هوِيـــَّة علم الكلام

قال بعضُهم:" بيان معنى علم الكلام وحكم تعَلمِه وتعْلِيْمِه:

يُروّج المُجسّمة والمشبّهة: أن ( علم الكلام ) علم مذموم، وأن السّلف حكموا على ( من يشتغل به ) بالبدعة والزندقة، وغير ذلك من عبارات الذمّ!! والحقّ ليس كذلك، والهدف من هذا الترويج أمران أو ثلاثة:

أما الأول: فلِيَحْكموا على من لا يُوافقهم في آرائهم بالبِدعة والزندقة، دون أن يستطيع أحدٌ أن يُعارضهم، ويتسَنى لهم ساعتئذٍ الخوض فيما يريدون من مسائل فلسفية كلامية.

والثاني: لِيُدْخلوا في قلوب العامّة وأشباههم من حَمَلةِ الشهادات الخوفَ من الخوضِ في تعلم هذا العلم وتعليمه حسب الأصول من قواعده ومبادئه المعروفة، التي أسسها العلماءُ الجهابذة استنباطاً من نصوص الكتاب والسنة.

والثالث: رمي العلماء الذين يُخالفونهم في آرائهم الفاسدة، والأئمة الكبار بالـ( جهميّة )، احتجاجاً بكلام بعض بعض أئمة السلف الذين تنقل عنهم عبارات في ذم الكلام؛ حيث يضعونها في غير موضعها.

إيضاح مسألة ذم بعض علماء السلف لعلم الكلام، وبيان أنه محمود:

لما ظهرت المبتدعة في أواخر القرن الثاني، والقرن الثالث، نشأت فرق مختلفة من طوائف المبتدعة، وأظهروا أقوالاً شاذّة رديئة، وخصوصاً في العقائد _ كقول أبو داود الجواربي في دعواه: أن معبوده لحم ودم، على صورة الآدمي!! ودعوى الكرّاميّة: أن معبودهم ذو نهاية من الجهة التي يُلاقي منها العرشَ!! إلى غير ذلك من مقالاتٍ فاسدةٍ، وأقوالٍ باطلة، تجد نماذجَ منها في كتاب [ أصول الدين، للإمام الأستاذ عبد القاهر البغدادي: ص 335 – 338 ] _، فسَمّى علماء الإسلام هؤلاء المبتدعة: أصحاب الكلام، أي: الذين تكلموا في أمور باطلة فاسدة، زعموا أنها هي علم التوحيد الحق، فقام الأئمة بالرّدّ عليهم: إما بالكلام الشفهي في المناظرات التي عقدوها بينهم وبين أولئك المبتدعة، أو بالتصنيف والتأليف.

قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في [ الإحياء: 1 / 96 ]:" وأوّل مَنْ سنّ دعوة المبتدعة بالمجادلة إلى الحقّ: علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ إذ بعث ابن عباس رضي الله عنهما إلى الخوارج فكلمهم، فقال: ما تنقمون على إمامِكم؟!

قالوا: قاتلَ ولمْ يَسْب ولم يَغنم.

فقال: ذلك في قتال الكفار، أرأيتم لو سُبيَت عائشة رضي الله عنها في سهم أحدكم، أكنتم تستحِلون منها ما تستحلون من مُلْكِكم، وهي أمكم في نص الكتاب؟!

فقالوا: لا.

فرجع منهم إلى الطاعة بمجادلته ألفان.

ورُوي أن الحَسَنَ ناظرَ قدرياً، فرجع عن القدر .. "اهـ.

بيان أن علم الكلام ليس مذموماً:

لقد أرشد القرآن الكريم في آيات كثيرة إلى التفكّر في خلق السماوات والأرض وما فيهنّ؛ للاستدلال بذلك النظر على وجود خالقهنّ: الله سبحانه وتعالى، وهذا هو من مبادئ علم الكلام ـ التوحيد ـ الذي نقول به، ونحضُّ الناسَ على تعَلمِه وتعليمه.

