مثل أهل الدنيا وما رشحوا له

قال الشيخ الراغب الأصفهاني رحمه الله:"

الإنسان في هذه الدار: كما قال علي :" النّاس سفر، والدنيا دار مَمَر لا دار مَقَر "، وبطن أمّه مبدأ سَفَرِه، والآخرة مَقْصَده، وزمانه حياته ومقدار مسافته، وسنونه منازله، وشهوره فَراسِخه، وأيامه أمياله، وأنفاسه خُطاه، يُسَار به سَيرَ السّفينة براكبها، كما قيل:

رأيت أخا الدنيا وإن كان حافظاً      أخا سفرٍ يُسرى به وهو لا يدري

وقد دُعيَ إلى دار السّلام، كما قال الله تعالى: { لهم دار السّلام عند ربّهم }[الأنعام:127]، وقال تعالى: { واللهُ يدعو إلى دار السّلام }[يونس:25]، وتوجَّه به إليها نحو أشـرف الزهرات وألذ الثمرات: { جنّات تجري من تحتها الأنهار }[البقرة:25]، بل إلى { جَنَةٍ عرضها السّماوات والأرض أعدّت للمُتّقين }[آل عمران:133]، لكن لما كان الطريق إليها مَضَلّة مظلمة قد استولى عليها أشرار ظلمة، جعلَ اللهُ لنا من العَقل الذي ركّبه فينا وكتابِه الذي أنزله علينا نُوراً هادياً، ومن عبادته التي أمَرنا بها حِصناً وافياً:

فقال في وصف نور الله: { الله نور السموات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجةٍ الزجاجة كأنها كوكب دريّ يُوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقيّة ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس }[النور:34]، فجعل المصباح مثلاً للعَقلِ، والمشكاة مثلاً لصدر المؤمن، والزجاجة لقلبِه، واالشجرة المباركة وهي الزيتونة للدّين، وجعلها لا شرقية ولا غربية تنبيهاً على أنها مَصونة عن التّفريط والإفراط؛ كما قال: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم }[الإسراء:9]، والزيت للقرآن، وبيّن: أن القرآنَ يمد العقل مد الزيت المصباح، وأنه يكاد يكفي لوضوحه وإن لم يُعضّده العقلُ، ثم قال: { نور على نور }، أي: نور القرآن ونور العقل، وبيّن أنه يخص بذلك من يشاء.

وقال في وصف ما جعله الله تعالى لنا من الحِصن: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان }[الحجر: 41]، أي: المتخصِّصين بعبادتي. فمَن لم يقم برعاية نوره وحماية حِصنه، عَمَّه في دُجاه، وتمكّنت من استغوائه عِداه؛ كما قال تعالى: { ومَن يَعْشُ عن ذِكْر الرحمن نُقَيّض له شيطاناً فهو له قَرين، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مُهتَدون }[الزخرف:36]، فلم يتزوّد من دنياه زاده كما أمره بقوله تعالى: { وتَزوّدوا فإن خير الزاد التّقوى } [البقرة:196]، وحانت رحلته فيسترجع منه ما أعير من جده وذات يده، فيتحسّر حين لا يغنيه تحسّره ويقول: { ياليتنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّب بآيات ربّنا ونكونَ من المؤمنين }[الأنعام:27]، ويقول: { فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نُردّ فَنَعملَ غيرَ الذي كنَّا نعملُ }[الأعراف:53]، فحنئذٍ لا ينفع نفساً إيمانها إن لم تكن آمنت من قبل أو كَسَبت في إيمانها خيراً.

وأيضاً، فإن الإنسان من وجه: في دنياه حارث، وعَمَله حَرثه، ودنياه محرثته، ووقت الموت وقت حَصده؛ ولهذا قال تعالى: { مَن كان يُريدُ حَرثَ الآخرة نَزِد له في حَرثِه، ومن كان يُريد حَرثَ الدنيا نؤتِهِ منها وما له في الآخرة من نَصِيب }[الشورى:20]:

وكما أن البيدر مكاييل وموازيين وأمناء وحفاظاً ومشاهدين وكتاباً كذلك في الآخرة مثل ذلك؛ كما قال تعالى { وَنَضع الموازين القِسطَ ليوم القيامة فلا تُظلم نفسٌ شيئاً، وإن كان حبّة من خردلٍ أتينا بها وكفى بنا حاسِبين } [الأنبياء:47]، وقال: { وإنَّ عليكم لحافظين كِراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون } [الانفطار:9]، وقال: { وجيءَ بالنّبيين والشّهداء وقُضيَ بينهم بالحَق } [الزمر:68].

وكما أنَّ في البَيدَر تذرية وتمييزاً بين النّقاوة والحطام، فكذلك في الآخرة تميز بين الحسنى والآثام؛ كما قال الله تعالى: { ليميز اللهُ الخبيثَ من الطيّب ويجعل الخبيثَ بعضه على بعض فيركُمَهُ جميعا فيجعله في جهنّم، أولئك هم الخاسرون }[الأنفال:37].

وقال في أعمال الكفار: { مثل الذين كفروا بربّهم أعمالهم كرمادٍ اشتدّت به الريحُ في يوم عاصفٍ لا يقدرون مما كَسَبوا على شيء }[إبراهيم:18]، وقال: { وقَدِمنا إلى ما عَملوا من عملٍ فجعلناه هباءً منثوراً }[الفرقان:23].

فمن عمل للآخرة بُورك في كيله ووزنه، وجعل له زاد الآخرة؛ كما قال تعالى: { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيُهم مشكورا }[الإسراء:19]، ومَن عمل لدُنياه خاب سعيه وبطل عملُه؛ كما قال تعالى: { مَن كان يُريد الحياة الدنيا وزينتها نُوفّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يُبخسون، أولئك الذين ليسَ لهم في الآخرة إلا النارُ وحَبِطَ ما صَنَعوا فيها وباطلٌ ما كانوا يعملون }[هود:15].

فأعمال الدنيا كشجرة الخلاف، بل كالدفلي والحنظل في الربيع ترى خضر الأوراق، حتى إذا حان حين الحصاد لم ينل طائلاً، وإذا حضر مجتناه البيدَرَ لم يفد نائلاً، ومثل أعمال الآخرة كشجرة الكرم والنخل والمستقبح المنظر في الشتاء، فإذا حان وقت القطاف والاجتناء أفادتك زاداً وأدخرت منه عدة وعتاداً، وإلى نحوهما أشار الله تعالى بقوله: { ضَرَبَ الله مثلاً كلمة طيبةً كشجرة طيّبة أصلها ثابت وفَرعُها في السّماء تُؤتي أكلها كلّ حينٍ بإذن ربّها ويضربُ اللهُ الأمثالَ للناسِ لعلّهم يتذكّرون، ومثلُ كلمة خبيثةٍ كشجرة خبيثة اجتُثّت من فوق الأرض ما لها من قَرار }[إبراهيم:24].

ولما كانت زهرات الدنيا رائقة الظاهر خبيثة الباطن، نهى اللهُ تعالى عن الاغترار بها فقال: { ولا تَمُدَّنّ عينيك إلى ما متَّعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدّنيا لِنَفتنهم فيه ورزقُ ربّكَ خيرٌ وأبقى }[طه:131]، واللهُ تعالى يُؤيّد بفضله من يشاء وهو الباري. "انتهى