|
عِلْمُ الكَلام
وبعد: فإن المؤمنين مأمورون بالدعوة إلى الله تعالى، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإن توقَّفت الدعوة على تحقيق شيء ما، وجب تحقيقه. وعليه: وجب على المسلمين كفاية تعلُّم نحو اللغات لنشر الدعوة، وليس الكلام إلا ضرباً من ذلك؛ فإن المتكلمين لا يفهمون إلا بلغتهم. وليس عند المانِع إلا التعلق ببعض ما ورد عن السلف من ذم الكلام، علماً أن ذلك فضلاً عن كونه ليس دليلاً، ليس له تعلق به بعد ما بيناه، سيما وقد ثبت عن هؤلاء الخوض في الكلام، ما يوجب تقييد ذمهم بالسفسطة منه. فائدة: واعلم أن المؤمنين الراشدين ممتدحون بإيمانهم بالغيب الذي لا يقوم إلا على حدود بين الحاضر والغائب، مبنيَّة على حقيقة الطرفين: فإن كان الغائبُ مثلَ الحاضر كان الحدُّ تشبيهَه به، وإن لم يكن مثلَه امتنع تشبيهه به، وكان الحد ( الذي هو: الإيمان به، وإثباته ): نفي كل معنى من معاني الحاضر عنه. وبالتالي: العجز عن بلوغ حقيقة الغائب المنَزَّه عن المِثل، والوقوف على إثباته. ولمَّا نفى اللهُ تعالى عن نفسه المماثلةَ ـ ( وقد شهد العقل بذلك كما هو مبسوط في غير هذا الموضع ) ـ، كان الحد: نفي المماثلة، فتنزيهه عن معاني الخلق. فغاية المتكلم في الإلهيات: إثبات الكمالات على معنى منزّه عن معاني الخلق، وبيان فساد نسبة معاني الخلق إلى الخالق. وأما تفسير هذه المخالفة وبيان حقيقتها: فهو مَحَل العَجز، ونهاية البحث. وعليه: فمهما بلغ المتكلم وهو يقف على التنزيه عن معاني المحدثات، لم يضره خطأه أكثرَ من كونه: عَجِزَ بالكلام عن إثبات ما أثبته الشرعُ من التنْزِيه، وعن رَدِّ شبهة خصمه. والمتكلمون من أهل الحق إنما اجتهدوا في الكلام لإثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه منزهاً عن معاني الخلق ". العبد الفقير، المُقرّ بالعجز والتقصير خادم الحق طارق بن محمد السَّعْدِي "انتهى
[ الفتاوى النورانية: المجلد الثاني ]
|