حقيقة التصوف الإسلامي

بيان التصوف، واستمداده وثمرته وفضله

في فتوى له:

إن التصوف الإسلامي هو الضمان لتحقيق تلك السعادة الأبدية؛ إذ قال الله تعالى: ونَفْسٍ وما سَوَّاها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلَح مَنْ زكَّاها وقَد خابَ مَن دَسَّاها ، مبيناً: أنه بسبْق علمه بنفوس العباد يعلم: أن تحقيق السعادة لا يحصل إلا بتزكية النفوس مما أُلهِمَته من الفجور وذلك لا يكون إلا بالتصوف؛ إذ هو ركن الدين الثالث المتعلق بهذا الأمر، المُعبَّر عنه بـ" الإحسان " في قول سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، بل هو روح الإسلام؛ لأنه يبحث في الأخلاق ويبيِّن طرق التحلي بمكارمها والتخلي عن مساوئها، وقد قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق .

فعلم التصوف علمٌ أوحاه الله تعالى إلى رُسُله وأنبيائِه وكاشَف به خَوَاصَّ أوليائه؛ كما قال سبحانه في بيان وظيفة الرسل: لقد مَنَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبـل لفي ضلال مبين ، وقال في بعض أوليائه: عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدُنّا علماً ، وفي الخبر القدسي: ما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولإن استعاذني لأعيذنَّه .

فاستمداده: مِنَ لدُنِ الله تعالى وِفْقَ القرآنِ والسُّنَّة، وقال أئمته المعتمدون رضي الله تعالى عنهم:" علمنا هذا مقيَّد بالكتاب والسنة " .. الخ، وقد توسعت في ذكر أقوالهم كما بينت سائر مبادئ التصوف في كتاب "إعلام المؤمنين" وغيره بفضل الله تعالى، فليراجعه الطالب.

ومن ثم قال الإمام أبو نعيم الأصبهاني رضي الله تعالى عنه:" الصوفية: أرباب القلوب، المتسوّرون بصائب فراستهم على الغيوب، المراقبون للمحبوب، التاركون للمسلوب، المحاربون للمحروب، سلكوا مسلك الصحابة والتابعين، ومَن نَحَى نحوَهم من المتقشِّفين والمتحققين، العالمين بالبقاء والفناء، والمميزين بين الإخلاص والرياء، والعارفين بالخطرة والهمة والعزيمة والنية، والمحاسبين للضمائر، والمحافظين للسرائر، المخالفين للنفوس، والمحاذرين من الخنوس، بدائم التفكر، وقائم التذكر؛ طلبا للتداني، وهربا من التواني.

لا يستهين بحُرمتهم إلا مارقٌ، ولا يَدَّعِي أحوالَهم إلا مائِق، ولا يعتقِد عقيدَتهم إلا فائِق، ولا يَحِنّ إلى مُوالاتهم إلا تائِق؛ فهم سُرُجُ الآفاق، والممدود إلى رؤيتهم بالأعناق.

بِهِم نقتدي، وإياهم نوالي إلى يوم التلاق "اهـ