مُوجَبَة محكوم باقتضائها، وأن
مُوجَبها الحق: إنما هو العذاب مع الذم والاندحار، في يوم تكشفُ فيه
الأسرار، عند مليك عالمٍ مُقتدرٍ جبّار.
تنبيه:
واعلم أن " إخلاص الإرادة لله تعالى " التي يُبتغى بها وجهه، صعبة
المنالِ، لاسيما مع الركون إلى الدنيا وطول الآمال، ولا يُلقَّاها إلا
الصَّابرون كَسباً أو مِنَّةً، فلا سبيل إليها إلا بالصَّبر على حكم الله
تعالى ظاهراً وباطناً، كما فصلت في كتاب ( منهاج الصّوفيّة،
).
فإن لم تستطع فكن
ممن يريدون في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، قال بعض الكبراء
:" إن الدنيا عدو الله عز وجل وأنت مُحبّه، ومن أحبَّ أحداً أبغضَ
عدوّه ".
واعلم أن العبد
محاسَبٌ على وُسْعِه، فمن وَسِعه عمل كُلِّفَ به وسُئل عنه ولو من طريق
الملامة؛ قال الله تعالى: { لا يُكلّف اللهُ نفساً إلا وسعها لها ما كسَبت
وعليها ما اكتسبت }.
إشارة: وقوله
: { لها ما كسَبت وعليها ما اكتسبت }، إشارة إلى اليقظة والغَفلة،
وتفريق بين النفس الإلهية والنفس الحيوانيَّة؛ إذ الكسب بالتَّجَرّد عن
عوارض العالم السّفلي، والعَمل بمقتضى النور المُشرق من العالم العلوي.
والاكتساب بالتأثّر بتلك العوارض، والعمل على وفقها.
أسألُ الله تعالى
توفيقي وإياكم إلى خالِصِ إرادته، وحفظنا على القيام بحقِّ عُبُوديَّته.
"انتهى
|