عدم الفعل

في كتاب ( شفاء الأحزان ) خلال ردِّه على المبتدعة الذين استدلوا بـ( عدم الفعل ) على التحريم، وصاروا إلى تحريم مطلوبات ومباحات كثيرة منها: الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، مع العلم أنه - رضي الله عنه - قد بيَّن في نفس الكتاب أدلة ونقولاً صريحة في طلب الاحتفال وعمله، قال - نفع الله به - مبيناً ( حكم عدم الفعل ):

" وأما عدم فعل سيدنا رسول الله محمد والسلف الصّالح لِعَيْنِ ذلك!! فإنه ليس دليلا على التحريم إلا عند من جهل الأدلّة وطرق الاستدلال بها، أمثال هؤلاء المتفيقهين الزائغين، ومن زلت قدمه من علماء المسلمين. فقد قال الإمام الشافعي ـ وهو أحد أعيان السلف من تابعي التابعين في القرون الأولى الفاضلة ـ:" كل ما له مستند من الشرع فليس ببدعة ولو لم يعمل به السّلف "اهـ وذلك: أن ( عدم الفعل ) على ثلاثة أقسام:

1.    ( الانتهاء )، وهو: عدم الفعل لـوجـود النّهي.

2.    ( التـرك )، وهو: عدم الفعل مع وجود الطلب.

3.    ( السكوت )، وهو: عدم الفعل للعفـو والإباحة.

ودليل هذا التقسيم: ما تقدّم في الدّليل الأوّل [ ( 1 ) / تعليق آخر الصفحة ]، مع ما ثبت في السنن من ترك سيدنا رسول الله محمد بعضَ ما طلبه من أمّته وشرع له فعله؛ وتَرْك الأمة لبعض ما طلبه أو فعله هو مما لم يفرضه عليها. وقد ذكرنا ذلك مفصّلا في كتابنا ( فتح المعين )[ ( 2 ) / تعليق آخر الصفحة ] ولله تعالى الحمد.

والذي يدل على التحريم منه: هو القسم الأول إن كان النهي للتحريم وإلا كان مكروها؛ يهديك لذلك أمثلةٌ كثيرة أوردناها في كتابنا ( فتح المعين )، منها: قول جابر بن زيد:" سألت البحر - وكان يُسمِّي سيدنا بن عباس البحر - عن لحوم الحُمُر؟ فقرأ هذه الآية: { قل لا أجد فيما أوحي إليّ مُحرّما على طاعم يطعمه .. } الآية "اهـ، وسيدنا ابن عباس وجابر بن زيد هما مَنْ هما من علماء السّلف الصّالح .

[ تنبيه: ] وكون لحوم الحمر حرام لثبوت حديث فيها فليس يضعف استدلالنا، بل يُقَوّيه؛ إذ لمّا لم يَسمعا بالتحريم حملاه على مطلق الأدلة التي تفيد ما تقدّم من كون المسكوت عنه ولو مع وجود المقتضي ليس حراما. فتنبه لهذا فإنه مهم جداً.

وقد ثبت أن عدم فعلهم[ ( 3 ) / تعليق آخر الصفحة ] لم يكن لوجود النهي، فلم يكن حجة على التحريم. بل لمّا ثبت مشروعية ذلك وسنيّته ـ كما علمت[ ( 4 ) / تعليق آخر الصفحة ] ـ لم يبق للاستدلال بعدم الفعل باقية.

فائدة: قال الإمام الحافظ أبو الفضل الغُمَاري:" قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا سلام بن أبي مطيع عن ابن أبي دخيلة عن أبيه قال:" كنت عند ابن عمر [ رضي الله عنهما ] فقال: {  نهى رسول الله عن الزّبيب والتّمر }، يعني: أن يُخْلَطا.

فقال لي رجلٌ من خلفي: ما قال؟

فقلت: ( حرّم رسول الله التمر والزّبيب ).

فقال عبد الله ابن عمر [ ]:" كذبت ".

فقلت: ألم تقل: نهى رسول الله عنه ؟! فهو حرام.

فقال:" أنت تشهد بذلك "؟!!

قال سلام: كأنه يقول: ما نهى النبيّ فهو أدب. "اهـ

قلت [ يعني: الغُمَاري ]: أنظر إلى ابن عمر ـ وهو من فقهاء الصّحابة ـ كذَّبَ الذي فسّر ( نَهى ) بلفظ ( حَرّم ). وإن كان ( النهيُ ) يُفيد ( التحريم )، لكن ليس صريحاً فيه، بل يفيد ( الكراهة ) أيضاً، وهي المراد بقول سلام: ( فهو أدب ) [ إذ مصطلح الأحكام الخمسة وغيرها لم يكن مقررا متداولا بعد. فتتوقف دلالة ( النهي ) على التحريم أو الكراهة على القرائن المحتفّة به ].

