حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه

في اجتهاد الرأي

قال الشيخ محمد زاهد الكوثري رحمه الله:" كثر التساؤل في هذه الأيام عن حديث معاذ في الاجتهاد والقياس، فرأيت التحدث عنه في هذا المقال:

قد أخرج أبو داود والترمذي والدارمي عن معاذ بن جبل بألفاظ مختلفة، أنه لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن سأله النبي قائلاً له: ( كيف تقضي؟ ) قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: ( فإن لم يكن في كتاب الله؟ ) قال: فبسنة رسول الله. قال: ( فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ ) قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فقال رسول الله : ( الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله ).

وهذا من جملة الأدلة على الأخذ بالقياس في أحكام النوازل عند عدم النص عليها في الكتاب والسنة، وعلى هذا جرت الأمة إلى أن ابتدع النظام ما ابتدع في نفي القياس وتابعه شراذم من المبتدعة.

وهذا الحديث رواه عن أصحاب معاذ الحارث بن عمرو الثقفي، وليس هو بمجهول العين بالنظر إلى أن شعبة بن الحجاج يقول عنه إنه ابن أخي المغيرة ابن شعبة، ولا بمجهول الوصف من حيث إنه من كبار التابعين في طبقة شيوخ أبي عون الثقفي المتوفي سنة 116، ولم ينقل أهل الشأن جرحاً مفسراً في حقه. ولا حاجة في الحكم بصحة خبر التابعي الكبير إلى أن ينقل توثيقته عن أهل طبقته، بل يكفي في عدالته وقبول روايته ألا يثبت فيه جرح مفسر عن أهل الشأن، لما ثبت من بالغ الفحص عن المجروحين من رجال تلك الطبقة. فمن لم يثبت فيه جرح مؤثر منهم فهو مقبول الرواية. أما الصحابة فكلهم عدول لا يؤثر فيهم جرح مطلقاً عند الجمهور. والتابعون أيضاً مشهود لهم بالخيرية عدول ما لم يثبت فيهم جرح مؤثر. ومن بعدهم لا تقبل روايتهم ما لم تثبت عدالتهم وهكذا. وهذا ما يؤدي إليه النظر الصحيح والأدلة الناصعة. فمن جعل الصحابة والتابعين وتابعيهم في منزلة واحدة في هذا الحكم لم ينزل الناس منازلهم. وكم في صحيح البخاري من رجال لم ينقل توثيقهم عن أحد نصاً، إلا أنه لم يثبت جرحهم فأدخلت روايتهم في الصحيح كما نص على ذلك الذهبي في مواضع من الميزان. والحارث هذا ذكره ابن حبان  في الثقات. وإن جهله العقيلي وابن الجارود وأبو العرب، يعنون الجهل بحاله من جهة أنهم لم يظفروا بتوثيقه نصاً من أحد. وقد سبق حكم هذا الجهل في كبار التابعين.

ولا مجال لتوهين أمر هذا الحديث باعتبار انفراد أبي عون برواية هذا الحديث عن الحارث بن عمرو الثقفي، لأن رد الحديث بسبب انفراد راو غير مجروح ليس من مذهب أهل السنة، ولا من أصول أهل الحق. وأبي عون محمد بن عبيد الله الثقفي قد روى عنه أمثال الأعمش وأبي حنيفة والثوري وأبي إسحاق الشيباني ومسعر وشعبة وغيرهم وهو من رجال الصحيحين، وتوثيقه موضع إجماع بين أهل النقد.

وقد روى هذا الحديث عن أبي عون عن الحارث أبو إسحاق الشيباني وشعبة بن الحجاج ـ المعروف بالتشدد في الرواية والمعترف له بزوال الجهالة وصفاً عن رجال يكونون في سند روايته ـ فرواه عن أبي إسحاق أبو معاوية الضرير، وعنه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة. كما رواه عن شعبة يحيى بن سعيد القطان وعثمان بن عمر العبدي وعلى بن الجعد ومحمد ابن جعفر وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك وأبو داود الطيالسي وغيرهم. ورواه عن هؤلاء من لا يحصون كثرة حتى تلقت فقهاء التابعين وتابعيهم هذا الحديث بالقبول وجروا خلفاً عن سلف على الأصل الأصيل الذي أصله هذا الحديث.

وأما محاولة توهين أمر هذا الحديث حيث وقع في لفظ الحارث ( عن أصحاب معاذ من أهل حمص عن معاذ ) باعتبار أن أصحاب معاذ مجاهيل ورواية المجاهيل مردودة، فمحاولة فاسدة لأن أصحاب معاذ معروفون بالدين والثقة ولا يستطيع هذا المحاول أن يثبت جرحاً في أحد أصحاب معاذ نصاً. وأما ذكر الحارث لأصحاب معاذ بدون اكتفاء منه بذكر اسم أحد منهم فإنما هو للدلالة على مبلغ شهرة هذا الحديث من جهة الرواية حتى ترى الأمة قد تلقته بالقبول.

