حد العبادة

قال شمس الزمان الشيخ الإمام طارق بن محمد السعدي رضي الله عنه::"

العبادة: هي الاعتماد والانقياد للإله.

قال الله تعالى: .. فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [الحج:34].

فالاعتماد: هو التوجه للإله ( وهو بالحق: الله تعالى ) في متعلقات الإلهيَّة ( وهي: التأثيرُ الذَّاتيُّ في كافة الكائنات ).

والانقياد: هو الطاعة.

[ قال الله تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً }[النساء:125]؛ قال شمس الزمان حفظه الله:" قول الله تعالى { أسلم وجهه لله } اعتماد، وقوله { وهو محسن } انقياد "انتهى ]

والإلـه: هو المؤثِّر في الكائنات لِذَاته.

وخرج بقولنا " للإله ": ( الاعتماد والانقياد المجرَّد مِن اعتقاد الإلهية ) عن العبادة، فلا يكون المعتاد من ذلك بين الناس أدباً ورعاية وتسخيراً من العبادة، لكن إن كان مطلوباً _ كالانقياد والأدب للرسول والخليفة عليهما السلام أو الأمراء والوالدَين _: كان وسيلةً صحيحةً؛ لأنه استجابةٌ لطلب الإله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ .. [النساء:59]، وفي الخبر: ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه ، فهو عبادة تَوَسُّليَّة، أي: رغم كونها واقعة بالمحل _ كالمنقاد إليه _ إلا أنها ليست تعبداً له، بل به، فهو في العبادة وسيلة يُعبد الإلهُ بها؛ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ .. [الإسراء:57]. ثم! هو لا يكون منكَراً مهما بلغ في التعظيم مع حفظ المقامات؛ ومن ثم قال الله تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ .. }[الحج:30].

فإن قيل: أليس المبالغة في التعظيم للمطلوب من الكائنات تأليهاً له؛ كما قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: لا تطروني كما أطرت النصارى بن مريم؛ فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله [صحيح]، فتكون المبالغة في تعظيم الأنبياء والأولياء والمشايخ غلواً منكراً؟!

قلنا: ليس في الدليل إلا النهي عن التأليه الواقع من المنكَر عليهم فيه؛ فهؤلاء تعدوا المقامات، واعتقدوا فيه الإلهية، وتوجهوا بالعبادة له لا به، كما قال الله تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا، لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31]، ولا تغفل عن دلالة " من دون اللهِ "، والتي وردت في نحو قول الله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ! قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:18]، وهاهنا نَصٌّ لم يقف عنده الواقعون في أعراض الأمة الصالحة هو:" وَيَعْبُدُونَ "؛ إذ يبين أن حقيقةَ أمرهم: هو التوجه بالعبادة للمحلّ، ومنه: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ [النحل:73]، وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ .. [الفرقان:55]، وتأمل التلازم بين العبادة واعتقاد التأثير [ في هذه الآيات المَجيدة ] ليتبرهن لديك المعنى الذي قررناه ابتداءً في حد العبادة.

وأما التعظيم المحفوظ: فصحيح مطلوب كما بيَّنْت.

ولا يخفى: أن الذي كان عليه الأمم السابقة ليس كنقطة في بحر ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد كانوا يقبِّلون يديه ورجليه ويتسابقون على نخامته وفضل مائه، حتى أن البعض شرب فضل دمه وعرقه وبوله .. الخ ما ورد في صحاح الأخبار.

بل لما وقع الخلل من البعض في شيء من الآداب أنزل الله تعالى قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الحجرات:1-5]، فأنذر بإحباط الأعمال على خَللٍ بأدَبٍ في هذا الباب بينما لم ينذر بذلك على سواه، فتأمل! "[الإعلام! بحاجة الناس للعبادة على الإسلام:12-16]

 


ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين باللون الأزرق [ -- ]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف.