أحكام قضاء الفوائت

:

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة الإمام سيف الله الصقيل السيد طارق بن محمد السعدي حفظك الله وسلمك من كل سوء، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وطيباته ..

سيدي الكريم .. ( قضاء الصلوات الفائتة ) سواء كان الرجل نائما عنها أو في عمل شاق وقد فاتت عليه صلاتان أو أكثر، هل يقضيهما على الترتيب؟ ..

هذا وتقبلوا مني جزيل الشكر والامتنان.

:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ذي الحمد المجيد، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد خير العَبيد، ثم على المُبَشِّرين به وآله وصَحْبِه وخُلفائه وورثته إلى يوم المَزيد.

عزيزي ..، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته.

وبعد: فالصحيح عندنا: أن قضاء الفوائت يكون بتقديم الحاضر على الفائت عند ضيق الوقت ومتابعة الجماعة، وعدم اعتبار الترتيب في الفوائت؛ لأنها استوت في الطلب، وباتت حقاً واحداً في ذمة العبد.

وقال رضي الله عنه في جواب آخر مبيناً وقت القضاء: في الخبر عن سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله قال: أقم الصلاة لذكري ، فدل ذلك على أن الوقت .. وقت للحاضرة والفائتة.

فنحب تقديم الفائتة على الحاضرة ما اتسع الوقت لكليهما ولم يكن في تقديمها تفويت فضيلة نحو الجماعة، وإلا فتقدم الحاضرة.

وقال رضي الله عنه في جواب آخر مبيناً حكم القضاء: وقضاء الفوائت، فرض؛ لقول سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: مَنْ نَسِيَ الصَّلاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا؛ فَإِنَّ اللهَ قَالَ: أَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ، وفي حديث آخر: من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها لا كفَّارة لها إلا ذلك .. فقضاؤها من عمدٍ أولى.

وقال رضي الله عنه في جواب آخر مبيناً آداب القضاء: الأمور بمقاصدها، فمن علم ذنبه وخطأه في أمر من الأمور الشرعيّة التّعبّديّة، فأقلع عنه نادماً، واعتذر من الله تعالى لكون الذنب والخطيئة في حقّه طالباً السّماح، وعزم على عدم الرجوع إلى ذلك مطلقاً، ثم ردّ ما تعلّق في ذمّته من حقٍّ بأن قضى ذلك الحقّ ليبرئ ذمّته؛ فإن الله تعالى يقبل ذلك منه ويغفر له ذنبه وخطيئته، كما أخبر تعالى بقوله: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثمّ اهتدى ، قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً، إنه هو الغفور الرحيم .

ثم إن كان العبد عاجزاً عن ردّ الحقّ عند ذكره مباشرة: فإن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها ، فيعزم على الرّدّ ويقضي ما يستطيع تباعاً حتى يبرئ ذمّته، بأن يقضي ما يستطيع من الفوائت في كل يوم وهو يريد بصِدق ردّ الحق جميعاً حتى ينتهي منه.

وعلامة الصّدق: الهمّ، ومصاحبة الندم ..

فإن مات العبد وهو على الحال الذي ذكرنا قبل الوفاء بدَيْنِه، فنحسب أن الله تعالى يغفر له ويتجاوز عنه؛ إذ هو الرّؤوف الرحيم، العفوّ الكريم، الذي حث الخلق على التسامح وإسقاط الحقوق عمن عجز عنها، فهو أولى بذلك سبحانه وتعالى.

ولله در سيدي الإمام الشافعي رضي الله عنه حيث قال:

إن كنت تغـدو في الذّنوب جليدا وتخافُ في يوم المَعَـاد وعيـدَا
فلقـد أتـاك مـنَ المُهيمن عفوُهُ وأفاضَ مِن نِعـمٍ عليك مزيـدا
لا تيأسنَّ منْ لطفِ ربِّك في الحَشا في بطـن أمِّكَ مُضغةً ووَليـدا
لو شـاءَ أن تَصْلَى جهنّم خالـداً ما كان ألهـمَ قلبـك التوحيـدا

فإن علمت هذا، فإني أنبهك على ضرورة قضاء ما أمكن في كل يوم؛ فإن البعض قال: لا يجوز للعبد أن يشتغل عن قضاء ما فاته من حقوق إلا بما لا بُدّ منه: من كسْبٍ ومأكل ونوم .. الخ.

والحمد لله رب العالمين.

خادم الحق

طارق بن محمد السَّعْدِي