قال أبو بكر بن العربي في العارضة: ( ولا أحد من أصحاب معاذ مجهولاً ويجوز أن يكون في الخبر إسقاط الأسماء عن جماعة ولا يدخله ذلك في حيّز الجهالة، وإنما يدخل في المجهولات إذا كان واحداً فيقال: حدثني رجل أو حدثني إنسان، ولا يكون الرجل للرجل صاحباً حتى يكون له به اختصاص، فكيف وقد زيد تعريفاً بهم أن أضيفوا إلى بلد، وقد خرج البخاري الذي شرط الصحة في حديث عروة البارقي ( سمعت الحي يتحدثون عن عروة ) ولم يكن ذلك الحديث في جملة المجهولات. وقال مالك في القسامة: ( أخبرني رجال من كبراء قومه ) وفي الصحيح عن الزهري: حدثني رجال عن أبي هريرة ( من صلى على جنازة فله قيراط. ) اهـ.

وكلام ابن عربي هذا يقضي على ما يرويه ابن زنجويه عن البخاري في التاريخ. على أن لفظ شعبة في رواية على بن الجعد ( قال: سمعت الحارث بن عمر وابن أخي المغيرة بن شعبة يحدث عن أصحاب رسول الله عن معاذ بن جبل ) كما أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه، ومثله جامع بيان العلم، لابن عبد البر، وقد صحب معاذاً كثير من أصحاب الرسول فيكون أصحاب معاذ الذين سمع منهم الحارث هم من أصحاب رسول الله أيضاً ومثله لا يكون من الجهالة في شيء عند جمهور أهل العلم بالحديث وعدهم مجاهيل يكون مجازفة باردة، وهكذا أصحاب القرائح الجامدة يجعلون من القوة ضعفاً.

وقال أبو بكر الرازي في أصوله: ( فإن قيل إنما رواه عن قوم مجهولين من أصحاب معاذ، قيل له: لا يضره ذلك، لأن إضافته ذلك إلى رجال من أصحاب معاذ توجب تأكيده لأنهم لا ينسبون إليه بأنهم من أصحابه إلا وهم ثقات مقبولو الرواية، ومن جهة أخرى إن هذا الخبر قد تلقاه الناس بالقبول واستفاض واشتهر عندهم من غير نكير من أحد منهم على رواته ولا رد له ( يعني في القرون الفاضلة ) وأيضاً فإن أكثر أحواله أن يصير مرسلاً والمرسل عندنا مقبول ) اهـ.

وقبول المرسل عند الاعتضاد موضع اتفاق بين الأئمة المتبوعين، وكم من دليل يعضد مضمون هذا الحديث حتى يبلغ المجموع حد التواتر المعنوي فضلاً عن الصحة المصطلحة، وقد سبق منا تحقيق أنه ليس هذا الحديث من مظان الانقطاع أصلاً، وكلام الرازي إنما هو على فرض الإرسال.

وقال أبو بكر بن العربي ذلك الحافظ الكبير: ( اختلف الناس في هذا الحديث فمنهم من قال إنه لا يصح ـ على مصطلحهم ـ ومنهم من قال هو صحيح، والذي أدين به القول بصحته فإنه حديث مشهور يرويه شعبة بن الحجاج رواه عن جماعة من الفقهاء والأئمة ) اهـ.

وقال الخطيب البغدادي في كتابه ( الفقيه والمتفقه ) ـ وهو من أجدر كتبه بالطبع ـ وقول الحارث بن عمرو ( عن أناس من أصحاب معاذ ) يدل على شهرة الحديث وكثرة رواته، وقد عرف فضل معاذ وزهده، والظاهر من حال أصحابه الدين والثقة والزهد والصلاح، وقد قيل إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم بن معاذ، وهذا إسناد متصل ورجاله معروفون بالثقة، على أن أهل العلم تقبلوه واحتجوا به فوقفنا بذلك على صحته عندهم اهـ.

فتلخص من ذلك كله أن الحديث ثابت عند جمهرة الجامعين بين الفقه والحديث، بل مع ما احتف به من القرائن والروايات يبلغ مدلوله حد التواتر المعنوي، ولو أخذت أسد طرق هذا الحديث من الكتب السالف ذكرها فضلاً عن سائر الكتب وعن سائر الروايات في هذا الصدد، لطال بنا الكلام جدا وسئم المطالع الكريم، وفيما ذكرناه غنية من مرتبة هذا الحديث رغم تقولات بعض النقلة.

* * *

والذي دعانا إلى نشر هذا الكلام: هو ما نلقى من كثرة التساؤل عن هذا الحديث في هذه الأيام، حيث مُنِي أهل العصر بجهلة أغمار، يحاولون إنكار القياس الشرعي زاعمين الأخذ بالحديث عن كل من هب ودب، وليسوا هم في شيء من علم الحديث ولا من التفقه، لكنهم: أعوان الشيطان، وأنصار الهوى، يسعون في تفريق كلمة المسلمين بتشتيت اتجاههم ومجافاة الحق، ومجانبة الصدق. ومتابعة الهوى هي أخص أوصافهم، فالواجب أن لا يلتفت إلى هرائهم، مع صدق السلوك على الطريقة المثلى المسلوكة عند أئمة الدين، وهي: قبول القياس من أهله فيما لا نص فيه من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، مع الاستقصاء البالغ في أحاديث الأحكام، لنكون على بينة من مراتب الأحاديث المروية في أحكام الفروع قوة وضعفاً متناً وسنداً من حيث الثبوت، ووضوحاً وخفاء من حيث الدلالة، إن كنا نريد الإلمام بأدلة الأحكام بعض إلمام، والله سبحانه الموفق. "انتهى

[ مقالات الكوثري: 91 - 95 ]