البدعة

في كتاب ( شفاء الأحزان ) خلال ردِّه على المبتدعة الذين تقوَّلوا على الشرع في ( حكم البِدَع )، وصاروا إلى تحريم مطلوبات ومباحات كثيرة منها: الاحتفال بالمولد النبوي الشريف؛ لتوهمهم أنه بدعة!! مع العلم أنه - رضي الله عنه - قد بيَّن في نفس الكتاب أدلة ونقولاً صريحة في طلب الاحتفال وعمله، قال - نفع الله به - مبيناً ( حكم البِدَع ):

" وقوله[ ( 1 ) / تعليق آخر الصفحة ] بعد ذلك:" ليس في البدع شيء حسن؛ فقد قال : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) "اهـ، قد أوجب علينا الشروع في بيان هذه المسألة التي كررها مراراً بالتصريح والتلميح، سيّما وهي الركن الأعظم الذي يرجع إليه المدعي وأهلُ نحلته عندما لا يناسب الأمر أهواءهم.

فأقول مستعيناً بالله تعالى: أن الناس في هذه المسألة قسمان:

القسم الأول: ( متَّبعون ): وهم متفقون على أن ما له مستند من الشّرع يدل عليه ليس ببدعة ضلالة. ولكنهم اختلفوا: هل يُعتبر محدثاً؟ وهل يُسمّى ( بدعة )؟

فذهب الجمهور إلى اعتباره محدثاً، وسموه بدعة؛ وقالوا أن ( البدعة الضلالة ) المذمومة على لسان الشرع هي: المحدثات التي لا مستند لها فيه، أو كان فيه مستند يمنع منها، فانتهوا: أنّ ( البدعة ) تدور على الأحكام الشرعيّة  الخمسة. وهو الصحيح؛ لقول الله تعالى: { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ }[ الأنبياء: 2 ]، { وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ }[ الشعراء: 5 ]، فاعتبر الذِّكْر الآتي محدثاً مع أنه يدعو إلى التوحيد الذي دعت إليه الكتب السابقة، لأنه اختلف عنها في الشريعة التي هي طريقة تحقيق التوحيد، يعني لاختلاف الفرع دون الأصل.

يوضّح ذلك: قول الله تعالى: { قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ }[ الأحقاف: 9 ]، رغم أن شريعته مختلفة، ولكن لأنه يدعو إلى نفس الأصل الذي هو التوحيد.

وقال الله تعالى: { وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا }[ الحديد: 27 ]، فسمى المُحْدث المستمد من الشرع المستند عليه بدعة.

يوضّح ذلك: قول سيدنا رسول الله محمد في حديث ( الرّدّ ):" مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "، لأنه يُعْلِم بقَبول المُحْدَث الذي هو من الإسلام، لأنك إن قلت لشخص: إن أحضرت معك ما لا أحب فلن أدخلك داري، فإنه إن أحضر معه ما تحب لم يكن لك أن تلومه وتمنعه من الدخول.

تنبيه: وأنت إذ علمت أن المُحْدَث الذي يكون من الإسلام: إنما يكون كذلك بوجود مستند له فيه[ ( 2 ) / تعليق آخر الصفحة ] يدل على مشروعيّته؛ فاعلم أن ( المستند ) إما أن يكون عامّا أو خاصّا:

 

فالمستند العامّ: هو القواعد المستنبطة المقرّرة في الشّرع. كأصل الإباحة : لِمَا تقدّم[ ( 3 ) / تعليق آخر الصفحة ]، وجواز إحياء مواسم النِّعَم؛ لإحياء سيدنا رسول الله محمد بعضها وعدم نهيه عن غيره .. الخ.

ويُسمى المُحْدَث المندرج فيه: ( جزئي )، أو: ( فرعي ).

والمستند الخاصّ: هو النصّ على الجِنْس. كالخير والذّكْر، والقتل والإسكار.

ويُسمى المُحْدَث المندرج فيه: ( كلّي ).

هذا، ولمّا لم يوجد النصّ العَيني على المُحدث الشّرعي، صحّ أن يُعتبر مُحْدثا ويُسمّى بدعة.

يهديك لذلك: قول سيدنا رسول الله محمد في حديث ( السنن ) الصحيح: { من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده لا ينقص من أجورهم شيء }، والسنة هي: البدعة ( الكليّة أو الجزئيّة ) المُتَّبَعَة، كما أخبر سيدنا رسول الله محمد في قوله: { ما من نفس تموت إلا وعلى ابن آدم الأول كفل منها لأنه أول من سنّ القتل }[ أخرجه مسلم وغيره ].

فائدة: ولقد حشا هؤلاء المبتدعة في حديث ( السّنن ) ما حرّف مدلوله، وضيّع معقوله؛ ليَغُرّوا به أذيالهم!! فزعموا:

*   أن لفظ ( السنة ) في الحديث لغويّ!!

