البدعة
"
وقوله[ ( 1 ) /
تعليق آخر الصفحة
]
بعد ذلك:" ليس في البدع شيء حسن؛ فقد قال
فأقول مستعيناً بالله تعالى: أن الناس في هذه المسألة قسمان: القسم الأول: ( متَّبعون ): وهم متفقون على أن ما له مستند من الشّرع يدل عليه ليس ببدعة ضلالة. ولكنهم اختلفوا: هل يُعتبر محدثاً؟ وهل يُسمّى ( بدعة )؟ فذهب الجمهور إلى اعتباره محدثاً، وسموه بدعة؛ وقالوا أن ( البدعة الضلالة ) المذمومة على لسان الشرع هي: المحدثات التي لا مستند لها فيه، أو كان فيه مستند يمنع منها، فانتهوا: أنّ ( البدعة ) تدور على الأحكام الشرعيّة الخمسة. وهو الصحيح؛ لقول الله تعالى: { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ }[ الأنبياء: 2 ]، { وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ }[ الشعراء: 5 ]، فاعتبر الذِّكْر الآتي محدثاً مع أنه يدعو إلى التوحيد الذي دعت إليه الكتب السابقة، لأنه اختلف عنها في الشريعة التي هي طريقة تحقيق التوحيد، يعني لاختلاف الفرع دون الأصل. يوضّح ذلك: قول الله تعالى: { قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ }[ الأحقاف: 9 ]، رغم أن شريعته مختلفة، ولكن لأنه يدعو إلى نفس الأصل الذي هو التوحيد. وقال الله تعالى: { وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا }[ الحديد: 27 ]، فسمى المُحْدث المستمد من الشرع المستند عليه بدعة.
يوضّح ذلك: قول سيدنا
رسول الله محمد
تنبيه: وأنت إذ علمت أن المُحْدَث الذي يكون من الإسلام: إنما يكون كذلك بوجود مستند له فيه[ ( 2 ) / تعليق آخر الصفحة ] يدل على مشروعيّته؛ فاعلم أن ( المستند ) إما أن يكون عامّا أو خاصّا:
فالمستند العامّ:
هو القواعد المستنبطة المقرّرة في الشّرع. كأصل الإباحة : لِمَا
تقدّم[ (
3 ) /
تعليق آخر الصفحة
]، وجواز إحياء مواسم النِّعَم؛ لإحياء سيدنا رسول الله محمد
ويُسمى المُحْدَث المندرج فيه: ( جزئي )، أو: ( فرعي ). والمستند الخاصّ: هو النصّ على الجِنْس. كالخير والذّكْر، والقتل والإسكار. ويُسمى المُحْدَث المندرج فيه: ( كلّي ). هذا، ولمّا لم يوجد النصّ العَيني على المُحدث الشّرعي، صحّ أن يُعتبر مُحْدثا ويُسمّى بدعة.
يهديك لذلك: قول سيدنا رسول الله محمد
فائدة: ولقد حشا هؤلاء المبتدعة في حديث ( السّنن ) ما حرّف مدلوله، وضيّع معقوله؛ ليَغُرّوا به أذيالهم!! فزعموا: * أن لفظ ( السنة ) في الحديث لغويّ!! وهذا عجيب!! إذ القرآن والسنة لغويان، بمعنى: أنهما نزلا باللغة العربية، واللغة العربية على كل أحوالها تطلِق لفظ ( السنة ) على ما ذكرنا. * أن المقصود: من أحيا سنة حسنة!!
وهذا فضلا عن كونه عجيباً، فإنه قبيح مهلك لقائله؛ لأن سيدنا رسول الله
محمداً
فإن قيل: فهل في الإسلام سنة سيّئة تُنْشَأ؟!! قلنا: قطعاً لا، وإنما أضيفت إلى الإسلام لكون المبتدع يدّعيها فيه، ويستند غالباً على متشابهه كما قال الله تعالى: { وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } يعني: تحريفه. فإن قيل: فما منعك أن تعتبر الإحياء من هذا الوجه؟!! قلنا: لأنّ الإحياء يدلّ على الوجود ويُبنى عليه، بخلاف الإضافة، وليس يوجد في الإسلام شيء سيئ. وكون سبب الحديث صَدَقَة، لا يعني: أحيا، بل يدل على مستند الفعل، كما ستستوضح بعد هذا. * أن هذا الحديث خاص بالصّدقة!!
وهذا فضلا عن كونه عجيباً أيضاً، فإنه يدلّ على جهلهم ويَفضح بعضَ ضلالِهم
وحشوِهم؛ إذ تقرّر في الأصول: أن
( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
)، وعلى ذلك شواهد من القرآن والسنّة لا تُحصى؛ بل إنّ هذا الحديث نفسه
دليل على هذه القاعدة: لأن في إتْبَاعِه
وحديث: { شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة
} ونحوه، إنما
يُراد به: ما يتناوله اسم المحدث والبدعة على التحقيق، وهو: ما ليس له
مستند شرعي، أو كان في الشرع ما يمنع منه.
وهذا التفسير لازم لما علمت مما تقدّم؛ وإلا كان ضرباً للشرع بعضه ببعض،
وتحريفاً له، وكذباً على الله تعالى ورسوله
وإلى ذلك أشار الإمام الشافعي
أحدُهما: ما أحْدِث ممّا يُخالف كتاباً أو سُنّةً أو أثراً أو إجماعاً، فهذه البِدعة الضّلالة. والثّاني: ما أحْدِثَ منَ الخَير لا خلاف فيه لواحد من المَذْكُوْرَات، فهذه مُحدثَةٌ غير مذمومة "اهـ[ أخرجه البيهقيّ في مناقب الإمام رضي الله عنه ].
وفي معناه قول سيدنا عمر
وذهب البعض إلى عدم اعتباره محدثاً، ومنعوا من تسميته بدعة؛ متمسِّكين بألفاظ حديث: { كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة }!! وهو خطأ مردود بما تقدّم، غير أنه يَحْصر الخِلافَ في الاسم دون المُسَمّى، فلا يمسّ جوهرَ المسألة. القسم الثاني: ( مبتدعون ): زعموا أن كل ما لا دليل عينيَّ عليه هو بدعة ضلالة!! وانتصروا لمذهبهم الفاسد هذا: * بتأويل الحديث المتقدم بما يناسب أهواءهم، دون التفات منهم لما عطّلوه من الأدلة المُبَيِّنَة للمراد به. * وبالعبارات التي أطلقها أصحاب الرأي الثاني من القسم الأوّل، إيهاماً للناس بأن هؤلاء على رأيهم، ومبالغةً في الإفك. والعياذ بالله تعالى. وهذا المذهب باطل مردود بما تقدّم _ وهو كافٍ _ وغيرِه مما توسعنا به في كتابنا ( فتح المعين )[ ( 4 ) / تعليق آخر الصفحة ].
ومِن مفاسده
_
فضلاً عن تغيير دين الله تعالى وتحريفه
والكذب على الله تعالى ورسوله
تضليل الصحابة ومن بعدهم، ودعوى قلة الورع والفهم عندهم!!
فأما الأول: فلأن فضلاء الصحابة وعلمائهم
وأما الثاني: فلأن الصحابة
بل
إن ما أحدثه الصحابة
إما القدح
بسيدنا رسول الله محمد
أو اعتبار ذلك دليلاً على مذهبنا، وهو الصّحيح.
وقولهم:
ولكن النبي
ولو نظرت في حديث أبي بكرة
فإن علمت هذا، فقد استيقنت ما ذكرته لك: من كون المدّعي أورد ما قدم به دعواه وختمها للتهويل والتستّر، ليتسنى له ترويج بدعته وبدعة آبائه الأولين من سلف هذه الأمة الطالح، الذين _ للأسف _ أغروا بعضَ العلماء وغَبنوهم، فسكت البعضُ عنهم، وسارعَ آخرون لتأييدهم فيما ظنوه عِلماً من بدع هؤلاء، والعياذ بالله تعالى. "انتهى [ شفاء الأحزان: 15 - 24 ] ***************( تعليق العاملين على الصفحة )*************** (1)- يعني: المُدَّعي، وهو أحد أشياخ المبتدعة - هداهم الله -. (2)- يعني: في الإسلام. (3)- يعني ابتداءً: في الدليل الأول الذي ذكره - حفظه الله - لبيان حكم إحياء المولد النبوي الشريف، وقد جاء فيه:
" عدم وجود دليل على التحريم، والأصل الإباحة إن لم يدل الدليل
على غيرها؛ كما أخبر سيدنا رسول الله محمد
وذلك جميعاً تأويل قول الله تعالى: { وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }، إذ لم يَقُل سبحانه: ( وما سكت عنه أو تركه مما له مستند من الشّرع يدل عليه ). "انتهى (4)- يعني: كتاب: ( فتح المُعِيْن، بحكم السّنة والبدعة في الدِّين )، وهو لا يزال مخطوطاً، وإنما أحال الشيخ - حفظه الله - إليه لكون ما ذكره هنا كاف، فالإحالة للاستزادة. --------------------- ملاحظة: نظراً لأهمية موضوع هذا البحث، نشير إلى وجود مسائل في مكتبتنا متعلقة به، وهي: فتوى " قيد كل بدعة ضلالة "، فتوى " الأقوال وحكم البدع "، فتوى " كلمة جامعة في البدع "، وبحث " عدم الفعل ".
|