صفة الصوفي المتحقق وكرامة الله له

قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله في كتاب الغنية:

قيل: الصوفي من كان صافيا من آفات النفس، خاليا من مذموماتها، سالكاً لحميد مذاهبه، ملازماً للحقائق غير ساكن بقلبه إلى أحد من الخلائق. ..

[ فـ ] يسمى صوفياً: على معنى أنه يصفى من التكدر بالخليقة والبريات .. [ قال الله تعالى ]: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة:257]، فالله تعالى تولى إخراجهم من الظلمات، وهو عز وجل أطلعهم على ما أضمرت قلوب العباد وانطوت عليه النيات؛ إذ جعلهم ربي جواسيس القلوب والأمناء على السرائر والخفيات، وحرسهم من الأعداء في الخلوات والجلوات، لا شيطان مضل ولا هوى متبع يميل بهم إلى الضلالات؛ قال الله عز وجل: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان [الحجر:42/ الإسراء:65]، ولا في نفس أمارة بالسوء، ولا شهوة غالبة متبعة تدعوه إلى اللذات المردية في الدركات المخرجة من أهل السنة والجماعات؛ قال الله عز من قائل: كذلك لنصرف عنه السوءَ والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين [يوسف:24] فحرسهم ربي، وقمع رعونات نفوسهم وضراوتها بسلطان الجبروت، فثبتهم في مراتبهم ووفقهم للوفاء بشرطه، بعد أن وفقهم للوفاء بالصدق في سيرهم وبالصبر في محل انقطاعهم واضطرارهم، فأدوا الفرائض وحفظوا الحدود والأوامر، وألزموا المراتب حتى قوِّموا وهذبوا ونقوا وأدبوا وطُهروا وطيبوا ووسعوا وزكوا وشجعوا وعُوِّذوا، فتمت لهم ولاية الله وتوليه الله ولي الذين آمنوا [البقرة:257]، وقوله تعالى: وهو يتولى الصالحين [الأعراف:196].

فنقلوا من مراتبهم إلى مالك الملك، فرتب لهم ذلك بين يديه، فصار نجواهم كفاحاً يناجونه بقلوبهم وأسرارهم، فاشتغلوا به عمن سواه ونُهوا عن نفوسهم وعن كل شيء، هو رب كل شيء ومولاه، فصيرهم في قبضته وقيدهم بعقولهم وجعلهم أمناء، فهم في قبضته وحصنه وحراسته، يتشممون روح القرب ويعيشون في فسحة التوحيد والرحمة، فلا يشتغلون بشيء إلا بما أذن لهم من الأعمال، فإذا جاء وقت عمل أبدانهم دون قلوبهم مضوا مع الحرس في تلك الأعمال كيلا تضرهم شياطينهم ونفوسهم وأهويتهم فتسلم أعمالهم من خط الشياطين وهنات النفوس من الرياء والنفاق والعجب وطلب الأعراض والشرك بشيء من الأشياء والحول والقوة، بل يرون جميع ذلك فضلاً من الله وتوفيقاً من الله خلقاً ومنهم بتوفيقه كسباً كيلا يخرجوا بهذه العقيدة من سنن الهدى، ثم يردون بعد أداء تلك الأوامر وفراغ تلك الأعمال إلى مراتبهم التي ألزموها فوقفوا معها وحفظوها بالقلوب والضمائر.

وقد ينقلون إلى حالة بعد أن جعلوا الأمناء وخوطب كل واحد منهم بالانفراد في حالته إنك اليوم لدينا مكين أمين [يوسف:54] فلا يحتاجون فيها إلى إذن؛ لأنهم صاروا كالمفوض إليهم أمرهم، فهم في قبضته حيثما ذهبوا في شيء من أمورهم؛ يحققه قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه عن جبريل عليه السلام عن الله عز وجل أنه قال: ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء فرائضي، وإنه ليتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وفؤاده، فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يعقل وبي يبطش فهذا الخبر قد ذكرناه في مواضع من هذا الكتاب لأنه الأصل في هذا المقام.

فيمتلئ قلب هذا العبد بحب ربه عز وجل ونوره وعلمه والمعرفة به، فلا يصح غير ذلك.

 


ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين باللون الأزرق [ -- ]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف.