|
الرّبا للحاجة أو في الغَرب وبلاد الحربيين
وبعد: فالذي بلَغَنَا وبَلَغْنَاه: حرمة التعامل بالربا
مطلقاً لغير ضرورة شرعيَّة؛ قال الله تعالى: { وأحلّ الله البيع وحرَّم
الرّبا }[البقرة:275]، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم
مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ
وَرَسُولِهِ .. }[البقرة:287–279]. وأما خبر: { لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب }: فليس بثابت، وكان الأولى بمن نقل مذهب سيدي الإمام الشافعي رضي الله عنه أن يقول: أنه قال:" هذا ليس بثابت، ولا حجّة فيه "اهـ وأما اعتبار ( الغاية المشروعة ): مبرراً للوسيلة الممنوعة!! فباطل، وأين في شرع الله تعالى شاهد ذلك وأصله الذي ابتنى عليه؟ بل قد شهدنا في خبر أبي بكرة رضي الله عنه: نهي سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم عن ذلك صراحة؛ فقد صوبه في إدراك الركعة بالركوع، وقال له في الوسيلة التي لجأ إليها لتحقيق ذلك: { لا تعد }، وكان قد ركع قبل بلوغ الصف، ثم سار حتى دخل فيه. وإن الناظر في قواعد الفقه: يرى تناقض هذا الحكم سيما في هذه المسألة معها. فنرى سيدي الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه قد اجتهد وأخطأ في هذه المسألة، فخرج بالأجر والثواب، وأما مقلدوه على ذلك: فنرجو لهم العفو والهداية والتوفيق. قال سيدي الإمام النووي رضي الله عنه:" وقال أبو حنيفة: ( لا يحرم الربا في دار الحرب بين المسلم وأهل الحرب، ولا بين مسلمين لم يُهاجرا منها، وإذا باع مسلم لحربي في دار الحرب درهماً بدرهمين، أو أسلم رجلان فيها ولم يُهاجرا فتبايعا درهماً بدرهمين: جاز )!! واحتجّ له: 1/ بما روى مكحول، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { لا ربا بين مسلم وحربي في درا الحرب }. 2/ ولأن أموال أهل الحرب مباحة بغير عقد فالعقد الفاسد أولى!! واحتجّ أصحابنا: 1/ بعموم القرآن والسنة في تحريم الربا من غير فرق. 2/ ولأن ما كان رباً في دار الإسلام كان رباً محرماً في دار الحرب، كما لو تبايعه مسلمان مهاجران، وكما لو تبايعه مسلم وحربي في دار الإسلام. 3/ ولأن ما حرم في دار الإسلام حرّم هناك، كالخمر وسائر المعاصي. 4/ ولأنه عقد على ما لا يجوز في دار الإسلام، فلم يصح، كالنكاح الفاسد هناك. 5/ والجواب عن حديث مكحول: أنه مرسل ضعيف، فلا حجة فيه. ولو صحَّ لتأولناه على أن معناه: لا يُباح الربا في دار الحرب؛ جمعاً بين الأدلة. 6/ وأما قولهم: أن أموال الحربي مباحة بلا عقد!! فلا نسلم هذه الدعوى إن دخلها المُسلم بأمان، فإن دخلها بغير أمان فالعلّة منتقضة؛ كما إذا دخل الحربي دار الإسلام فبايعه المسلم فيها درهماً بدرهمين. 7/ وأنه لا يلزم من كون أموالهم تباح بالاغتنام استباحتها بالعقد الفاسد، ولهذا: تباح أبضاع نسائهم بالسبي دون العقد الفاسد. "اهـ[ المجموع: 9 / 392 ]. وأما .. ( مقاصد الشريعة ): وإن كانت لمصلحة العباد، فإن الشارع قد أرشد إليها بما قد يرى العباد المصلحة فيه أو يُحجبوا عنها، ولكنها قطعاً محققة فيه. وعليه: فما ثبت حكمه، كانت المصلحة فيه، بغض النظر عن إدراك العباد أو عدمه لها، ووجب عليهم التزام الحكم، مع اعتقاد ذلك فيه .. وأسأل الله تعالى لك التوفيق والسداد، والرفعة إلى مقام خير العباد، في هذه الدنيا ويوم التناد. آمين. خادم الحق طارق بن محمد السعدي [ الفتاوى النورانية: 2 / 167 - 191 ]
|