التصوف الإسلامي

قال الحافظ أبو الفضل عبد الله الصّدّيق الغماري الحَسَني - رحمه الله - في كتاب ( الإعلام، بأن التصوف من شريعة الإسلام ):"

إن التصوف كبير قدره، جليل خطره، عظيم وقعه، عميق نفعه، أنواره لامعة، وأثماره يانعة، واديه قريع خصيب، وناديه يندو لقاصديه من كل خير بنصيب، يزكي النفس من الدنس، ويطهر الأنفاس من الأرجاس، ويرقي الأرواح إلى مراقي الفلاح، ويوصل الإنسان إلى مرضاة الرحمن.

وهو _ إلى جانب هذا _ ركن من أركان الدين، وجزء متمم لمقامات اليقين، خلاصته: تسليم الأمور كلها لله، والالتجاء في كل الشؤون إليه. مع الرضا بالمقدور، من غير إهمال في واجب ولا مقاربة المحظور، كثرة أقوال العلماء في تعريفه، واختلفت أنظارهم في تحديده وتوصيفه، وذلك دليل على شرف اسمه ومسماه، ينبئ عن سمو غايته ومرماه:

فقيل: التصوف: الجد في السلوك، إلى ملك الملوك.

وقيل: التصوف: الموافقة للحق، والمفارقة للخلق.

وقيل: التصوف ابتغاء الوسيلة، إلى منتهى الفضيلة.

وقيل: التصوف: الرغبة إلى المحبوب في درك المطلوب.

وقيل: التصوف: حفظ الوفاء وترك الجفاء.

إلى غير هذا من الأقوال التي تبلغ نحو ألف حكاها الحافظ الصوفي أبو نعيم الأصفهاني في كتابه ( حلية الأولياء ).

وسئل الإمام أبو القاسم الجنيد _ سيد الطائفة _ عن التصوف؟ فقال:" تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد صفات البشرية، ومجانبة الدواعي النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق بالعلوم الحقيقية، واستعمال ما هو أولى على الأبدية، والنصح لجميع الأمة، والوفاء لله على الحقيقة، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في الشريعة "اهـ

ولعل هذا أبلغ ما قيل في التصوف وكشف حقيقته. وإن كانت الأقوال السابقة مختلفة في اللفظ والمبنى، فهي متفقة في الغاية والمعنى. وإنما عبر كل قائل بحسب مدركه ومشربه.

وعلى نحو اختلافهم في التصوف اختلفوا في معنى الصوفي واشتقاقه:

فقال الإمام أبو علي الروذباري وقد سئل عن الصوفي:" من لبس الصوف على الصفاء، وأطعم الهوى ذوق الجفاء، وكانت الدنيا منه على القفا، وسلك منهاج المصطفى صلى الله عليه وسلم ".

وقال الإمام سهل بن عبد الله التستري:" الصوفي من صفى عن الكدر، وامتلأ من الفكر، وانقطع إلى الله من البشر، واستوى عنده الذهب والمدر "،

وأنشد الإمام تقي الدين السبكي:"

".

وهذان البيتان لأبي الفتح البستي.

وقال العلامة الشيخ محمد ميارة المالكي في شرح المرشد المعين: ( وفي اشتقاق التصوف أقوال، إذ حاصله اتصاف بالمحامد، وترك للأوصاف المذمومة وقيل من الصفاء ).

وقال المحقق أبو حفص الفاسي المالكي:" ظهر لي أنه منصوب إلى الصوف، لأنه في الغالب شعاره ودثاره، ولأن هذا اللفظ _ يعني لفظ صوفي _ مشتمل على ثلاثة أحرف منقطعة من ثلاثة كلمات دالة على ثلاثة معان هي أوصافه المختصة به، فالصاد من الصفاء، والواو من الوفاء، والفاء من الفناء ".

قال العلامة ابن الحاج:" وقد أشرت إلى ذلك في ثلاثة أبيات، فقلت:

".

ثم: إن التصوف مبني على الكتاب والسنة، لا يخرج عنهما قيد أنملة؛ قال الإمام الجنيد:" علمنا هذا مشيد بالكتاب والسنة "، وقال أيضاً:" الطريق إلى الله تعالى مسدود، إلا على المقتفين آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم "، وقال سهل التستري _ أحد أئمة القوم _:" أصولنا سبعة أشياء: التمسك بكتاب الله، والاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب المعاصي، والتوبة، وأداء الحقوق ".

وقال أبو العباس الملثم _ أحد كبار الصوفية _:" لم تكن الأقطاب أقطاباً، والأوتاد أوتاداً، والأولياء أولياء، إلا بتعظيمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعرفتهم به، وإجلالهم لشريعته، وقيامهم بآدابه ".

وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي الغماري:" من دعا إلى الله تعالى بغير ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مدعي ".

وقال:" ليس هذا الطريق بالرهبانية ولا بأكل الشعير والنخالة، وإنما هو بالصبر على الأوامر، واليقين في الهداية، قال تعالى: { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون }[ السجدة: 24 ] ".

وقال أيضاً:" ما ثم كرامة أعظم من كرامة الإيمان، ومتابعة السنة، فمن أعطيهما وجعل يشتاق إلى غيرهما فهو عبد مفتر كذاب، أو ذو خطأ في العلم والصواب؛ كمن أكرم بشهادة الملك فاشتاق إلى سياسة الدواب ".

وقال تاج الدين السبكي في جمع الجوامع _ وهو من الكتب المقررة في الأزهر _:" ونرى أن طريق الشيخ الجنيد وصحبه طريق مقوم ). قال شارحه الجلال المحلى: ( فإنه خال من البدع، دائر على التسليم والتفويض والتبري من النفس .. ".

وقال التاج السبكي أيضاً في كتابه [ معيد النعم ومبيد النقم ]:" الصوفية حياهم الله وبياهم، وجمعنا في الجنة نحن وإياهم. وقد تشعبت الأقوال فيهم تشعباً ناشئاً عن الجهل بحقيقتهم؛ لكثرة المتلبسين بها، والصحيح: أنهم المعرضون عن الدنيا، المشتغلون في أغلب الأوقات بالعبادة.

ومن ثم قال الجنيد: ( التصوف: استعمال كل خلق سني، وترك كل خلق دني ).

وقال أبو بكر الشبلي _ تلميذ الجنيد _: ( التصوف: ضبط حواسك، ومراعاة أنفاسك ).

وقال ذو النون المصري: ( الصوفي: من إذا نطق أبان نطقه عن الحقائق، وإذا سكت نطقت عنه الجوارح بقطع العلائق ).

وقال علي بن بندار _ تلميذ الجنيد _: ( التصوف: إسقاط رؤية الخلق ظاهراً وباطناً ).

وهذه عبارات متقاربة، والحاصل: أنهم أهل الله وخاصته، الذين ترتجى الرحمة بذكرهم، ويستنزل الغيث بدعائهم، فرضي الله عنهم وعنا بهم.

وللقوم أوصاف وأخبار اشتملت عليها كتبهم:

قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله: ( جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه _ صلوات الله عليهم وسلامه _؛ جعل الله قلوبهم معادن أسراره، واختصهم بين الأمة بطوالع أنواره، فهم الغياث للخلق، والدائرون في عموم أحوالهم مع الحق ).

ومن أوصاف هذه الطائفة: الرأفة، والرحمة، والعفو، والصفح، وعدم المؤاخذة ". "انتهى