|
الحضور المتكلف سُئل الشيخ عبد الله بن علوي الحداد رحمه الله: عن معنى الحضور المتكلف؟
والسابق إلى قلوب بني آدم، إلا من شاء الله منهم، المعرفة بأحوال دنياهم، وما يقع به قوامهم والتذاذهم فيها، وذلك أول شيء يسمعونه، ويرونه من أبناء جنسهم. فإذا وردت على قلوبهم بعد تمكن هذه الأشياء منها معرفة الله ومعرفة حقوق ربوبيته، وطلب القيام بها كما ينبغي ويليق بالحضرة المقدسة، لم تجد في القلوب مستقرا ولا مستوطنا، فتبقى متزلزلة وغير ثابتة، فيحتاج لا محالة الراغب في رسوخ معرفة الله في قلبه، وأن يصير الحضور مع الله دأبه وشعاره، في جميع عباداته وسائر أحواله، إلى محو ما سبق إلى القلب، من المعرفة بأحوال الدنيا المشغلة عن التجرد لهذا الأمر، والظفر به على وجه الكمال، ولا بد وأن يناله في ذلك مشقة ويحتاج فيه إلى رياضة ومجاهدة، قد يخف ذلك وقد يثقل، ويختلف باختلاف الفطر كمالا ونقصا، وباختلاف التوجهات والهمم قوة وضعفا، وباختلاف رسوخ الأمور المشوشة، فإنها قد تتمكن من القلب تمكنا بالغا، وقد يكون دون ذلك. وليس هذا الذي ذكرناه خاصا بالحضور فقط، بل هو عام في استجلاب جميع الأخلاق المحمودة التي هي مصادر الأعمال الصالحة، فإن المتخلق بها يحتاج في بدايته إلى الصبر والمجاهدة، ويأتي بها مع التعب والمشقة، ثم يفضي به الأمر إلى أن تصدر عنه مقرونة باللذة والراحة. إذا علم ذلك فاعلم أن الحضور مع الله روح العبادات، وهو المقصود منها وبه يعني المحققون، وعليه يعول العارفون. والأعمال التي تصدر من العبد مع الغفلة، يرونها إلى العقوبة والحجاب، أقرب منها إلى المكاشفة والثواب. وطريق الوصول إلى الحضور مع الله في العبادات، أن ينظر الأنسان في الأمور المشوشة له فيدفعها، وهي قسمان: ما يرد من جهة الحواس كالسمع والبصر ودفعه بالخلوة، وما يكون من قبيل حديث النفس، وتشويشها على القلب بوساوس وخواطر توردها عليه، ودفعها بالإعراض عنها. واشتغال القلب، إما بأن تجري فيه صورة اللفظ الذي يجري على اللسان، من قرآن أو ذكر. وإما بأن يجعل القلب مصغيا ومستمعا إلى ما هو القائم باللسان من ذلك، والمعول عليه في هذه الحالة ضبط القلب وحفظه عن كل ما يرد عليه، من جهة النفس والحواس. فإذا أحكم العبد هذه المرتبة، من تكلف الحضور، فلينتقل منها إلى ما فوقها وذلك أن يشعر القلب، ويقيم فيه معنى ما يكون جاريا على اللسان، وذلك كالتوحيد عند التهليل وكالتزيه والتعظيم عند التسبيح والتكبير. وإن كان الذي يجري على اللسان قرآنا، فليكن على القلب معاني ما يقرؤه وهذا المذكور مرتبة في الحضور شريفة، وبعدها أشرف منها وهي أن يشعر القلب ويحضره، حين التلاوة والعبادة والذكر حضرة المعبود والمتكلم والمذكور.
وإلى ذلك الإشارة بقوله
وفي هذه المرتبة التي هي مشاهدة المتكلم في كلامه، والمذكور في ذكره، تكون الغيبة والاستغراق والسكر والفناء، وما شاكلها من أحوال أهل الله. فمن رغب في الوصول، فليسلك السبيل ويعانق الصبر والجد، ويشمر عن ساق الطلب بكل جهده وإمكانه، ويسمع قول سيد الطائفة الجنيد رحمه الله، وقد قيل له: من أين لك هذه العلوم، التي لا توجد عند أحد من أشياخك؟ فقال:" من جلوسي مع الله تحت هذه الدرجة ثلاثين سنة "، وأشار إلى درجة في بيته. وكان الشبلي رحمه الله تعالى في بدايته يخلوا بنفسه في سرب تحت الأرض، ويأخذ معه حزمة قضبان، وكلما داخلته غفلة ضرب بها نفسه فما يمضي المساء حتى تفني تلك الحزمة من كثرة ما يضرب بها، فإن ما كان أول ما صاروا إليه، من المكاشفات والمشاهدات مجاهدات ومكابدات. وقد يحصل ذلك بدون ما ذكرناه وهو نادر جد. ثم إن الواصل إلى رتبة الحضور مع الله والأنس به، يصير يتكلف الحضور مع الخلق، والخوض في شيء من أمور الدنيا عندما تدعوه إليه الحاجة، نظير ما يتكلفه أولا في طلب الحضور مع الله تعالى . ومن أقوى ما يستعان به على حصول الحضور مع الله: أن يشعر العبد قلبه بأن الله يراه وإنه إنما ينظر إلى قلبه وباطن قصده وتوجهه، لا إلى جسمه وصورة ما يجري عليه من عمله. ومن المشوشات للحضور عند العارفين: أن يكون الإنسان في صلاة أو ذكر فيشغل قلبه بغير ما هو فيه ولو من أمور الآخرة إذ المعول عليه عندهم: هو أن يجتمع الإنسان بظاهرة وباطنه على كل ما يدخل فيه لله تعالى؛ فإنه لا يحكمه ولا يأتي به على وجهه حتى يكون كذلك. ومع غفلة القلب قد تفسد صورة العمل، فضلا عن معناه كما هو مشاهد. والعمل مع الغفلة وعدم تكلف الحضور لا يؤدي إلى الحضور، وإنما يؤدي إليه إذا كان مصحوبا بتكلفه، ولكنه لا يخلوا من بركة. قال رجل لأبي حفص: إني أذكر الله ولا أجد حضورا؟ فقال له: أحمد الله الذي زين جارحة من جوارحك بذكره. [ إتحاف السائل ]
|