أحكام الرقية

:

قول [ الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ]: لا يَسْتَرْقُونَ : يعني: طلب الرقية.

وأصل " الرّقية ": تعويذات تقرأ على المعلول لشفاء علّته.

وهي كما قال القرطبي:" ثلاثة أقسام:

أحدها: ما كان يرقى به في الجاهلية مما لا يعقل معناه فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو يؤدي إلى الشرك.

الثاني: ما كان بكلام الله أو بأسمائه فيجوز، فإن كان مأثوراً فيستحب.

الثالث: ما كان بأسماء غير الله من ملك أو صالح أو معظم من المخلوقات كالعرش، فهذا ليس من الواجب اجتنابه ولا من المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى الله والتبرك بأسمائه فيكون تركه أولى، إلا أن يتضمن تعظيم المرقى به فينبغي أن يجتنب كالحلف بغير الله تعالى "اهـ

ومن ثم، قال الحافظ ابن حجر:" أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط:

1/ أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.

2/ وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره.

3/ وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى ..

ففي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك قال:" كنا نرقى في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك .

وله من حديث جابر:" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم فقالوا: يا رسول الله! إنه كانت عندنا رقية نرقى بها من العقرب؟ قال: فعرضوا عليه فقال: ما أرى بأسا، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه .

وقد تمسك قوم بهذا العموم فأجازوا كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها!!

لكن دل حديث عوف: أنه مهما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطاً "اهـ

قلت: ولو كان ما يظن فيه النفع يجوز مطلقاً لمَا طلب سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم عرض الرقية عليه، فتنبه.

فـ" الرقية ": ليست ممنوعة لذاتها [ يعني: من جهة الشرع، أو الفلاح يوم القيامة كما في خبر السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب ]، وإنما الممنوع منها ما كان شركاً أو محرَّماً؛ لذلك فإن سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رَقَى ورُقِي، وكذا السلف والخلف الصالح رضي الله تعالى عنهم، فلو كان مخالفاً لما عليه السبعين ألفاً أو قادحاً في التوكّل لم يقع من هؤلاء وهم مَن هم.

مع العلم: أن الرُّقى الشرعيّة تقتضي التوكل على الله تعالى والالتجاء إليه والرغبة فيما عنده اعترافاً وشهادةً بأنه الصّمد الذي لا إله إلا هو، مخرج الحيَّ من الميت والميتَ من الحي، ومحي الموتى.

والإشارة بالرقية هنا [ يعني: في قوله صلى الله عليه وسلم عن السبعين ألف الذين ذكرناهم: { ولا يسترقون } ]: إلى الطمأنينة إلى وسائط الأسباب [ يعني: الاعتماد عليها والغفلة عن المؤثر الحقيقي فيها وهو الله عز وجل ]، والله أعلم.

والحمد لله رب العالمين.

 


ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين باللون الأزرق [ -- ]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف.