|
الحديث الموضوعُ المُسْنَد
أسألك أن تشفي صدري وطلاب الحق بمسألة الأحاديث الموضوعة المسندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ما هو الدليل الذي نرد به تعلق هؤلاء بالإسناد؟ ولك الشكر. خادمكم المخلص عثمان ... "
وبعد: فأما سؤالك عن الدليل على ردّ الأحاديث الموضوعة المسندة، فاعلم: أنه لا خلاف بين المحدثين والأصوليين والفقهاء على إمكانيّة وجود عِلّةٍ أو شذوذٍ أو اضطِّرابٍ في سند الحديث أو متنه يقدح في صحّة ثبوته عمّن أسنِد إليه، رغم عدالة رواته وضبطهم؛ لذلك عرّفوا الحديث الصّحيح بأنَّه: ما رواه عدلٌ تامّ الضّبط عن مثله، متّصِل السّند، غير معلّل، ولا شاذّ. فالجاهل بفن التخريج ودراسة المتون والأسانيد لا ريب أن يُنكر ذلك على أهل الاختصاص وأتباعهم، علماً بأن زمناً لم يخلو من أهل اختصاصٍ بيّنوا عللاً وشذوذاً واضطِّراباً في أحاديث بعضها في الصَّحيحين. فإن علمت هذا، فاعلم: أن سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم قال:" سيُكذبُ عليّ "، وهو نصٌّ على وقوع الكذب عليه صلى الله عليه وسلم لا محالة؛ لتنبُّئه به. والكذب عليه صلى الله عليه وسلم إنما يَصدُقُ بإسناد الخبر إليه صلى الله عليه وسلم من طرق توهم قوله صلى الله عليه وسلم إياه، لأن الخبر الظاهر الوضع عليه صلى الله عليه وسلم لا يمرق على العلماء، مما يستدعي كون الخبر مسنداً بطريقة يصعب كشفها إلا على الحذّاق من أهل الاختصاص البارعين، وإلا بالمقابل لما كان لتنبيهه صلى الله عليه وسلم من ذلك وجه منفعة. فضلاً عن كون ذلك هو حقيقة الكذب؛ إذ هو: إسناد خبر مكذوبٍ للمُخْبَرِ عنه. وهذا لا يستدعي الشكّ بالسنة النبويّة المشرَّفة، وإنما هو مستندُ الباحثين المحققين فيما يُنْسَب إليها، ويُدعى فيها، علماً بأن الصّحيح: أن الأصل في كلِّ خبرٍ عدم صحّته عمن أسند إليه حتى يثبت خلاف ذلك. وأما مدحك لنا بهذه الأبيات النيّرة، فلا نقول لك إلا أننا نسأل الله تعالى أن يُبارك بك وفيك ولك ومنك وعليك، وأن يجعلنا على ما فينا من فقر وتقصير عند حسن ظنِّكم، ويجعل أفعالنا خالصةً له جل جلاله، وأن يحفظنا ممَّا يؤثر في العادة عند من لم يتغمّده الله تعالى بحفظه ورحمته. ولولا أن ( مدح العلماء لعلمهم، وبركة الله تعالى عليهم ) عبادة، وهو من سنّة سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ مُدِحَ ومَدَح، لما ارتضينا ذلك منك، ومع ذلك: فلِما نَرى من المَلَكَة التي أنعم الله تعالى بها عليك، نتمنى عليك الحرص على عمارة أوقاتك في تحصيل العلم والدَّعوة إليه، لا في المندوبات والآداب التي يُشترط عقد القلب عليها دون الإفصاح عنها بالعبارة. وأحذِّرك أن تُسَوِّل لك نفسُك قصدَ غير الله تعالى بمثل هذا الأدب، وإلا حُرمت حقيقة العلم، وحُجبت عن منافع من قصدت. العبد الفقير المقر بالعجز والتقصير أبو طه طارق بن محمد السعدي "اهـ[ الفتاوى النورانية: 1 / 241 ـ 244 ]
|