الإخلاص والرياء

قال الشيخ أبو المواهب عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه في كتاب تنبيه المغترّين:"

من أخلاق السلف الصالح : كثرة إخلاصهم في علمهم وعملهم، وخوفهم من دخول الرياء في ذلك.

ونبسط لك يا أخي في هذا المحل؛ لكثرة حاجة الناس إلى ذلك، فنقول:

ثبت في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله قال: { لما خلق الله جنة عدن، خلق فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال لها: تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون _ ثلاثاً _، ثم قالت: أنا حرام على كل بخيل ومراءٍ }.

وكان وهب بن منبه يقول:" من طلب الدنيا بعمل الآخرة نكس الله قلبه، وكتب اسمه في ديوان أهل النار ".

وكان الحسن البصري يقول:" كان عيسى عليه الصلاة والسلام يقول: من عمل بما علم كان ولياً حقاً ".

وكان سفيان الثوري يقول:" قالت لي والدتي: يا بني، لا تتعلم العلم إلا إذا نويت العمل به، وإلا فهو وبال عليك يوم القيامة ".

وكان الحسن البصري كثيراً ما يعاتب نفسه ويوبخها بقوله:" تتكلمين بكلام الصالحين القانتين العابدين، وتفعلين فعل الفاسقين المنافقين المرائين! والله ما هذه صفات المخلصين ".

وكان الفضيل بن عياض يقول:" من لم يكن في أعماله أكيس من ساحر وقع في الرياء ".

وقد قيل: لذي النون المصري : متى يعلم العبد أنه من المخلصين؟ فقال: إذا بذل المجهود في الطاعة، وأحب سقوط المنزلة عند الناس ".

وكان محمد بن المنكدر يقول: أحب للإخوان أن يظهر أحدهم السمت الحسن بالليل، فإنه أشرف من سمت النهار؛ لأنه في النهار يراه الناس، وفي الليل يكون لرب العالمين ".

وقد قيل مرة ليونس بن عبيد : هل رأيت أحداً يعمل بعمل الحسن البصري؟ فقال:" والله ما رأيت من يقول بقوله، فكيف أرى من يعمل بعمله؛ وكان وعظه يبكي القلوب، ووعظ غيره لا يبكي العيون ".

وقيل ليحيى بن معاذ : متى يكون العبد مخلصاً؟ فقال:" إذا صار خلقه كخلق الرضيع، لا يبالي من مدحه أو ذمه ".

وقد كان أبو السائب إذا طرقه بكاء في سماع قرآن أو حديث أو نحو ذلك يصرفه إلى التبسم.

وكان أبو عبد الله الأنطاكي يقول:" إذا كان يوم القيامة، قال الله للمرائي: خذ ثواب عملك ممن كنت ترائيه، وفي رواية: يقال له: ألم توسع لك الناس في المجالس لأجل عملك وعلمك؟ ألم تكن رئيساً في دنياك؟ ألم ترخص لك الناس بيعك وشراءك؟ ألم يكرمومك؟ ألم؟ ألم؟ مثل هذا وأشباهه ".

وكان الفضيل بن عياض يقول:" ما دام العبد يستأنس بالناس، فلا يسلم من الرياء ".

وكان الأنطاكي يقول:" المتزينون ثلاثة: متزين بالعلم، ومتزين بالعمل، ومتزين بترك التزين فهو أغمضها وأحبها إلى الشيطان ".

وكان إيَّاس بن معاوية أخاً لإبراهيم التميمي، وكان كل منهما لا يثني على الآخر من ورائه ويقول:" الثناء معدود من الجزاء، وأنا لا أحب نقص ثواب أخي بالثناء عليه بين الناس ".

وكان أبو عبد الله الأنطاكي يقول:" من طلب الإخلاص في أعماله الظاهرة وهو يلاحظ الخلق بقلبه، فقد رام المُحال؛ لأن الإخلاص ماء القلب الذي به حياته، والرياء يميته ".

وقد كان يوسف بن أسباط يقول:" ما حاسبت نفسي قط إلا وظهر لي أنني مراءٍ خالص ".

وكان الحسن البصري يقول:" من ذم نفسَه في الملإ فقد مدحها، وذلك من علامات الرياء ".

وكان ابن السماك يقول:" لو أن المرائي بعلمه وعمله أخبر الناس بما في ضميره لمقتوه وسفهوا عقله ".

