الاعتماد على العمل

قال الشيخ أحمد زروق رحمه الله في كتاب قرة العين في شرح حكم ابن عطاء:

1/ " من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل ".

قلت: " من " هنا للتبعيض.

و" علامات الاعتماد على العمل " متعددة في الباب وغيره، وعلامة الشيء: ما أعلم بوجوده عند خفائه وغيبته.

والاعتماد على الشيء: حصر القوة فيه، يعني: الاستناد إليه في تحصيل المقصود.

والرجاء: طمع يصحبه عمل في سبب المطموع فيه لتحصيله.

والعمل: الحركات البدنية والقلبية عموماً.

والنقصان: ضد الزيادة، وهو سرّ الحقيقة.

ووجود: بمعنى وقوع، وقد يُراد لغير ذلك؛ فلا يصح أن يُقال زائدة مطلقاً كما قاله بعض الناس.

والزلل: الخروج عن المفصود وإن بغير قصد.

والألف واللام فيه في العمل يحنمل كونها للجنس فيدخل أمر الدنيا والآخرة، أو العهد فالمراد العمل الصالح. والزلل بحسبه، وهو مخالفة أمر الله، وهذا أمسُّ بالسياق كما أن الذي قبله أشمل، والله تعالى أعلم.

وإنما كان الأمر كما ذُكر: لأن ثبوت المناقض بنفي النقيض، فلا يصح بقاء رجاء على حالته ولا زيادته عند وقوع الزلل لمن شأنه الاعتماد على العمل، كما لا يصح العكس لمن هو على مقابله، أعني: عدم الاعتماد على العمل لمن صح اعتماده على مولاه، ولا نقص رجاؤه بالزلل عند ذلك، بل زيادته أو بقاؤه على حاله.

والناس ثلاثة:

الأول: رجل يزيد رجاؤه بعمله وينقص بوجود زللِه؛ لاستشعاره حصول المراد بالعمل وفوات المقصد بوجود الزلل، وهذا معتمد على عمله في تحصيل أمله، فإن كان مشمراً فهو من العاملين، وإن كان مقصراً فهو من الغافلين، بساطه: قوله تعالى { ولتنظر نفس ما قدمت لغد }[الحشر:18]، ومقامه: التحقيق بالإسلام في الجملة والله أعلم.

الثاني: رجل زاد شكره بعمله وزاد التجاؤه بزللِه؛ لاستشعار مِنَّة الله في العمل وفراره لمولاه في الزلل. وهذا معتمد على فضل مولاه، وناظر إليه فيما به يتولاه، فهو يرجع إليه في السرّاء بالحمد والشكر، وفي الضراء بإظهار الفاقة والفقر، تحقيقاً لقوله تعالى: { وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضرّ فإليه تجأرون }[النحل:53]، ومقامه: التحقيق في الإيمان؛ إذ بساطه: ما اقتضاه عقد إيمانه، فافهم.

الثالث: رجل أسلم نفسه لمولاه فلم يزعجه ما به تولاه، بل شأنه السكون تحت جريان الأحكام وفقد الاضطراب والاتهام، فلا يزيد رجاؤه لعلّة ولا ينقص لسبب، لو وزنا لتعادلا في كل حال من أحواله، وذلك من عدم اعتباره بأعماله وآماله، نظراً لسابق القسمة وقياماً بحق الحرمة وعملاً على قوله تعالى: { قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون }[الأنعام:91]، فهو دائم الفكر متواصل الأحزان، كما جاء في وصفه عليه السلام، وذلك من تحققه بمقام الإحسان؛ إذ صارت له الحقيقة في مقرّ العيان، فافهم.

وقد قال بعض المحققين رضي الله تعالى عنهم: من بلغ إلى حقيقة الإسلام لم يقدر أن يفتر عن العمل، ومن بلغ إلى حقيقة الإيمان لم يقدر أن يلتفت إلى العمل، ومن بلغ إلى حقيقة الإحسان لم يقدر أن يلتفت إلى أحد سوى الله تعالى.قلت: بلوغ كلٍّ لحقيقة ما بلغ له: هو تمكن حقيقته من قلبه حتى يظهر ذلك في جوارحه؛ فالإسلام على الجوارح، ومن تمكن من قلبه هو الذي يرى أن لا نجاة ولا كمال إلا بالعمل، وهو العابد ومن جرى مجراه، والإيمان عقد القلب، ومن تمكن من قلبه علم أنه ماضٍ عليه ما سبق أن الأعمال بخواتمها وهي لا توجب شيئاً؛ فلذلك لا يلتفت إلى العمل حال كونه عاملاً به لحق الحكمة، وإلا فهو زنديق.

والإحسان: ربط الحقّ بالحقيقة، وذلك يقضي بفناء الخليقة، فلذلك لا يلتفت صاحبه لغير مولاه، فافهم.

وكل الأقسام مأخوذ من كلام المؤلف، أدلها بالنص، وباقيها بالمفهوم، فتأمله.

وإنما صدّر المؤلف بهذه المسألة لثلاثة أوجه:

أحدها: أنها أصل كلِّ أصل؛ لأن الاعتماد هو أول الحركات النفسانية للمقاصد والمقصود، إذ هو باعث النفس لما تريده، فافهم.

الثاني: أنها متعلقة بما هو مبنى كل عمل في صلاحه وفساده ونقصه وكماله؛ فإن جرت بالكمالات جرى بها كل عمل، وإلا فلا.

الثالث: التنبيه على أن التهمم بالأصول مقدّم؛ إذا إنما حرموا الوصول بتضييعهم الأصول.

وذكر الوجه المطلوب لأنه أهم.

واقتصر على العلامة لأنها أقرب وأمس بالمراد، والله تعالى أعلم. "انتهى