ومعنى كلام ابن عمر [ ]: أن المسلم لا يجوز له أن يتجرّأ على الحُكم بالتحريم إلا بدليل صريح من الكتاب والسنّة [ يعني: قطعي، لا يدخله الشّك والاحتمال لذاته أو بغيره ]، وعلى هذا دَرَج الصّحابة والتّابعون والأئمّة.

قال إبراهيم النّخعي ـ وهو تابعي ـ: ( كانوا يكرهون أشياء لا يُحرّمونها )، [ بل في السنّة: أن سيدنا رسول الله محمداً : كان يدع الفعل وهو أحب إليه؛ خشية أن يُفرض على الناس. كما في الصحيحين وغيرهما ].

وكذلك كان مالك والشافعي وأحمد، كانوا يتوقون إطلاق لفظ ( الحرام ) على ما لم يُتَيَقّن تحريمه لنوع شبهة فيه، أو اختلاف، أو نحو ذلك، [ فضلا عما جاء التصريح والدليل على إباحته أو ندبه ]؛ بل كان أحدُهم يقول: ( أكره كذا )، لا يزيد على ذلك. ويقول الإمام الشافعي تارة:" أخشى أن يكون حراما "، ولا يَجزم بالتحريم؛ يخاف أحدهم إذا جزم بالتحريم أن يشمله قول الله تعالى: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب }.

فما لهؤلاء المتزمّتين اليوم يجزمون بتحريم أشياء مع المبالغة في ذمّها بلا دليل إلا دعواهم أنّ النبي لم يفعلها، وهذا لا يُفيد تحريما ولا كراهة، فهم داخلون في عموم الآية المذكورة..

ولا يُقال: إباحة هذه الأشياء ونحوها داخلة في عموم الآية، لأنا نقول: ما لم يرد نهي عنه يُفيد تحريمه أو كراهته، فالأصل فيه الإباحة، لقول النبي : { وما سكت عنه فهو عفو "، أي: مباح "اهـ[ حسن التفهّم ] وما بين المعقوفتين [ ] من زيادتي.

فإن قيل: فما الحكمة إذا من إدخال الحكم بالإباحة في جملة الذّم المذكور؟

قلنا: لأن عدم وجود النهي شرط للإباحة، فلا يصح أن يسارع الناس إلى الإباحة قبل التحقّق من دليلها: بعدم وجود النهي أو تعيين الإباحة. فمن بادر قبل ذلك فقد استحق الذّم.

فانظر حبيبي من خلال هذه الفائدة إلى فظاعة جريمة المدّعي[ ( 5 ) / تعليق آخر الصفحة ] وبشاعتها.

وأزيدك: من خلال تأمّلك قول سيدنا رسول الله محمد :{ أعظم المسلمين في المسلمين جرماً: مَن سأل عن شيءٍ لم يُحَرَّمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ }[ متفق عليه ]، فكيف بمن حرّم على المسلمين ما أُحِلّ لهم فضلا عما نُدِب؟!!

فليته إذ أنطقه الله تعالى بضرورة الاتباع دون الابتداع، والرّد إلى الكتاب والسّنّة عند النّزاع، وعدم الإقدام على الأمر قبل معرفة الحكم، عمل بذلك، ولكنه أبى إلا أن يتبع سنّة أسلافه: الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هو من عند الله؛ ليشتروا به ثمناً قليلاً مِن السّمْعَة فما فوقها!! فله وأهل نحلته من الله تعالى ما يستحقّون.

هذا، وإن مذهب هؤلاء المبتدعة في هذا الوجه سيّما ما كان مقتضاه موجوداً زمن التّشريع، يلزم منه ردّ كلّ ما لم يَرِدْ على لسان الشّارع نفسه مطلقاً، سواءٌ أكان مِن فِعل الأوّلين أو الآخرين، وذلك: أن التشريع اكتمل، فما جاز للأولين فعله جاز للآخرين؛ وتجويز إحداث فعل في وجه من الوجوه تجويز في الكل بِلا دليل على التّخصيص.

فيترتّب على مذهب هؤلاء إذاً: عدم قَبُول شيء من تأويل النّصوص ـ ( يعني: بيان مراد الشارع بها معنى أو حكماً ) ـ من أحد لم يَرْفَع ذلك لسيّدنا رسول الله محمد !! وذلك لم يَقُل به أحدٌ، لِما لا يخفى مما يلزم منه من الجمود والجهالة، إذ لم يؤول الشّارع كل خطابه، لاكتفائه بما قرّر من أصول.

ويتبيّن بما ذكرنا: فساد الاستدلال بفعل السّلف سيّما فيما خالف حكماً ثابتاً لم يبلغهم على الأرجح. وهو ما يُستفاد من عدم اعتبار الأصوليون له دليلا شرعياً.

تنبيه: وعلى ما تقدّم فإن ما أذاعه المدّعي من التهويلات في هذا الشأن، نحو قوله:" وأشد الناس تعظيما للنبي هم الصّحابة .. ومع هذا التعظيم ما جعلوا يوم مولده عيداً واحتفالاً، ولو كان ذلك مشروعاً ما تركوه "، وقوله:" ويُقال أيضاً: لماذا تأخّر القيام بهذا الشكر .. فلم يقم به أفضل القرون من الصّحابة والتابعين وأتباع التابعين، وهم أشدّ محبة للنبي وأحرص على فعل الخير والقيام بالشّكر؟ فهل كان مَن أحدث بدعة المولد أهدى منهم وأعظم شكرا لله ؟ حاشا وكلا "اهـ .. الخ: نفخٌ في غير ضَرم، واسْتِسْمَانٌ لذي ورم، لا يُسمن ولا يُغني من جوع. فتنبّه

ومع ذلك: فإنه يقرّر بهذا أن زيادة المفضول على الفاضل ممنوعة، بل بهذا اعتبر أنها تعني أفضلية المفضول على الفاضل!! وهذا جهل مركب قد نادى به على نفسه؛ إذ لا يخفى على أحدٍ ما ورد في الشرع من قصص عن مفضولين أنجزوا ما لم ينجزه الفاضلون وزادوا عليهم، وفي الخبر الصحيح عن سيدنا عبد الله بن مسعود أنه قال:" أنتم أكثر صلاة، وأكثر صياماً، وأكثر جهاداً من أصحاب محمدٍ ، وهم كانوا خيراً منكم "اهـ

ثم، إن بالغ عنجهيّ فسأل عن سبب عدم فعل السابقين لذلك!!

قلنا له ـ مع أن ذلك مما لا يعنينا بعد ثبوت مشروعيّته والبحث عليه، وما علمت من كون فعلهم لا يُثبت الحكم ـ: كان بين أيديهم واجبات أذهلتهم عن مثل هذه المندوبات المتوقفة على النظر والاستنباط، إذ كان الهمّ حينئذ جمع الشريعة من الكتاب والسنّة.

ومع ذلك فلا يشك عاقل بصيام السلف الصالح ليوم الاثنين الذي بيّن سيدنا رسول الله محمد سببه[ ( 6 ) / تعليق آخر الصفحة ]. بل ربّما بناء على هذا لم يخطر ببالهم ـ فيما عَلِمْنَا ـ الموسم السّنوي. وهذا أقوى من الذي قبله، والله تعالى أعلم "انتهى

[ شفاء الأحزان: 25 - 33 ]

***************( تعليق العاملين على الصفحة )***************

(1)- يعني الدليل الأول الذي ذكره - حفظه الله - على بيان حكم إحياء المولد النبوي الشريف، وقد جاء فيه:" عدم وجود دليل على التحريم، والأصل الإباحة إن لم يدل الدليل على غيرها؛ كما أخبر سيدنا رسول الله محمد في قوله: { ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عَفْو فاقبلوا من الله عافيته؛ فإن الله لم يكن لينسى شيئاً { وما كان ربك نسيّا } }[أخرجه البزار والحاكم وغيرهما، وهو صحيح]، والمقصود بقوله ( أحل ): أوجب، كما هو ظاهر، وقوله: { إن الله فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها }[أخرجه الدارقطني وغيره]، وقوله: { ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه }.

وذلك جميعاً تأويل قول الله تعالى: { وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }، إذ لم يَقُل سبحانه: ( وما سكت عنه أو تركه مما له مستند من الشّرع يدل عليه ). "انتهى

(2)- يعني: كتاب: ( فتح المُعِيْن، بحكم السّنة والبدعة في الدِّين )، وهو لا يزال مخطوطاً، وإنما أحال الشيخ حفظه الله إليه لكون ما ذكره هنا كاف، فالإحالة للاستزادة.

(3)- يعني: عدم فعل السلف الأولين ما يُفعل اليوم في إحياء المولد النبوي الشريف.

(4)- يعني: إحياء المولد والاحتفال به، وكان - قد بين الحكم في أربعة أدلة جامعة قبل هذا الكلام الذي يأتي في معرض الرد على شبهات المبتدعين المخالفين - هداهم الله رب العالمين -.

(5)- مدعي خلاف ذلك، وإنما أبهمه الشيخ طارق - حفظه الله - مع كون الرد على رسالة شيخ معين من مشايخ المبتدعة: لأن التعويل علماً على الدعوى لا المدعين.

(6)- يعني:  ما ورد في الحديث الصحيح: أن رسول الله سُئل عن سبب صيامه يوم الاثنين؟ فقال: { ذاك يوم ولدت فيه }[أخرجه البخاري وغيره].

والمقصود: أن صيام السلف يوم الاثنين مع علمهم بالسَّبب: يفيد إحياءهم المولد، فلا يبقى إلا الفرق في الزيادة والنقصان بأعمال الإحياء.

---------------------

ملاحظة: نظراً لأهمية موضوع هذا البحث، نشير إلى وجود مسائل في مكتبتنا متعلقة به، وهي: فتوى " قيد كل بدعة ضلالة "، فتوى " الأقوال وحكم البدع "، فتوى " كلمة جامعة في البدع "، وبحث " البدعة ".