|
[ حد خبر الآحاد وحكمه ] حديث الآحاد ( وهو: الصحيح الذي لم ينته إلى التواتر ): يفيد العمل دون العلم، فيُؤخذ به .. في الفروع الفقهيّة، دون العقائد؛ وذلك لأسباب، أهمها: [1] أن " خبر الآحاد " يُفيد الظن؛ لاحتمال وهْمِ الرواة وخطأهم ونسيانهم .. الخ. والعقيدة إنما سميت كذلك لابتنائها على الثّوابت التي لا تحتمل الخطأ وما في معناه، خلافاً للفقه الذي بيّن الشارعُ صحة بناءه على الظّنّ، وذلك لا يخفى على من راجع مسائله. [2] أن الشارع بيّن ظنيّته؛ فلم يقبل سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم نحو خبر " ذي اليدين " في فرع فقهيّ ظنّ خلافه، فسأل الصحابة عن صِدقه، فكيف يُقبل فيما لا يبتني إلا على الثوابت؟! [3] أن الأمّة من صدرها الأول لم تعتبره قطعياً مفيداً للعلم، فردوا أخباراً متّصلة صحيحة السند لمخالفتها نصاً قطعياً في ثبوته ربما يكون ظنياً في دلالته. ولا يُقال: لولا قطعية النصّ الرَّادّ لقُبِل؟! لأن العبرة: في ظهور العلة في نفس الخبر المردود، ووهم .. الخ رواته؛ إذ من المحال أن يكون ثابتاً على ما فيه من عيب. ومن ثم، لم يُقبل في العقيدة، التي يستحيل كون شيء منها ثابتاً بالآحاد وهي فرض على كل مسلم. [ حجة المخالفين والرد عليها ] وأما ما يستدل به المخالفون: من دعوى خروج بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم آحاداً لدعوة القبائل!! فلا حجّة لهم فيه؛ لأنه فَضْلاً عن كون إثباته بهذا المعنى بعيد المنال، فقد ثبت في السيرة انتشار خبر الدعوة بين القبائل، وإسلام فِرَقٍ منهم قبل إرسال بعوث الصحابة للدعوة، والتي كانت لتعليم الناس حقّ التوحيد. وقولنا بأن إثبات ذلك على وجه دعوى المخالفين بعيد المنال: إنما هو لكون مخاطبة أمير البعث أو بعض أفراده لا يدل قطعاً على كون البعث مقتصراً عليه، فضلاً عن ثبوت أو اشتهار أخبار تبيّن اشتمال البعوث على جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وفضلاً عن حياة المُخْبَر عنه؛ ما يُعتبر بينة بذاته على قبول خبر المُخْبِر. [ تتمة لما تقدم ] ومن ثمّ: قال الإمام الحافظ الخطيب البغدادي في " الكفاية " في حدّه:" وأما خبر الآحاد، فهو: ما قصر عن صفة التواتر، ولم يُقطع به العِلمُ وإن روته الجماعة "اهـ
ثم قال:"
وتعلقهم في ذلك بقوله عز وجل:
وأما
التعلّق في " أن خبر الواحد يوجب العلمَ؛ فإن الله تعالى لما أوجب
العمل به وجب العلم بصدقه وصحته، لقوله تعالى:
وقد ثبت إيجابُه تعالى علينا العمل بخبر الواحد، وتحريمُ القطع على أنه صدق أو كذب. فالحكم به معلوم من أمر الدين وشهادة بما يُعلم ويُقطع به. ولو كان ما تعلقوا به من ذلك دليلاً على صدق خبر الواحد: لدلّ على صدق الشاهدين، أو صدق يمين الطالب للحق!! وأوجب القطع بأيمان الإمام والقاضي والمفتي، إذ ألزمنا المصير إلى أحكامهم وفتواهم؛ لأنه لا يجوز القول في الدين بغير علم!! وهذا عجزٌ ممن تعلق به، فبطل ما قالوه "اهـ [ ضوابط رد خبر الآحاد ] ثم ذكر ضوابطَ ردّه فيما في ( الفقيه والمتفقه )، فقال:" إذا روى الثقة المأمون خبراً متصل الإسناد رُدّ بأمور: أحدها: أن يُخالف موجبات العقول، فيُعلم بُطلانه؛ لأن الشرع إنما يرِدُ بموجوّزات العقول، وأما بخلاف العقول فلا. والثاني: أن يُخالف نصّ الكتاب أو السنّة المتواترة، فيُعلمُ أنه لا أصل له، أو منسوخ. والثالث: يُخالف الإجماع، فيُستدلّ على أنه منسوخ أو لا أصل له .. والرابع: أن ينفرد الواحدُ برواية ما يجب على كافّة الخلق علمه، فيدلّ على أنه لا أصل له؛ لأنه لا يجوز أن يكون له أصلٌ وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم. الخامس: أن ينفرد برواية ما جرت العادة بأن ينقله أهل التواتر، فلا يُقبل؛ لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرّواية "اهـ وهذا الذي قاله رحمه الله تعالى، هو قول الأصوليين والفقهاء والحفَّاظ والمحدّثين من المتقدّمين والمتأخّرين، إلا من شذّ مخالفاً وقائعَ العقل والنقل. وقال مجدّد القرن الخامس الإمام أبو حامد الغزالي رضي الله تعالى عنه في المستصفى:" خبر الواحد لا يفيد العلم، وهو معلوم بالضرورة؛ فإنا لا نصدق بكل ما نسمع، ولو صدقنا وقدَّرْنا تعارض خبرين فكيف نصدق بالضدين؟! وما حكي عن [ بعض ] المحدثين:" من أن ذلك يوجب العلم "!! فلعلهم أرادوا: أنه يفيد العلم بوجوب العمل، إذ يسمى الظن علماً. ولهذا قال بعضهم:" يورث العلم الظاهر "، والعلم ليس له ظاهر وباطن، وإنما هو الظن."اهـ وما بين المعقوفتين [ ] من زيادتي للتوضيح. فأكّد ما تقدّم، وبيّن مراد من قال من المحدّثين بإيجاب خبر الآحاد العلم. جزاه الله تعالى خيراً. وهذا التأويل الذي قاله لازم لمن أراد أن يثبت عبارتهم في دواوين العلم، وإلا كانوا مخطئين، مردود عليهم مذهبُهم. [ خلاصة المسألة ] فإن علمت هذا، فاعلم أن خلاصة هذه المسألة: قول الإمام الحافظ الخطيب في " الكفاية ":" خبرُ الواحد لا يُقبَلُ في شيء من أبواب الدّين المأخوذ على المكلفين العِلم بها والقطع عليها. والعلةُ في ذلك: أنه إذا لم يُعلم أنّ الخبر قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان أبعدَ من العلم بمضمونه. فأما ما عدا ذلك من الأحكام التي لم يوجب علينا العلم بأن النبي صلى الله عليه وآله سلم قرّرها وأخبر عن الله عزّ وجلّ بها: فإن خبر الواحد فيها مقبولٌ، والعمل به واجب، ويكون ما ورد فيه شرعاً لسائر المكلفين أن يعمل به. وذلك نحو ما ورد من الحدود والكفارات وهلال رمضان وشوال وأحكام الطلاق والعتاق والحج والزكاة والمواريث والبياعات والطهارة والصلاة وتحريم المحظورات. ولا يُقبل خبر الواحد في منافاة حكم العقل، وحكم القرآن الثابت المحكم، والسنة المعلومة، والفعل الجاري مجرى السنة، وكل دليل مقطوع به. وإنما يُقبل به فيما لا يُقطع به: مما يجوز ورود التّعبّد به، كالأحكام التي تقدّم ذكرنا لها وما أشبهها مما لم نذكره "اهـ [ تعلق الحكم بأنواع خبر الآحاد، ووجه التفريق بينها ] وهذا يشمل خبر الآحاد بأنواعه، علماً بأن الأصوليين يتعرّضون له بالجملة، وأما الفقهاء فرغم عملهم به غريباً فضلاً عن العزيز والمشهور، غير أنهم يعتبرون تلك الأقسام عند التعارض والترجيح كما بينت في كتاب " الأصول الفقهيّة ". وعلى ذلك: فخبر الآحاد جملة يصلح لإثبات الأعمال دون الأصول العقديَّة وما يُخالف مُحْكَمَاتها ..
إنما قال من قال:
ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين باللون الأزرق [ -- ]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف.
|