أدعياء التصوف

والمخالفات المنسوبة إليه

:"

المخالفات المَنْسُوبَة إلى التَّصوفِ أو المُشَاهدة عند بعض المُنْتَسِبِيْنَ إليه: إنما هي منهم لا منه، مردودة عليهم عقلاً ونقلاً وتصوفاً.

ومعلوم: أنه قد شذ عن حدود التصوف أناس، وانتسب إليه آخرون بالباطل، فأحدثوا حوادث منكرة ونسبوها إليه كذباً وزوراً.

كما ادعاه بعض المُتعالمين الذين لا قَدَم لهم في منازل الرجال، ولا لهم نسبة إلا من جهة الحيلة وشراء الذمم بالوجاهة والأموال، ولا لهم من علومه وأعماله إلا ما جمعوه أو بلغهم بغير تحقق ولا معرفةٍ مِنَ القيل والقال!! فأولئك من أشر البريَّة وأهل الاحتيال؛ بما زعموه من الصَّفاء والكمال، وما تَقَوَّلُوه على التصوف من العلم والعمل والأحوال، وبإرشادهم الناسَ إلى مسالكهم بالهوى البَطَّال!!

وكانت فتنة الأوّلين من وجوه:

منها: التَّطفُّل؛ إذ لم يرجعوا إلى عارف يسلكهم، بل قلّبوا كتب التصوف وأخباره، وتصفحوا وظائفه وأوراده، ثم عملوا بما اشتهته نفوسهم منه؛ ربما لظنهم أن الصفاء يحصل بعمل كل ممْكن تشتهيه النفوس أو يرجحه الهوى من العبادات والمزكِّيَات والمجاهَدَات!! وليس هو كذلك، بل أعمال التصوف المستحقّة لثمرة الصفاء: إنما هي الأعمال الظاهرة والباطنة المناسبة للسالك _ بحسب وسعه وطاقته التي فطره الله تعالى عليها _، والتي يراها العارفون بنور الله تعالى من طريق الكشف والعلم اللدني.

ومنها: الوقوع في شرك المُدَّعين؛ حيث فتنوا فيهم واتَّبعوهم على عمى، وعملوا بإرشادهم وتوجيههم القاصر.

ومنها: الخلود إلى الأرض واتباع الهوى.

ومنها: الرضا بالحياة الدنيا من الآخرة!

وأما الآخرون _ أعني: المُتعالمين المُدَّعين _: فقد غفلوا عن آيات الله تعالى، وغرّتهم الحياة الدنيا ففرحوا واطمأنوا بها! إذ ادَّعوا ما ادعوه طلباً لمتعة الدنيا من حق العارفين على الناس عامّة والمريدين خاصَّة؛ فإن حقَّ العارفين على العامَّة: التعظيم والتوقير، وصحبتهم: شرط في التصوف، وحقها على المريدين: الأدب الكامل معهم، والسمع والطاعة لهم .. الخ ما يقتضيه قول الله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله _ وبيّنته مفصلاً في غير هذا الموضع _ فضَلّوا وأضَلّوا.

وإن بعض هؤلاء ترجع نِسبتهم للأولين على التحقيق؛ إذ رضوا بالحياة الدنيا من الآخرة، فاستغلوا متشابهات أهل الحق لفتنة الناس عنهم لكي يجمعوهم تحت كنف سرابهم ودعواهم فينالوا ما يطمعون إليه من الجاه أو غيره من متاع الدنيا المطلوب عندهم!! فاستغلوا نحو عدمِ ظهور بعض أحكام التصوف للتشكيك بها! وجهلِ بعض الناس لاسيما المفتونين بهم ببعض آخر _ ومنه أنواع الكرامات وحدودها _ لإنكاره! ونحو تشابه بعض أعمال البر بالفجور فيما يُفرّق بينه بالنية والمعرفة _ كالنفقات المالية _ للطعن بأهل الحق من الصوفية!! .. وهكذا.

ووراء هؤلاء جميعاً: قوم لا علم ولا خلاق لهم، حملوا ما تشابه من مصطلحات علم التصوف على وجوهها المتشابهة ابتغاء الفتنة وابتغاء التحريف!! نحو حملهم لفظ " الاتحاد " الموضوع في التصوف للدلالة على " الاتحاد العقليّ الموجب غفلة العبد عن الشعور بجملته شغلاً عنها بشهود مَعْبُوْده سبحانه وتعالى " على ما وُضِع له في العقيدة من معنى منكر باتفاق! واستغلوا تصريح الصوفية بلفظه وثنائهم عليه إجمالاً للطعن بهم: بزعم أن المقصود هو ذلك الاتحاد المُنكر!!