أدلة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

: عن حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف؟

بجواب طويل، وفيه:"

الدليل الأول: .. هو: عدم وجود دليل على التحريم، والأصل الإباحة إن لم يدل الدليل على غيرها. كما أخبر سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في قوله:" ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا { وما كان ربك نسيّا }"[أخرجه البزار والحاكم وغيرهما، وهو صحيح] والمقصود بقوله ( أحل ): أوجب، كما هو ظاهر، وقوله صلى الله عليه وسلم:" إن الله فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها "[أخرجه الدارقطني وغيره]، وقوله:" ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه "؛ وذلك جميعاً تأويل قول الله تعالى: { وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }، إذ لم يَقُل سبحانه: ( وما سكت عنه أو تركه مما له مستند من الشّرع يدل عليه ). فتنبه لهذا فإنه مهم جداً

فـ( إحياء المولد النبوي الشريف ) لو لم يكن مستندَ محييه إلا عدمُ ورود النهي عن إحيائه لقهر به عدوّ الله .. ودعواه، فكيف وهو يستند على أدلة صريحة في إحيائه ـ كما ستعلم بعد هذا ـ؟!!

الدليل الثاني: أن الله تعالى أمَرَنا في غير موضع من كتابه العزيز بذكر نعمته، ثم بَيّن أن من طرق ذكر تلك النعم: ( إحياء مناسباتها بالتحدّث بها والشكر عليها )، فقال سبحانه: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ }[ابراهيم:6]، مبيّناً: أن المطالبة بذكر النعمة يكونُ بشكر الله تعالى عليها، الذي منه التحدّث بها كما قال سبحانه: { وأما بنعمة ربك فحدّث }[الضحى:11]؛ وأن ذلك آكد ما يكون عند حلول موسمها: كما بينه سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بسَنّهِ صوم ذلك اليوم الذي هو يوم عاشوراء، بعد أن علم أن اليهود تصومه لذلك؛ إذ الخطاب فيه للمؤمنين، وهم أمة واحدة وإن اختلفت شرائعهم.

ومن هذا أيضاً: قول الله تعالى: { لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَـا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ }[الزخرف:13]. وهو واضح في المطالبة بالذكر عند مباشرة النعمة كلما تكررت، ومنه مع الذي قبله يقوى الدليل ويزيد، عند من كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد.

والدليل الثالث، وهو صريح: سَنُّ سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إحياء ذكرى مولده الشريف. كما في الحديث الصحيح: أنه سئل عن سبب صيامه يوم الاثنين؟ فقال:" ذاك يوم ولدت فيه "[أخرجه البخاري وغيره]. فنحن إذ نفرح بيوم مولده من كل عام في غاية التقصير بين يدي ما سنّه هو صلى الله عليه وسلم. ولولا ما مرّ في الدليل الثاني وما سنذكره في الدليل الرابع من الاعتداد بمثل ذلك لاستحققنا التعنيف على هذا التقصير. ومع ذلك: فأنا لا أحب أن يُفوّت المسلم شكر الله تعالى في كل يوم اثنين على المولد النبوي الشريف.

والدليل الرابع، وهو مع الثالث متحد ومتداخل: سَنّ سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم إحياء ذكرى نجاة سيدنا موسى عليه السلام ومن تبعه يوم عاشوراء من كل عام وهو يبين صحّة إحياء المناسبات السنويّة. بل إن ما ورد في فضل هذا اليوم والترغيب في إحيـائه بمظاهر الشكر من الصيام والتوسعة على العيال .. لأدلّ دليل على: تفضيل الله تعالى للأيام التي يفيض فيها الخير والإنعام، والندب لإحياء ذكراها. وإذا كان ذلك كذلك، وكان بلا منازع يوم مولد سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم من تلك الأيام، بل على رأسها، كان الداعي أقوى لإحياء يوم مولده والفرح به، سيّما والله تعالى يقول: { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا }[يونس:58]، وهو الرحمة المهداة للعالمين كما قال تعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين }[الأنبياء:107].

تنبيه: إنما عاودت ذكر عاشوراء هنا لكوني أوردته في الدليل الأول من باب البيان والتأكيد لدلالته، وأما هنا فلكونه دليلا مستقلا .. "اهـ

العبد الفقير المقر بالعجز والتقصير: أبو طه طارق بن محمد السعدي / الحسني

[ الفتاوى النورانية:1 / 262-265 ]