ومن ذلك: قول الله تعالى في كتابه العزيز: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رُفعت، وإلى الجبال كيف نصِبَت، وإلى الأرض كيف سُطِحت .. }، وقال سبحانه مُثنياً على عباده المؤمنين: { الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض }، وقال سبحانه مبيناً أحد مسائل علم التوحيد المهمة: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسَدَتا }، وقال تعالى مبينا لنا مناظرة سيدنا إبراهيم للنمرود في علم الكلام وإفحامه إياه: { ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه } إلى قوله: { فبُهت الذي كفر }، وقال تعالى في معرض الثناء على سيدنا إبراهيم عليه السلام في مجادلته وإفحامه لخصمه: { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه }، وقال سبحانه موضحا لنا حال سيدنا نوح عليه السلام: { قالوا: يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا }، وقال تعالى في قصة فرعون ومناظرة سيدنا موسى له: { وما ربّ العالمين؟! } إلى قول سيدنا موسى: { أولو جئتك بشيءٍ مبين؟ }، وبالجملة: فالقرآن من أوله إلى آخره محاجة مع الكفار.

فعمدة أدلة المتكلمين في التوحيد: قوله تعالى: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا }، وفي النبوات عمدتهم: قوله تعالى: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله }، وفي السّمعيّات والبعث: قوله تعالى: { قل يحييها الذي أنشأها أوّل مرّة }.

إلى غير ذلك من الآيات والأدلة.

وأما السلف الصالح: فقد ناظر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى حفصاً الفرد في علم الكلام، وأثبت له كلامه المذموم بالكلام المحمود، وحكم بكفره.

وقال الشافعي رحمه الله تعالى أيضاً _ مبيناً ضابط علم الكلام المحمود، وعلم الكلام المذموم _، كما في [ سير أعلام النبلاء: 10 / 20 ]:" كل متكلم على الكتاب والسنة فهو الجِدّ، وما سواه فهو هَذيان "اهـ، أي: أن كل من تكلم في علم الكلام، فأخذ من الكتاب والسنة معلوماته، ولم يُخالف النصوص الشرعيّة، فهو على الحق، وما سوى ذلك _ كمن انخرط في سلك التجسيم والتشبيه، وأعرض عن قواعد تنزيه الله تعالى _: فهو الهاذي المُخطئ.

وكذلك الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى؛ رد على كثير من المبتدعة، حتى قال _ كما في [ سير أعلام النبلاء: 7 / 202 ] _:" أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم مُعَطّل، ومُقاتل مُشَبّه "اهـ. وقد صنّف الإمام أبو حنيفة كتاب ( الفقه الأكبر )، وكتاب ( الوصيّة )، وغيرهما في علم الكلام، على ما يُقال.

وكذلك صنف الإمام مالك في علم الكلام؛ ففي [ ترتيب المدارك: 1 / 204 ] للقاضي عياض، وفي [ سير أعلام النبلاء: 8 / 88 ] للحافظ الذهبي:" أن الإمام مالكاً ألّفَ رسالةً في القدَر، كتبها إلى ابن وهب "، قال الذهبي:" وإسنادها صحيح ".

وكذلك الإمام البخاري رحمه الله تعالى؛ صنف في علم الكلام كتابه المشهور: ( خلق أفعال العباد )، وهو متداول مطبوع.

والإمام أحمد _ الذي يُنقل عنه أنه قال:" علماء الكلام زنادقة " _ ألف كتاب ( الرد على الجهميّة ) كما تزعم المشبّهة _، وموضوعه: مسائل كلاميّة. كما أنه ناظر خصومه في علم الكلام، وقال:" القرآن كلام الله، غير مخلوق "، وهذه العبارة غير موجودة في القرآن الكريم، ولا نطقت بها السنة المُطهّرة، وهي: من علم الكلام.

وكذلك الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى، وهو من أئمة السّلف ( ت 321 هـ )؛ صنفَ العقيدة الطحاويّة المشهورة، ونصّ فيها على تنزيه الله عن الحَدّ والجهة والأعضاء، فقال:" وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الستّ كسائر المبتدعات "اهـ، وذكر في مقدّمتها: أن هذه عقيدة الإمام أبي حنيفة وصاحبيه رحمهم الله تعالى. فهذه العبارة من علم الكلام المحمود، بلا شك.

وهنا نسأل فنقول:" إذا كان علماء الكلام زنادقة ـ كما يُنقل عن الإمام أحمد ـ، فلماذا يخوض هو في علم الكلام فيقول:" القرآن كلام الله غير مخلوق "اهـ؟! ولماذا يُصنف كتاب ( الرد على الجهمية ) ـ كما تزعم المجسّمة ـ، الذي موضوعه: علم الكلام؟!

الجواب: أن كلامه في ذم علم الكلام خاصّ بالمبتدعة الذين أتوا بأقوال منافية لنصوص الكتاب والسّنة، ومعارضته لها.

والإمام الشافعي رحمه الله تعالى، لولا أنه من علماء الكلام، ومُتقن لهذا العلم، لما استطاع أن يُناظر حفصا الفرد، ويفحمه، ويحكم بكفره وارتداده، وهكذا. 

ومِن الناس مَن يذم تعلم علم العقيدة والتوحيد جملة في هذا العصر، ويقول:" هذه الأمور خلافية، والأولى الابتعاد "!! ويقول:" نحن على عقيدة الصحابة، وعلى الفطرة، ولا نريد الخوضَ في هذه المسائل "!!

والواقع يشهد: بأن هؤلاء يتهرّبون من العلم والتعليم _ الذي حضَّ على تعلمه، وأمر بمعرفته ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، وكذا بينه نبيه صلى الله عليه وسلم في سنته _، فيردونه بهذه الحجج الفاسدة الهزيلة.

وهؤلاء الذين يقولون بهذا القول البعيد عن هدي النبوّة، يخالفون في الواقع مبادئ الإسلام العامّة، والصحابة الذين مكث فيهم صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة في مكة يُعلمهم العقيدة والتوحيد، حتى يُعَلمُوا الأمّة من بعده.

وهؤلاء المنكرون الذين يتهرّبون من تعلم العقيدة، بل يحاربون تعلم العقيدة والرّدّ على شبه الملاحدة والمبتدعة لا يعرفون عقيدة الصحابة ولا أهل الفضل المشهود لهم لو اختبرناهم وامتحناهم!! وإنما هم يُردّدون هذه العبارات دون استيعاب لها.

وأما الفطرة التي يتشبثون ويتشدّقون بها فـ .. انها حجة داحضة، وسراب بقِيْعة، وان الله تعالى قد هدم لهم هذا التشبّثَ بقوله سبحانه: { واللهُ أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً } ..

فائدة: اعلم يرحمك الله تعالى: أن المشبهة والمجسّمة وضعوا على الإمام الشافعي رحمه الله تعالى كتابين في العقيدة؛ ليُقنعوا مَنْ لم يعرف حقيقة هذا التزوير: أن الإمام الشافعي، وهو إمام كبير من أئمة السّنة، ومن السلف الصالح يقول بقولهم، ويعتقد ما يعتقدون!!

واسم الكتابين: الأول: ( عقيدة الشافعي )، والثاني: ( وصيّة الشافعي ). وقد طُبعت وصية الشافعي حديثاً ..؛ سعياً من هؤلاء في إذاعة عقائد المشبّهة الفاسدة، ونشر الأمور المكذوبة المُلفقة على أئمة السلف رحمهم الله تعالى!! في سبيل نصر بدعتهم، ولو بالطرق العرجاء العوجاء الملتوية المردية لأصحابها في النهاية!!

أما الكتاب الأول: فرواية ابن كادش والعشاري، وهما كذابان حنبليان مشهوران.

وأما الكتاب الثاني: فرواية أبو الحسن الهكّاري، المُلقب عند المجسّمة بشيخ الإسلام!! وهو أحد الكذّابين الوضّاعين، كما هو مُدوّن في كتب الجرح والتعديل .. "انتهى