عدم الفعل
" وأما
عدم فعل سيدنا رسول الله محمد
1. ( الانتهاء )، وهو: عدم الفعل لـوجـود النّهي. 2. ( التـرك )، وهو: عدم الفعل مع وجود الطلب. 3. ( السكوت )، وهو: عدم الفعل للعفـو والإباحة.
ودليل هذا التقسيم:
ما تقدّم في الدّليل الأوّل
[ ( 1 ) /
تعليق آخر الصفحة
]،
مع ما ثبت في السنن من ترك سيدنا رسول الله محمد
والذي يدل على التحريم منه: هو القسم الأول إن كان النهي للتحريم وإلا كان
مكروها؛
يهديك لذلك أمثلةٌ كثيرة أوردناها في كتابنا ( فتح المعين )، منها: قول
جابر بن زيد:" سألت البحر - وكان يُسمِّي سيدنا بن عباس
[ تنبيه: ] وكون لحوم الحمر حرام لثبوت حديث فيها فليس يضعف استدلالنا، بل يُقَوّيه؛ إذ لمّا لم يَسمعا بالتحريم حملاه على مطلق الأدلة التي تفيد ما تقدّم من كون المسكوت عنه ولو مع وجود المقتضي ليس حراما. فتنبه لهذا فإنه مهم جداً. وقد ثبت أن عدم فعلهم[ ( 3 ) / تعليق آخر الصفحة ] لم يكن لوجود النهي، فلم يكن حجة على التحريم. بل لمّا ثبت مشروعية ذلك وسنيّته ـ كما علمت[ ( 4 ) / تعليق آخر الصفحة ] ـ لم يبق للاستدلال بعدم الفعل باقية.
فائدة:
قال الإمام الحافظ أبو الفضل الغُمَاري:" قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا
سلام بن أبي مطيع عن ابن أبي دخيلة عن أبيه قال:" كنت عند ابن عمر [
رضي الله
عنهما
] فقال: { نهى رسول الله
فقال لي رجلٌ من خلفي: ما قال؟
فقلت: ( حرّم رسول الله
فقال عبد الله ابن عمر
[
فقلت: ألم تقل: نهى رسول الله
فقال:" أنت تشهد بذلك "؟!!
قال سلام: كأنه يقول: ما نهى النبيّ
قلت [ يعني: الغُمَاري ]: أنظر إلى ابن عمر ـ وهو من فقهاء الصّحابة ـ كذَّبَ الذي فسّر ( نَهى ) بلفظ ( حَرّم ). وإن كان ( النهيُ ) يُفيد ( التحريم )، لكن ليس صريحاً فيه، بل يفيد ( الكراهة ) أيضاً، وهي المراد بقول سلام: ( فهو أدب ) [ إذ مصطلح الأحكام الخمسة وغيرها لم يكن مقررا متداولا بعد. فتتوقف دلالة ( النهي ) على التحريم أو الكراهة على القرائن المحتفّة به ].
ومعنى كلام ابن عمر
[
قال إبراهيم النّخعي ـ وهو تابعي ـ: ( كانوا يكرهون أشياء لا يُحرّمونها )،
[ بل في السنّة: أن سيدنا رسول الله محمداً
وكذلك كان مالك والشافعي وأحمد، كانوا يتوقون إطلاق لفظ ( الحرام ) على ما لم يُتَيَقّن تحريمه لنوع شبهة فيه، أو اختلاف، أو نحو ذلك، [ فضلا عما جاء التصريح والدليل على إباحته أو ندبه ]؛ بل كان أحدُهم يقول: ( أكره كذا )، لا يزيد على ذلك. ويقول الإمام الشافعي تارة:" أخشى أن يكون حراما "، ولا يَجزم بالتحريم؛ يخاف أحدهم إذا جزم بالتحريم أن يشمله قول الله تعالى: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب }.
فما لهؤلاء المتزمّتين اليوم يجزمون بتحريم أشياء مع المبالغة في ذمّها بلا
دليل إلا دعواهم أنّ النبي
ولا يُقال:
إباحة هذه الأشياء ونحوها داخلة في عموم الآية، لأنا نقول: ما لم يرد نهي
عنه يُفيد تحريمه أو كراهته، فالأصل فيه الإباحة، لقول النبي
فإن قيل: فما الحكمة إذا من إدخال الحكم بالإباحة في جملة الذّم المذكور؟ قلنا: لأن عدم وجود النهي شرط للإباحة، فلا يصح أن يسارع الناس إلى الإباحة قبل التحقّق من دليلها: بعدم وجود النهي أو تعيين الإباحة. فمن بادر قبل ذلك فقد استحق الذّم. فانظر حبيبي من خلال هذه الفائدة إلى فظاعة جريمة المدّعي[ ( 5 ) / تعليق آخر الصفحة ] وبشاعتها.
وأزيدك:
من خلال تأمّلك قول سيدنا رسول الله محمد فليته إذ أنطقه الله تعالى بضرورة الاتباع دون الابتداع، والرّد إلى الكتاب والسّنّة عند النّزاع، وعدم الإقدام على الأمر قبل معرفة الحكم، عمل بذلك، ولكنه أبى إلا أن يتبع سنّة أسلافه: الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هو من عند الله؛ ليشتروا به ثمناً قليلاً مِن السّمْعَة فما فوقها!! فله وأهل نحلته من الله تعالى ما يستحقّون. هذا، وإن مذهب هؤلاء المبتدعة في هذا الوجه سيّما ما كان مقتضاه موجوداً زمن التّشريع، يلزم منه ردّ كلّ ما لم يَرِدْ على لسان الشّارع نفسه مطلقاً، سواءٌ أكان مِن فِعل الأوّلين أو الآخرين، وذلك: أن التشريع اكتمل، فما جاز للأولين فعله جاز للآخرين؛ وتجويز إحداث فعل في وجه من الوجوه تجويز في الكل بِلا دليل على التّخصيص.
فيترتّب
على مذهب هؤلاء إذاً: عدم قَبُول شيء من تأويل النّصوص ـ ( يعني: بيان مراد
الشارع بها معنى أو حكماً ) ـ من أحد لم يَرْفَع ذلك لسيّدنا رسول الله
محمد
ويتبيّن بما ذكرنا: فساد الاستدلال بفعل السّلف سيّما فيما خالف حكماً ثابتاً لم يبلغهم على الأرجح. وهو ما يُستفاد من عدم اعتبار الأصوليون له دليلا شرعياً.
تنبيه:
وعلى ما تقدّم فإن ما أذاعه المدّعي من التهويلات في هذا الشأن، نحو قوله:"
وأشد الناس تعظيما للنبي
ومع ذلك:
فإنه يقرّر بهذا أن زيادة المفضول على الفاضل ممنوعة، بل بهذا اعتبر
أنها تعني أفضلية المفضول على الفاضل!! وهذا جهل مركب قد نادى به على نفسه؛
إذ لا يخفى على أحدٍ ما ورد في الشرع من قصص عن مفضولين أنجزوا ما لم
ينجزه الفاضلون وزادوا عليهم، وفي الخبر الصحيح عن سيدنا عبد الله بن مسعود
ثم، إن بالغ عنجهيّ فسأل عن سبب عدم فعل السابقين لذلك!! قلنا له ـ مع أن ذلك مما لا يعنينا بعد ثبوت مشروعيّته والبحث عليه، وما علمت من كون فعلهم لا يُثبت الحكم ـ: كان بين أيديهم واجبات أذهلتهم عن مثل هذه المندوبات المتوقفة على النظر والاستنباط، إذ كان الهمّ حينئذ جمع الشريعة من الكتاب والسنّة.
ومع ذلك فلا يشك عاقل بصيام السلف الصالح ليوم الاثنين الذي بيّن سيدنا
رسول الله محمد
[ شفاء الأحزان: 25 - 33 ] ***************( تعليق العاملين على الصفحة )***************
(1)-
يعني الدليل الأول الذي ذكره - حفظه الله - على بيان حكم
إحياء المولد النبوي الشريف، وقد جاء فيه:" عدم وجود دليل على التحريم، والأصل الإباحة إن لم يدل الدليل
على غيرها؛ كما أخبر سيدنا رسول الله محمد
وذلك جميعاً تأويل قول الله تعالى: { وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }، إذ لم يَقُل سبحانه: ( وما سكت عنه أو تركه مما له مستند من الشّرع يدل عليه ). "انتهى (2)- يعني: كتاب: ( فتح المُعِيْن، بحكم السّنة والبدعة في الدِّين )، وهو لا يزال مخطوطاً، وإنما أحال الشيخ حفظه الله إليه لكون ما ذكره هنا كاف، فالإحالة للاستزادة. (3)- يعني: عدم فعل السلف الأولين ما يُفعل اليوم في إحياء المولد النبوي الشريف.
(4)- يعني: إحياء المولد والاحتفال به، وكان
(5)- مدعي خلاف ذلك، وإنما أبهمه الشيخ طارق - حفظه الله - مع كون الرد على رسالة شيخ معين من مشايخ المبتدعة: لأن التعويل علماً على الدعوى لا المدعين.
(6)- يعني:
ما ورد في الحديث الصحيح: أن رسول الله
والمقصود: أن صيام السلف يوم الاثنين مع علمهم بالسَّبب: يفيد إحياءهم المولد، فلا يبقى إلا الفرق في الزيادة والنقصان بأعمال الإحياء. --------------------- ملاحظة: نظراً لأهمية موضوع هذا البحث، نشير إلى وجود مسائل في مكتبتنا متعلقة به، وهي: فتوى " قيد كل بدعة ضلالة "، فتوى " الأقوال وحكم البدع "، فتوى " كلمة جامعة في البدع "، وبحث " البدعة ".
|