الإساءة للإسلام!

سئل شمس الزمان الشيخ الإمام طارق بن محمد السعدي رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم، سيدي شمس الزمان ونجمه المشع بالهدى إلى الرحمن الشيخ العارف الإمام طارق بن محمد السعدي _ حفظك الله لنا ولسائر المسلمين _ .. أرجو منكم التكرم بالرد على السؤال التالي:

مولانا الفاضل: ما نقول لمن يزعم أن القرآن كتاب يدعو إلى الإرهاب والقتل؟ وأن النبي محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) جاء يدعو إلى الإرهاب والقتل! ثم إنه يسيء إليه بالسب والاستهزاء بما لا شك أنه بلغكم من أمر الصور المنشورة في الصحف الدنمركية قديما وحديثاً؟

وما المطلوب من الأمة إزاء ذلك في هذه المرحلة مع ما نعيشه من ظروف إقليمية ودولية؟

بارك الله لي وللمسلمين والناس بكم، ونفعنا بعلومكم ورحمتكم.

محبكم راجي خدمتكم: عماد الدين ..

:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الحميد المجيد، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد وآله وصَحْبِه وخُلفائه وورثته خير العبيد.

عزيزي عماد، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته.

وبعد: فإن الإساءة إلى الإسلام ورموزه وشعائره ومسائله فعل يزلزل القلب ويستجيش مشاعر النفس، ولولا ما حلانا الإسلامُ به من مكارم الأخلاق لتصرف المرء منا بمقتضى تلك الأحوال سلباً؛ وقد قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شَنَآنُ قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله؛ إن الله خبير بما تعملون [المائدة:8].

فأقول مستعينا بالله تعالى استعانة من لا حول له ولا قوة إلا به: أن " الإرهاب والقتل " على الوجه السلبي الذي يقصده المسيئون للإسلام: يندرج في مساوئ الأخلاق، ولا يخفى على الناظر بإنصاف في خطابِ وأحكامِ وسننِ دين الإسلام أنه رحمة للعالمين يُخرِجُ المنضبطين به من الظلمات إلى النور ويُحلِّيهم بمكارم الأخلاق على مستوى الأفراد والمجتمعات؛ وهو قول الله سبحانه وتعالى: هو الذي يُنَزِّلُ على عبده آيات بيِّنات ليُخرِجَكم من الظُلمات إلى النور، وإن اللهَ بكم لرؤوفٌ رحيم [الحديد:9]، وقول سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق .

وقولي " الوجه السلبي " لإخراج الوجه الإيجابي: وهو القصاص المترتب على اقتراف المفاسد؛ إذ تخويف الناس من تبعات اقتراف المفاسد عاجلاً ( في الدنيا؛ بما يترتب عليها من القصاص ) وآجلاً ( في الآخرة؛ بما يترتب عليها من العذاب )، وكذا تنفيذ القصاص بنحو القتل: تتحقق به المصلحة على مستوى الفرد أو المجتمع، سواء لطالب الآخرة أو الدنيا؛ لأن الأول حريص على طاعة المولى، والآخر حريص على اتقاء البلوى.

أقول: ولو كان نفس القصاص الإيجابي سوءاً لما ارتضاه المسيء لدنياه فيما قرره من أحكام وضعية ظنّ أنها تحقق مصالح الفرد والمجتمع، ومنه: أحكام الحروب التي يشنها المسيئون على بلاد المسلمين وغيرهم فيقتلون من يحاربهم ويحبسون من تقع أيديهم عليه منهم وممن يخالفهم فضلا عن قتل المدنيين وإلحاق الضرر بهم في أنفسهم وأرزاقهم، سواء كانت الحرب تحت لواء محاربة الإرهاب أو غيره؛ لأن العبرة بتشريع واستحسانِ الاقتصاص من الآخَر!

فنقول لمن يسيء للإسلام: اتَّق رذيلةَ الجهل، وإنه لَمِن أجهل الجهل: أن يُبنَى الرأيُ على تفريق المجتَمِعِ، وأن يُفَرَّغ الحُكمُ من حِكمته فضلاً عن تحريفها الذي هو أقبح!

والجهل في " الحكم على الإسلام بالسوء " بيِّنٌ لكل من يتحلى بأدنى حظ من العدل في النظر والتحقيق؛ لظهور البيان في ابتنائه على مكارم الأخلاق، وتحققها في كافَّة وسائله وغاياته: سواءٌ من خلال تقريرها والمطالبة بها وتشريع ما يُحققها، والنهي عن ضدّ ذلك غالباً، أو بترتيب القصاص على مخالفتها صوناً لها وحفاظاً على مصلحة الفرد والمجتمع؛ وذلك قول الله تبارك وتعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقَبائلَ لِتَعَارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليمٌ خبير [الحجرات:13]، ومن ثم قال سبحانه: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء:107].

ومن الصور الجلية لذلك: قول الله تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً، إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذابُ ثم لا تُنصرون واتَّبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرتَى على ما فرَّطت في جنب الله وإن كنتُ لَمن الساخرين أو تقولَ لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقولَ حين ترى العذابَ لو أن لي كرّةً فأكون من المحسنين بلى قد جاءتك آياتي فكذبتَ بها واستكبرتَ وكنتَ من الكافرين ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله وجوهُهم مسودّةٌ، أليس في جهنم مثوىً للمتكبرين ويُنَجّي اللهُ الذينَ اتَّقَوا بمفازتهم لا يمسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يحزنون الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل له مقاليد السماوات والأرض؛ والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون قل أفغيرَ الله تأمرونِّي أعبدُ أيها الجاهلون [الزمر:53-64].

فتبين بهذا: أن الإساءة للإسلام بناء على موضوعه ساقطة، ولا يغتر بها إلا جاهل.

ولم يبق إلا أن تكون الإساءةُ مبنيةً على المسائل: بنحو أن يزعم المسيءُ سوءَ الإسلام لأنه يرى أن القتل في المسائل التي حكم فيها الإسلامُ بالقتل سيئاً؛ وذلك لأنه يرى أن السجن أو التغريم بالمال _ مثلاً _ هو أصلح من القتل في تلك المسائل! وهكذاً ..

وللإجابة عن ذلك نضرب له مثلاً! فنقول: ما رأيك بمهندس معماري يعترض على طبيب متخصص لوصفه دواء لمريض بالصداع بعد أن كشف عليه وأدرك داءه ودواءه يقينا، وسبب اعتراضه: أن عين الدواء ( لونا أو طعماً أو ريحاً ) لم تعجبه! أو لأنه أصيب مرة بصداعٍ وتعافى منه بدواء مختلف! علما أن أسباب الصداع مختلفة ويختلف دواؤه باختلاف السبب؟

فإن أقرّ المسيءُ المهندسَ! فقد سقط الحديثُ معه لسقوطه عن رتبة العقلاء بل والمميزين.

وإن أقرَّ الطبيبَ وأنكرَ على المهندس فقد أصاب، وألزم نفسه بوجوب الاحتكام إلى الأعلم والأخبر بالشيء دون المجتهدين والأدعياء والمتطفلين.

وفي الأمر الذي نحقق فيه: فإن البحث يدور على مصالح الناس أفراد ومجتمعات، وليس ثمة أعلم وأخبر من خالقهم فيها، وقد قال الخالق سبحانه وتعالى: ورضيت لكم الإسلام دينا ، وقال عن القرآن الكريم: كتابٌ أُحكمت آياتُه ثم فُصِّلت من لدُن حكيمٍ خبيرٍ [هود:1]، والذي أوحينا إليكَ من الكتابِ هو الحقُّ مُصدقاً لما بين يديه؛ إن الله بعباده لخبيرٌ بصيرٌ [فاطر:31].

ولا ينبئك مثل خبير [فاطر:14].

فوجب على المسيء: النظر في الحجج والبراهين القائمة على ألوهية الله تعالى وثبوت علمه وخبرته وحكمته وسائر أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فإن قامت عليه الحجة _ وإنها لقائمة _ وجب عليه الإيمان والإسلام، ثم اتقاء الله تعالى الملك العلام، واتقاء يوم حساب الأنام.

وقد قال الله تعالى: فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزَلنا، واللهُ بما تعملون خبيرٌ [التغابن:8].

وضرب مثلا للمؤمنين والكافرين بقوله: أوَمَن كان مَيْتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كَمَن مَثَلُهُ في الظلمات ليس بِخَارجٍ منها، كذلك زُيِّن للكافرين ما كانوا يعملون [الأنعام:122].

وأما المطلوب من الأمة تُجاه تلك الإساءة على الوجه الذي ظهرت به: فالوقوف صفاً واحداً ويداً واحدة في محفل الأمم لاستصدار قرار بحظر مثل هذه الإساءة، والعمل على نشر أصول الدين الإجمالية التي لا خلاف عليها بين المسلمين بلغات يفهمها المسيئون ومن وراءهم ممن يصغي إليهم ويفتن بأفعالهم بحيث تكون مرجعا للتعريف وتمييز التحريف.

وإنما قلت " أصول الدين إجمالاً " لكي لا تدرج كل فرقة وجهَ افتراقها عن غيرها فنجد الآخرين يصدون عن هذه المراجع فنوقع هؤلاء الناس في حيرة لا يتوقع تسامحهم معها قبل التعرف بديننا واليقين بصحته وكماله.

و قل الحمد لله وسلامٌ على عباده الذين اصطفى؛ ءَالله خيرٌ أمَّا يُشركون ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين.

خادم الحق

طارق بن محمد السَّعْدِي