وكان إبراهيم بن أدهم يقول:" لا تسأل أخاك عن صيامه؛ فإنه إن قال: أنا صائم، فرحت نفسه بذلك. وإن قال: أنا غير صائم، حزنت نفسه. وكلاهما من علامات الرياء، وفي ذلك: فضيحة للمسؤول، واطلاع على عورته من السائل ".

وكان عبد الله بن المبارك يقول:" إن الرجل ليطوف بالكعبة وهو يرائي أهل خراسان "، فقيل له: وكيف ذلك؟! قال:" يحب أن يقول فيه أهل خراسان: إن فلانا مجاور بمكة على طواف وسعي، فهنيئاً له ".

وكان الفُضيل بن عيَّاض يقول:" أدركنا الناس وهم يراؤون بما يعملون، فصاروا الآن يراؤون بما لا يعملون "!!

وكان إذا قرأ { ونبلو أخباركم }[محمد:31]، يقول:" اللهم إنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا، وأنت أرحم الراحمين ".

وكان أيوب السختياني يقول:" إن من الرياء بما لا تعمل: تطاولك على غيرك بما تحفظه من كلام الناس وأقوالهم في العلم؛ فإن ذلك الذي تتطاول به ليس من عملك ولا استنبطه ".

وكان إبراهيم بن أدهم يقول:" ما اتقى اللهَ من أحبَّ أن يذكره الناس بخير، ولا أخلص له ".

وكان عكرمة يقول:" أكثروا من النية الصالحة، فإن الرياء لا يدخل النية ".

وكان عبد الله بن عباس يقول:" لا يحتاج شيء من فروع الإسلام إلى نية بعد اختيار صاحبه الدخول في الإسلام ".

وكان أبو سليمان الداراني يقول:" كل عمل يعمله المؤمن من أعمال الإسلام مما لم تحضره فيه نية، فنية الإسلام تجزيه ".

قلت: وفي ذلك تقوية للحنفية.

وكان نعيم بن حماد يقول:" ضرب الظهر بالسياط أهون علينا من النية الصالحة ".

وكان منصور بن المعتمر وثابت البناني رحمه الله يقولان:" طلبنا العلم وما لنا فيه نية، فرزقنا الله النية الصالحة بعد ذلك؛ لأن العلم كله يبعث صاحبه على الإخلاص، فيصير يطلبه حتى يحصل له ".

وكان الحسن البصري يقول:" دخول أهل الجنة وأهل النار فيهما يكون بالأعمال، وخلودهم فيهما يكون بالنيات ".

وكان أبو داود الطيالسي يقول:" ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك: نصرة الدين، لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف ".

وفي التوراة:" كل عمل قبلته فهو كثير وإن كان قليلاً، وكل عمل رددته فهو قليل وإن كان كثيراً ".

وكان الفضيل بن عياض يقول:" إذا كان يسأل الصادقين عن صدقهم، مثل إسماعيل وعيسى عليهما الصلاة والسلام، فكيف بالكاذبين من أمثالنا "؟!

ولبس داود الطائي ثوبه مقلوبا مرة، فقالوا له: ألا تغيره؟ فقال:" إني لبسته لله فلا أغيره ".

وقد كان أمير المؤمنين علي يقول:" إن للمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده ويصلي النوافل جالساً، وينشط إذا كان مع الناس، ويزيد في العمل إذا مدحوه كما ينقص منه إذا ذموه ".

وكان سفيان الثوري يقول:" كل شيء أظهرته من عملي فلا أعده شيئاً، لعجز أمثالنا عن الإخلاص إذا رآه الناس ".

وكان إبراهيم التيمي يلبس لبس الفتيان، فكان لا يعرف أحد أنه من العلماء إلا أصحابه، وكان يقول:" المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته ".

وكان سفيان الثوري يقول:" قل عالم تكبر حلقة درسه إلا ويطرقه العجب بنفسه ".

وقد مرّ الحسن البصري على طاوس وهو يملي الحديث في الحرم في حلقة كبيرة، فقرب منه وقال له في أذنه:" إن كانت نفسك تعجبك فقم من هذا المجلس، فقام طاوس فوراً ".

وقد مر إبراهيم بن أدهم على حلقة بشر الحافي ، فأنكر عليه لكبر حلقته وقال:" لو كانت هذه الحلقة لأحد من الصحابة ما أمن على نفسه العجب ".

وقد كان سفيان الثوري لا يترك أحداً يجلس إليه إلا نحو ثلاثة أنفس، ففعل يوما، فرأى الحلقة قد كبرت، فقام فزعاً وقال:" أخِدنا والله ولك نشعر، والله لو أدرك أمير المؤمنين عمر مثلي وهو جالس هذا المجلس لأقامه وقال له: مثلك لا يصلح لذلك ".

وكان إذا جلس لإملاء الحديث يجلس مرعوباً خائفاً، وكانت السحابة تمر عليه فيسكت حتى تمر ويقول:" أخاف أن يكون فيها حجارة ترجمنا بها ".

وقد ضحك شخص مرة في حلقة الأعمش ، فزجره وأقامه، وقال:" تطلب العلم الذي كلفك الله تعالى به وأنت تضحك "؟! ثم هجره نحو شهرين ".

وكان أبو هريرة يقول:" لولا آية في كتاب الله تعالى ما حدثتكم: { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى }[البقرة:159] .. الآية.

قال: ولما ترك سفيان الثوري التحديث، قالوا له في ذلك؟ فقال:" والله لو أعلم أن أحداً منهم يطلب العلم لله تعالى لذهبت إلى منزله ولم أتعبه ".

وقد قيل مرة لسفيان بن عيينة : ألا تجلس فتحدثنا؟ فقال:" والله ما أراكم أهلاً لأن أحدثكم، ولا أرى نفسي أهلاً أن تسمعوا مني، وما مثلي ومثلكم إلا كما قال القائل: افتضحوا فاصطلحوا ".

وقد كان حاتم الأصم يقول:" لا يجلس لتعليم العلم في المساجد إلا جامع للدنيا، أو جاهل بما عليه في ذلك من الواجبات ".

وكان عبد الله بن عباس مع جلالته في العلم، إذا فرغ من تفسيره للقرآن يقول:" اختموا مجلسنا بالاستغفار ".

وكان شداد بن حكيم يقول:" من كان فيه هذه الثلاث خصال فليجلس ليعلم الناس، وإلا فليدع الجلوس: أن يذكرهم بنعم الله تعالى ليشكروه، وبذنوبهم ليتوبوا منها، وبعدوهم إبليس ليحذروا منه ".

وكان ابن وهب يقول:" سألت الإمام مالكاً عن الراسخين في العلم من هم؟ فقال: هم العاملون بالعلم، وليس شيء أعز من العلم؛ لأن صاحبه يحكم به على الملوك ".

وقد قيل لابن المبارك : من الناس عندك؟ فقال:" العلماء العاملون المخلصون "، قيل له: فمن الملوك؟ قال:" الزهاد في الدنيا "، قيل له: فمن السفلة؟ قال:" الذين يأكلون الدنيا بعلمهم وعملهم ودينهم ".

وكان الحسن البصري يقول:" العلماء سرج الأزمنة، فكل عالم مصباح زمانه يستضيء به أهل عصره، ولولا العلماء لصار الناس كالبهائم ".

وكان سفيان الثوري يقول:" حياة العلم بالسؤال عنه والعمل به، وموته بتركهما ".

وكان عكرمة يقول:" لا تعلموا العلم إلا لمن يعطي ثمنه "، فقيل له: وما ثمنه؟ قال:" أن يضعه العالم عند من يعمل به ".

وكان سالم بن أبي الجعد يقول:" اشتراني مولاي بثلاثمائة درهم فاشتغلت بالعلم، فما مضى عليّ سنة حتى جاءني الخليفة زائراً فلم أفتح له ".

وكان الشعبي يقول:" من أدب العلماء إذا علموا: أن يعملوا، فإذا عملوا شغلوا بذلك عن الناس، فإذا شغلوا فقدوا، وإذا فقدوا طلبوا، وإذا طلبوا هربوا خوفاً على دينهم من الفتن ".

وفي الحديث: { أشد الناس عذاباً يوم القيامة: عالم لم ينفعه الله بعلمه }.

وفي الحديث أيضاً: { سيأتي على الناس زمان يكون عبادهم جهالاً، وعلماؤهم فساقاً }.

وكان عبد الله بن مسعود يقول:" من أفتى الناس في المشكلات من غير تربص ولا تأمل فقد عرض نفسه لدخول النار ".

وكان يقول:" من أفتى الناس في كل ما يسألونه فهو مجنون ".

وكان الحسن البصري يقول:" لا تكن ممن يجمع علم العلماء ويجري فيه مجرى السفهاء ".

وقد بلغنا: أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يقول:" ما أكثر العلوم وليس كلها بنافع، وما أكثر العلماء وليس كلهم برشيد ".

وكان إبراهيم بن عتبة يقول:" أطول الناس ندما يوم القيامة: عالم يتعاظم بعلمه على الناس ".

وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول:" أخوف ما أخاف على هذه الأمة: من عالم باللسان جاهل بالقلب ".

وكان سفيان الثوري يقول:" يهتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل ".

وكان عبد الله بن المبارك يقول:" لا يزال المرء عالماً ما دام يظن أن في بلده من هو أعلم منه، فإذا ظن أنه أعلمهم فقد جهل ".

وكان الفضيل بن عياض يقول:" إني لأبكي على العالم إذا رأيت الدنيا تلعب به، ولو كان لأهل القرآن والحديث صبر على الزهد في الدنيا ما تمندل بهم الناس، واسوأتاه من أن يقال: فلان العالم أو العابد قد قدم حاجاً في نفقة فلان التاجر ".

وكان يحيى بن معاذ يقول:" عقوبة العلماء تكون بموت قلوبهم، وموت قلوبهم يكون بطلبهم الدنيا بعمل الآخرة، فيتقربون بذلك عند أبناء الدنيا ".

وكان سعيد بن المسيب يقول:" إذا رأيتم العالم يغشى أبواب الأمراء فهو لص ".

وقد كان الأوزاعي يقول:" ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملاً من العمال ".

وكان مكحول يقول:" من قرأ القرآن وتفقه في الدين ثم مشى إلى بيت أمير لغير حاجة ضرورية، فقد خاض في جهنم بعدد خطاه ".

وكان مالك بن دينار يقول:" قرأت في بعض الكتب المنزلة: إن أهون ما أنا صانع بالعالم إذا طلب الدنيا بعلمه: أن أحرمه لذيذ مناجاتي ".

وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول:" إذا رأيتم العالم يحب الدنيا فاتهموه في دينه؛ فإن كل محب يخوض فيما أحب ".

وكان الحسن البصري يقول:" واعجباه من ألسنة تصنف، وقلوب تعرف، وأعمال تخالف ".

وقد كان حاتم الأصم يقول:" إن من أشقى الناس يوم القيامة: عالماً عمل الناس بعلمه وهو لم يعمل به ".

وقد كان إبراهيم التيمي يقول:" ما عرضت قولي على عملي إلا وجدت عملي مكذباً لقولي ".

وكان إبراهيم بن أدهم يقول:" لقد أعربنا في الكلام فلم نلحن، ولحنا في العمل فلم نعرب ".

وكان الأوزاعي يقول:" إذا جاء الإعراب في الألفاظ ذهب الخشوع من القارئ والسامع ".

وكان سفيان الثوري يقول:" بلغنا أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يقول: مثل من يتعلم العلم ولا يعمل به، كمثل امرأة زنت سرّاً، فجاءها المخاض فافتضحت، وكذلك من لم يعمل بعلمه يفضحه الله يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ".

وكان الحسن البصري يقول:" كان رسول الله يقول: { إذا جاء الشيطان إلى أحدكم وهو يصلي فقال: إنك مراء، فليزدها طولاً } ".

وكان الفضيل بن عيّاض يقول:" العمل لأجل الناس رياء، وترك العمل لأجل الناس شرك، والإخلاص: أن يعافيك الله منهما ". قلت: ومعنى " ترك العمل لأجل الناس ": أن لا يحب أن يعمل إلا في محل يحمده الناس فيه، فإن لم يجد من يحمده ترك العمل وكسل عنه.

وقد كان بشر الحافي يقول:" لا ينبغي لأمثالنا أن يظهر من أعماله الصالحة ذرة، فكيف بأعماله التي دخلها الرياء، فالأولى بأمثالنا الكتمان؛ وقد بلغنا: أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يقول للحواريين : إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن رأسه ولحيته ويمسح شفتيه، لئلا يرى الناس أنه صائم ".

وقد كان الفضيل بن عيّاض يقول:" خير العلم والعمل ما خفي عن الناس ".

وكان عكرمة يقول:" ما رأيت أقل عقلاً ممن يعلم من نفسه السوء، ويحب من الناس أن يصفوه بالعلم والصلاح، ولا بد لقلوب المؤمنين أن تطلع على سوء سريرته، ومثله مثل من غرس شوكاً وطلب أن يحمل له رطباً ".

وكان قتادة يقول:" إذا راءى العالم بعلمه وعمله، يقول الله تعالى لملائكته عليهم السلام: انظروا إلى هذا يستهزئ بي، ولم يخش مني وأنا العظيم الجبار ".

وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إذا رأى أحداً يطأطئ عنقه في الصلاة، يضربه بالدرة ويقول له:" ويحك، إنّ الخشوع في القلب ".

وقد مرّ أبو أمامة يوما على شخص ساجد وهو يبكي، فقال:" نعم هذا لو كان في بيتك حيث لا يراك الناس ".

وقد كان الفضيل بن عياض يقول:" من أراد أن ينظر إلى مراء، فلينظر إليّ ".

وكان إبراهيم بن أدهم يقول:" مررت على حجر، فرأيت مكتوباً عليه: أنت بما تعلم لا تعمل، فكيف تطلب زيادة العلم؟ ".

وكان يوسف بن أسباط يقول:" أوحى الله تعالى إلى نبيّ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: { قل لقومك يخفوا أعمالهم عن الخلق، وأنا أظهرها لهم } ".

وكان أبو عبد الرحمن الزاهد يوبخ نفسه كثيراً، ويقول في مناجاته:" من أسوأ حالاً مني؟ عاملت عبادك في الظاهر بالأمانة، وعاملتك في السّرّ بالخيانة ".

وكان الفضيل بن عياض يقول:" من يدلني على عابد بكاء بالليل صوام بالنهار، وأنا أدعو له ".

وكان ميمون ابن مهران يقول:" إن علانية بغير سريرة صالحة، مثل كنيف مزخرف من خارجه ".

وكان الفضيل بن عياض يقول:" لو صحت النية في العلم لم يكن عمل أفضل منه، ولكنهم تعلموه لغير العمل به، وجعلوه لصيد الدنيا ".

وقد دخل سفيان الثوري على الفضيل بن عيّاض يوماً فقال له: عظني يا أبا علي؟ فقال: له الفضيل:" وبماذا أعظكم معاشر العلماء؟! كنتم سرجاً يُستضاء بكم في البلاد، فصرتم ظلمة! وكنتم نجوماً يُهتدى بكم في ظلمات الجهل، فصرتم حيرة! يأتي أحدكم إلى أبواب هؤلاء الولاة، فيجلس على فرشهم، ويأكل من طعامهم، ويقبل هداياهم، ثم يدخل بعد ذلك إلى المسجد فيجلس فيه ثم يقول: حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله بكذا! والله ما هكذا يطب العلم "، فبكى سفيان حتى خنقته العبرة، وخرج.

 وكان الفضيل بن عيّاض يقول:" إذا رأيتم العالم أو العابد ينشرح لذكره بالصلاح عند الأمراء وأبناء الدنيا، فاعلموا أنه مراء ".

وكان سفيان بن عيينة يقول:" إذا رأيتم طالب العلم كلما ازداد علما كلما رغب في الدنيا وشهواتها، فلا تعلموه؛ فإنكم تعينوه على دخول النار بتعليمكم إياه ".

وكان كعب الأحبار يقول:" سيأتي على الناس زمان يتعلم جهالهم العلم، ثم يغايرون به على القرب من الأمراء كما يتغاير النساء على الرجال، فذلك حظهم من العلم ".

وكان صالح المري يقول:" من ادعى الإخلاص في العلم، فليعرض على نفسه إذا وصفه الناس بالجهل والرياء، فإن انشرح صدره لذلك فهو صادق، وإن انقبض من ذلك فهو مراء ".

وكان يقول:" احذروا عالم الدنيا أن تجالسوه؛ فإنه يفتنكم بزخرفة كلامه، ومدحه للعلم وأهله من غير عمل به ".

وكان الفضيل بن عياض يقول:" من علامة المرائين بعلمهم: أن يكون علمهم كالجبال وعملهم كالذّر ".

وكان يقول:" لو أن حامل العلم عمل به لتجرع مرارته ولم يفرح به؛ لأنه كله تكاليف، وكلما ازداد علماً ازداد تكاليف، فلا ينبغي للعالم أن يفرح بعلمه إلا بعد مجاوزة الصراط ".

وكان سفيان الثوري يقول:" اطلبوا العلم للعمل؛ فإن أكثر الناس قد غلطوا في ذلك، فظنوا النجاة بعلمهم من غير عمل به! فأين الآيات والأخبار الواردة في تعذيب من لم يعمل بعلمه؟ ".

وكان ذو النون المصري يقول:" لقد أدركنا الناس وأحدهم كلما ازداد علماً ازداد زهداً في الدنيا وتقليلاً من متاعها، ونراهم اليوم كلما ازداد أحدهم علماً ازداد في الدنيا رغبة وكثرة لأمتعتها، من لباس ومطعم ومسكن ومنكح ومركب وخدم ونحو ذلك "!

وكان سفيان بن عيينة يقول:" كيف يكون حامل القرآن عاملاً به، وهو ينام الليل ويفطر النهار ويتناول الحرام والشبهات "؟!

وكان عمر بن عبد العزيز يقول:" لو أن هؤلاء القراء أحياء، لوجدوا ألم النار في بطونهم إذا أكلوا الحرام، ولكنهم أموات، يرتعون في الجيف والنار ".

وقد كان منصور بن المعتمر يقول لعلماء زمانه:" إنكم لستم علماء، وإنما أنتم متلذذون بالعلم، يسمع أحدكم المسألة ويحكيها للناس، ولو أنكم عملتم بعلمكم لتجرعتم المرارات والغصص، ولحثكم علمكم على التورع حتى لا يجد رغيفاً يأكله ".

وكان الربيع بن خيثم يقول:" كيف يصح للعالم أن يرائي بعلمه وهو يعلم من نفسه أن تعلمه لغير الله، وذلك حابط من أصله، فكيف يرى نفسه على الناس بما هو حابط ".

وقد كان الإمام النووي إذا دخل عليه أمير على غفلة وهو يدرس في العلم في المدرسة الأشرفية أو جامع بني أمية، يتكدر لذلك. وإذا بلغه أن أحداً من الأكابر قد عزم على زيارته في يوم درسه لا يدرس العلم ذلك اليوم، خوفاً أن يراه ذلك الأمير وهو في محفله ودرسه العظيم. ويقول:" من علامة المخلص:" أن يتكدر إذا اطلع الناس على محاسن عمله كما يتكدر إذا اطلعوا على مساويه؛ فإن فرح النفس بذلك معصية، وربما كان الرياء أشد من كثير من المعاصي ".

وكان الحسن البصري يقول:" قبيح بالعالم أن يشبع في هذا الزمان من الحلال، فكيف بمن يشبع من الحرام؟! والله لو أني أكلت أكلة وصارت في بطني كالآجرة تكفيني حتى أموت؛ فقد قيل: إنها تمكس في الماء أكثر من ثلاثمائة سنة ".

وكان يقول:" ورع العلماء: إنما هو في ترك تناول الشهوات، أما المعاصي الظاهرة: فتراهم يتركونها خوفاً أن تذهب عظمتهم من قلوب الناس ".

وكان يقول:" بلغني أنه يأتي في آخر الزمان رجال يتعلمون العلم لغير الله تعالى كيلا يضيع! ثم يكون عليهم تبعة يوم القيامة ".

قلت: ويؤيده حديث: { إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر }، والله أعلم.

وكان بكر بن عبد الله المزني يقول:" من علامة المرائي بعلمه: أن يرغب الناس في العلم، ويذكر لهم ما فيه من الفضائل، ثم إن شاوره أحد من القراء على أحد من أقرانه لا يرغبه فيه كل الترغيب ".

وكان عبد الله بن المبارك يقول:" قد غلب على القراء في هذا الزمان أكل الحرام والشبهات حتى غرقوا في شهوة بطونهم وفروجهم، واتخذوا علمهم شبكة يصطادون بها الدنيا ".

وكان الفضيل بن عياض يقول:" لولا نقص دخل على أهل القرآن والحديث لكانوا خيار الناس، ولكنهم اتخذوا علمهم حرفة ومعاشاً، ولذلك هانوا في ملكوت السماوات والأرض ".

وكان بشر الحافي يقول:" من عقل العاقل: أن لا يطلب زيادة العلم إلا إذا عمل بكل ما علم، فيتعلم حينئذٍ العلم كي يعمل به ".

وكان الشعبي يقول:" اطلبوا العلم وأنتم تبكون؛ فإنه كله حجة عليكم عند ربكم ".

قال: ولما ترك بشر الحافي الجلوس لإملاء الحديث، قالوا له: ماذا تقول لربك يوم القيامة؟ فقال:" أقول: يا رب، إنك أمرتني فيه بالإخلاص، ولم أجد عند نفسي إخلاصاً ".

وكان سفيان الثوري يقول:" إذا رأيتم طالب العلم يطلب الزيادة من العلم دون العمل فلا تعلّموه؛ فإن من لم يعمل بعلمه كشجر الحنظل، كلما ازداد رياً بالماء ازداد مرارة ".

وكان يقول:" وإذا رأيتموه يخلط في مطعمه ومشربه وملبسه ونحو ذلك ولا يتورع، فكفوا عن تعليمه تخفيفاً للحجة عليه غداً ".

وكان الحسن البصري يقول:" لو أن عبداً علم العلم كله وعبدَ الله حتى صار كهذه السارية أو الشن البالي، ثم إنه لم يفتش ما يدخل جوفه أحلال هو أم حرام، ما تقبل الله منه عبادة ".

وكان بشر الحافي يقول:" والله لقد أدركنا أقواماً كانوا لا يعلمون أحداً العلم حتى يروّضوا نفسه سنين كثيرة، ويظهر لهم صلاح نيته ".

وكان عبد الرحمن بن القاسم رحمه الله تعالى يقول:" خدمت الإمام مالكاً عشرين سنة، فكان منها ثمانية عشر في تعليم الأدب، وسنتان منها في تعليم العلم، فياليتني جعلت المدة كلها تعليم الأدب ".

وقد كان الإمام مالك يقول:" ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم: ما نفع، وعمل به صاحبه ".

وكان الإمام الشافعي يقول:" قال لي الإمام مالك : يا محمد، اجعل عملك دقيقاً، وعلمك ملحاً ".

وقد كان عبد الله بن المبارك يقول:" من حمل القرآن ثم مال بقلبه إلى الدنيا فقد اتخذ آيات الله هزواً ولعباً، وإذا عصى حامل القرآن ربه ناداه القرآن من جوفه: والله ما لهذا حملت، أين مواعظي وزواجري، وكل حرف مني يناديك ويقول: لا تعص ربك؟ ".

وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا رأى طالب العلم لا يقوم من الليل يكف عن تعليمه، وقد بات عنده أبو عصمة ليلة من الليالي، فوضع له الإمام أحمد ماء للوضوء، ثم جاء قبل الفجر فوجده نائماً والماء بحاله، فأيقظه وقال له:" لم جئت يا أبا عصمة؟ "، فقال له: جئت أطلب منك الحديث يا إمام، فقال له الإمام أحمد:" كيف تطلب الحديث وليس لك تهجد في الليل؟! اذهب من حيث جئت ".

وكان الإمام الشافعي يقول:" ينبغي للعالم أن يكون له خبيئة من عمل صالح فيما بينه وبين الله تعالى، فإن كل ما ظهر للناس من علم أو عمل فليل النفع في الآخرة، وما رأى أحد أحداً في منامه بعد موته وقال غفر الله لي بعلمي إلا قليل من الناس ".

وقد رؤي الإمام أبو حنيفة بعد موته، فقيل له: كيف حالك؟ قال:" غفر الله لي "، قيل له: بالعلم؟ فقال:" هيهات! إن للعلم شروطاً وآفات قلّ من ينجو منها ".

قال: ورأى بعضهم الجنيد بعد موته ، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال:" قد طاحت تلك الإشارات، وفنيت تلك العبارات، وما نفعنا إلا بعض ركيعات كنا نركعها في السّحَر ".

قال: ورأى بعضهم أبا سهيل الصعلوكي بعد موته ، فقال له: ماذا صنع علمك؟ فقال:" كل ما كان من دقائق العلوم وجدته هباءً منثوراً إلا بعض مسائل سألني عنها العوام ".

ففتش يا أخي نفسك في علمك وعملك، وابك على نفسك إن رأيت عندها رياءً أو سمعة مما ينهاك عنه هؤلاء السادة من العلماء العاملين المخلصين. والحمد لله رب العالمين. "انتهى