|
أركان السُّلوك
مولاي، اعذروا جهلي بمقامكم العاليَ الغالي، فقد أفدتموني بما بصَّرني بعجزي عن مكانتكم، بعد أن شفى السّقام وداوى العلّة، حتى تمثَّلت بك هذه الأبيات مُظهراً لشكري وامتناني بالقول:
وبعد: فقد أشرتم إلى الصوفي على أنه: ( مَن عَلِمَ الشَّريعةَ، وسَلَكَ الطَّريقةَ، وعَرفَ الحقيقةَ )، فهلا تفضلتم وتكرَّمتم فبيَّنتم لي حدود ( الشريعة والطريقة والحقيقة ) عندكم؟ وما تَقولون فيمن لم يكن على الوصف الذي ذكرتم وادَّعى أنه صوفي؟ خادمكم المُقصِّر عثمان ..
وبعد: فإن ( الصوفي ) على ما ذكرت لك إنما هو باعتبار الكسب، الذي عُبِّر عنه بقول بعضهم:" التّصوّف أوله علمٌ، وأوسطه عملٌ، وآخره موهبة "اهـ والمقصود بـ( الشَّريعة ): الأحكام الشرعيّة المتعلقة بأفعال المكلّفين جِنَاناً وأركاناً. والمقصود بـ( الطَّريقة ): الأسباب المُوصِلة إلى مكارم الأخلاق في تأدية الشريعة. والمقصود بـ( الحقيقة ): رَوح الشَّريعة؛ التي قُصد بالتَّشريع تحقيقها، وهي: المُعبَّر عنها بـ( التَّصوّف ) على التَّحقيق، المُشار إليها بـ( العُبوديَّة ) في نحو قول الله تعالى: { بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ }[ الأنبياء: 26 ]، { قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ }[ الجن: 19 ]. وقد أشار إليها الله تعالى بقوله: { لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد }[ ق: 22 ] { إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ }[ الواقعة: 95 ]. و( الحقيقة ) تُكتَسبُ بالطَّريقة استحقاقاً؛ لِما يحصل للمُريد من رِقَّةٍ بينه وبين الأحكام الشرعيّة، وأما ( بُلوغها ) وهو: التَّصْفِيَة بها، والوِلاية فيها، فهِبَة من الله تعالى، كما بيَّن سبحانه بقوله: { واتّقوا الله ويُعلِّمكم الله }؛ إذ ( العلم بالأحكام ) غير محجوب عن أحدٍ، خلافاً لروح هذه الأحكام المقصود منها، وذلك قولهم:
فمن عَلِمَ الأحكام الشَّرعيّة، وأداها على أتمِّ وجهٍ؛ لتمام تحلِّيه بمكارم الأخلاق، فعَلِم حقيقتَها، ووهبه الله تعالى الولاية في العبوديَّة بها، صار صوفياً. وأما ( الصوفي ) من جهة التحقيق، فهو: مَنْ صوفيَ بالحقيقة، وهو قولهم:
وأما مَن ادَّعى أنه صوفي قبل المُصَافاة، فهو على ضربين: فإما أنه أطلقه من باب المجاز، كما ترى في آلاف العبارات المأثورة عن أئمّتنا في الإجابة عن التّصوّف؛ حيث أطلقوا اسم التّصوّف على أحوال ومسائل متفرّقة من التّصوّف ليست هي التّصوّف على التحقيق، وهذا لا بأس عليه بذلك، وإن كان أحب إلينا أن يُسَمَّى: ( مُتَصَوّف ). وإما أنه من باب الإيهام ببلوغ ذلك المقام لحظّ دُنيويٍّ!! وهذا منافق؛ لاتّصافه بالكذب، وهو قسيم ضربٍ ممن يُسَمّون ( غلاة الصّوفيّة ) وهم: المنتسبون للتّصوّف، لحظوظٍ دنيويّة، ولا يصحّ تسميته متصوّفاً فضلاً عن صوفيّاً. وقد أوضحت الكثير من فروع المسائل المجملة هنا في كتابي: [ إعلام المؤمنين بمبادئ ( علم التّصوف ): ثالث أركان الدّين ]. العبد الفقير المقر بالعجز والتقصير أبو طه طارق بن محمد السعدي [ الفتاوى النورانية: 1 / 201 ـ 204 ]
|