وهذا عجيب!! إذ القرآن والسنة لغويان، بمعنى: أنهما نزلا باللغة العربية، واللغة العربية على كل أحوالها تطلِق لفظ ( السنة ) على ما ذكرنا.

*   أن المقصود: من أحيا سنة حسنة!!

وهذا فضلا عن كونه عجيباً، فإنه قبيح مهلك لقائله؛ لأن سيدنا رسول الله محمداً قال: { في الإسلام }، وتمام الحديث: { ومن سنّ في الإسلام سنّة سيّئة .. }، فهل في الإسلام سيّئ يُحيى؟!!

فإن قيل: فهل في الإسلام سنة سيّئة تُنْشَأ؟!!

قلنا: قطعاً لا، وإنما أضيفت إلى الإسلام لكون المبتدع يدّعيها فيه، ويستند غالباً على متشابهه كما قال الله تعالى: { وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } يعني: تحريفه.

فإن قيل: فما منعك أن تعتبر الإحياء من هذا الوجه؟!!

قلنا: لأنّ الإحياء يدلّ على الوجود ويُبنى عليه، بخلاف الإضافة، وليس يوجد في الإسلام شيء سيئ.

وكون سبب الحديث صَدَقَة، لا يعني: أحيا، بل يدل على مستند الفعل، كما ستستوضح بعد هذا.

*   أن هذا الحديث خاص بالصّدقة!!

وهذا فضلا عن كونه عجيباً أيضاً، فإنه يدلّ على جهلهم ويَفضح بعضَ ضلالِهم وحشوِهم؛ إذ تقرّر في الأصول: أن ( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب )، وعلى ذلك شواهد من القرآن والسنّة لا تُحصى؛ بل إنّ هذا الحديث نفسه دليل على هذه القاعدة: لأن في إتْبَاعِه ( السنة الحسنة ) بـ ( السنة السيئة ) خروجٌ عن سبب الحديث، فدلّ على أنه قاعدة عامّة. فتنبه

وحديث: { شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة } ونحوه، إنما يُراد به: ما يتناوله اسم المحدث والبدعة على التحقيق، وهو: ما ليس له مستند شرعي، أو كان في الشرع ما يمنع منه. وهذا التفسير لازم لما علمت مما تقدّم؛ وإلا كان ضرباً للشرع بعضه ببعض، وتحريفاً له، وكذباً على الله تعالى ورسوله ، وذلك مما نُهِيَ عنه بما أورَد المُدّعي نفسه من النصوص، وبقول سيدنا رسول الله محمد : { إنما هلك مَنْ كان قبلكم بهذا: ضربوا كتاب الله بعضَه ببعض وإنما نزل كتابُ الله عز وجل يُصَدّق بعضه بعضاً، فلا تكذّبوا بعضه ببعض، فما علمتم فقولوه، وما جهلتم فَكِلوه إلى عالِمِه }[أخرجه عبد الرّزّاق وأحمد وابنُ ماجة وغيرهم، وهو صحيح].

وإلى ذلك أشار الإمام الشافعي بقوله:" المُحْدثات من الأمور ضربان:

أحدُهما: ما أحْدِث ممّا يُخالف كتاباً أو سُنّةً أو أثراً أو إجماعاً، فهذه البِدعة الضّلالة.

والثّاني: ما أحْدِثَ منَ الخَير لا خلاف فيه لواحد من المَذْكُوْرَات، فهذه مُحدثَةٌ غير مذمومة "اهـ[ أخرجه البيهقيّ في مناقب الإمام رضي الله عنه ].

وفي معناه قول سيدنا عمر :" نِعمت البِدعة "اهـ، وابنه :" ونِعمَ البِدعة هي "اهـ.

وذهب البعض إلى عدم اعتباره محدثاً، ومنعوا من تسميته بدعة؛ متمسِّكين بألفاظ حديث: { كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة }!! وهو خطأ مردود بما تقدّم، غير أنه يَحْصر الخِلافَ في الاسم دون المُسَمّى، فلا يمسّ جوهرَ المسألة.

القسم الثاني: ( مبتدعون ): زعموا أن كل ما لا دليل عينيَّ عليه هو بدعة ضلالة!! وانتصروا لمذهبهم الفاسد هذا:

*  بتأويل الحديث المتقدم بما يناسب أهواءهم، دون التفات منهم لما عطّلوه من الأدلة المُبَيِّنَة للمراد به.

*  وبالعبارات التي أطلقها أصحاب الرأي الثاني من القسم الأوّل، إيهاماً للناس بأن هؤلاء على رأيهم، ومبالغةً في الإفك. والعياذ بالله تعالى.

وهذا المذهب باطل مردود بما تقدّم _ وهو كافٍ _ وغيرِه مما توسعنا به في كتابنا ( فتح المعين )[ ( 4 ) / تعليق آخر الصفحة ].

ومِن مفاسده _ فضلاً عن تغيير دين الله تعالى وتحريفه والكذب على الله تعالى ورسوله .. الخ _:

تضليل الصحابة ومن بعدهم، ودعوى قلة الورع والفهم عندهم!!

فأما الأول: فلأن فضلاء الصحابة وعلمائهم ومن بعدهم أحدثوا أموراً بعد وفاة سيدنا رسول الله محمد ليس لها أعيانٌ في الشرع، ولو في اعتقادهم. كالأذان الأول للجمعة.

وأما الثاني: فلأن الصحابة سمعوا ما يتمسك به هؤلاء المبتدعة، ثم أحدثوا ما أحدثوا.

بل إن ما أحدثه الصحابة زمن حياة سيدنا رسول الله محمد الدنيويّة وأقرّهم عليه، يُلْزِم هؤلاء العنجهيّين بأحد أمرين:

إما القدح بسيدنا رسول الله محمد _ وقد فعلوا في غير هذا بالتنقيص من قدره وإنكار فضله، والعياذ بالله تعالى _ إذ أقرّ أصحابه على ما أحدثوه.

أو اعتبار ذلك دليلاً على مذهبنا، وهو الصّحيح.

وقولهم: ولكن النبي أقرّهم عليه فصار من سنّته!! قول ساقط لا اعتبار له عند من فاز بحظٍّ من العلم فضلاً عمّن كان من أهل الاستنباط والذّكْر: لأنّ الحكم على الشيء حكم على جنسه، إلا إنْ دل الدّليل على خلافه. ولم يَرِدْ فيما ورد من ذلك دليل على التخصيص والتقييد، فكان الحكم مطلقاً مُسْتَغْرقاً لأصل تلك الأفعال: وهو جواز إحداث ما له مستند من الشرع ولا يتعارض مع مانع. وذلك ما نصّ عليه أهل الاستنباط والفقه المعوّل عليهم.

ولو نظرت في حديث أبي بكرة _ ( الذي دخل في الصلاة دون الصف ثم سعى إليه ليدرك الرّكعة ) _، وتَمَعّنْتَ إقرارَ سيدنا رسول الله محمد له على حرص الإدراك والمتابعة دون السعي في الصلاة؛ لِمَانعِ عدم صلاح شيء من العادات فيها وغيره، لَتَجَلَّى لك هذا الأمرُ.

فإن علمت هذا، فقد استيقنت ما ذكرته لك: من كون المدّعي أورد ما قدم به دعواه وختمها للتهويل والتستّر، ليتسنى له ترويج بدعته وبدعة آبائه الأولين من سلف هذه الأمة الطالح، الذين _ للأسف _ أغروا بعضَ العلماء وغَبنوهم، فسكت البعضُ عنهم، وسارعَ آخرون لتأييدهم فيما ظنوه عِلماً من بدع هؤلاء، والعياذ بالله تعالى. "انتهى

[ شفاء الأحزان: 15 - 24 ]

***************( تعليق العاملين على الصفحة )***************

(1)- يعني: المُدَّعي، وهو أحد أشياخ المبتدعة - هداهم الله -.

(2)- يعني: في الإسلام.

(3)- يعني ابتداءً: في الدليل الأول الذي ذكره - حفظه الله - لبيان حكم إحياء المولد النبوي الشريف، وقد جاء فيه:

" عدم وجود دليل على التحريم، والأصل الإباحة إن لم يدل الدليل على غيرها؛ كما أخبر سيدنا رسول الله محمد في قوله: { ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عَفْو فاقبلوا من الله عافيته؛ فإن الله لم يكن لينسى شيئاً { وما كان ربك نسيّا } }[ أخرجه البزار والحاكم وغيرهما، وهو صحيح ]، والمقصود بقوله ( أحل ): أوجب، كما هو ظاهر، وقوله: { إن الله فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها }[ أخرجه الدارقطني وغيره ]، وقوله: { ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه }.

وذلك جميعاً تأويل قول الله تعالى: { وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }، إذ لم يَقُل سبحانه: ( وما سكت عنه أو تركه مما له مستند من الشّرع يدل عليه ).  "انتهى

(4)- يعني: كتاب: ( فتح المُعِيْن، بحكم السّنة والبدعة في الدِّين )، وهو لا يزال مخطوطاً، وإنما أحال الشيخ - حفظه الله - إليه لكون ما ذكره هنا كاف، فالإحالة للاستزادة.

---------------------

ملاحظة: نظراً لأهمية موضوع هذا البحث، نشير إلى وجود مسائل في مكتبتنا متعلقة به، وهي: فتوى " قيد كل بدعة ضلالة "، فتوى " الأقوال وحكم البدع "، فتوى " كلمة جامعة في البدع "، وبحث " عدم الفعل ".