مواقيت الصلاة والصيام

في الدول الاسكندنافية

 

: عن "الفتوى الغريبة" حول الصيام في الدول الاسكندنافية كما ورد في الملف المرفق http://youtu.be/PYS6Ly5XgaA!

مع العلم! أن الليل لا يقل عن " 4 ساعات " في الأيام التي يبلغ فيها النهار ذروته، وهي حوالي " 15 يوم " في السنه، يكون فيها غروب الشمس عند الساعة ( 10.13 ) والفجر ( 2.35 ).

وللعلم! فإن هذا الوقت يأتي بالضبط في فترة العطلة الصيفية في معظم الدول الأوروبية.

[ ورد في ملف الفتوى:" .. في القطب الشمالي واسكندنافيا وبعض من بلاد شمال أوروبا يجي عليها رمضان، العشاء الساعة 12 ونصف والفجر الساعة الثانية والنصف صباحاً، فالليل عبارة عن ساعتين! وفي مناطق في النرويج لا يرون الشمس أشهراً عدة، ظلام دامس ..

فساعتين الليل، فيبقى صيامه كم ساعة؟ اثنين وعشرين ساعة!

يجوا يشتكوا من أولادهم .. ولِدوا هناك، الولد عنده 15 سنة، معقول يصوم 22 ساعة؟

نقول له: لا يا ابني ما يصوم 22 ساعة. أمال يصوم ازاي يا شيخ؟ نقول له: ينقطع عن صيامه مع أذان الفجر، ويحسب أقرب مدينة على نفس خط الطول، أو يأخذ توقيت أم القرى مكة، ويحسب أهل مكة يصوموا كم ساعة .. مثلا يصوموا 16 ساعة أو 15 ساعة، يُفطر ولو كانت الشمس في كبد السماء، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة؛ لأن أيه؟ "اقدروا لهذا اليوم قدره"! ليه؟ لأنه ما يقدر الولد يصوم! بعدين أبوه اللي عنده عمل .. كيف يصوم بهذه الطريقة؟

وقد أباح لهم إخواننا، ونحن نبيح لهم معهم في المجلس الأوروبي للإفتاء: أن فيه أوقات العشاء يبقى الساعة الواحدة لو انتظر ليصلي العشاء الساعة الواحدة ويستيقظ ليذهب إلى عمله في الخامسة لا يستطيع! فأبحنا له أن يجمع العشاء مع المغرب، ولكن بعد أن تدخل العتمة؛ الأحناف يقولون "إن العتمة إذا دخلت ذهب المغرب ودخلت العشاء"، يعني العتمة عند الأحناف: قبل العشاء بنصف ساعة، عند الأحناف صارت مغرب وقضاءً، فنأخذ هذه الفتوى عن أبي حنيفة (نقربها ويجمعها له)، هذه غير واضحة في فقهه الخاص، هذا ليس من فقهنا لا يطبق في دولنا العربية مش مهم " ]!

السلام عليكم.

:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الحميد المجيد، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد وآله وصَحْبِه وخُلفائه وورثته خير العبيد.

عزيزي ..، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته.

وبعد: فقد قال الله تعالى: { .. فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا }[النساء:103]، مبيناً: أن الصلاة الشرعية مطلوبة في أوقات محددة، ثم بيَّن: أنَّ المعتمدَ مَداراً لأوقاتها هو: الليلة واليوم ( المقدَّرَين بأربع وعشرين ساعة في زماننا )، ودون اعتبار لتفاوت المدة بين الليل والنهار، إلى أنْ بيَّن تفصيلَها فيهما بما تقرر في الفقه المعتمد.

كما قال سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }{ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }[البقرة:183-185]، ثم قال: { وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ .. } [البقرة:187]، مبيناً: أحكام الصيام ( لرمضان وغيره )، ووقتَه حَوْلاً ( في السنة أو الشهر أو الأسبوع؛ كما ذُكِرَ في الأخبار المُفَصِّلَة ) وحَداً ( على قَيد اليوم والليلة المتقدم ضبطه ).

فأُطْلِق الحكمُ الزمني دون تقيدٍ بِمَحلٍّ يكون فيه قِبلةً زمانيَّةً كما هو الحكم في الكعبة المُكرَّمة كقبلةٍ مكانيَّةٍ، فَعُلِمَ بذلك أن الوقت المعتمد للفرد: إنما هو وقت المكان الذي هو فيه.

ثم بيَّن: أنَّ تَعَذُّرَ التَّقْريرِ يَسْتَدعِي التَّقْديرَ، فإذا تَعَذَّر التَّقرير ( بأنْ غُمَّت الأسباب بحجب الشمس أو القمر، أو خُرِقت العادة بحَدَثٍ كوني أثَّرَ على انتظام الأسباب عليها، أو اختلفت عادةٌ عن العادة المعتمدة بامتداد يوم أو ليل أكثر مِن قَدْر اليوم والليلة المعتمَدين ) فتعذر العمل بالعادة المقرّرة شرعا، فقد وجب العمل بالتقدير: وهو البناء عليها ( أي على العادة المعتمدة شرعاً )؛ كما في الخبر الصحيح عن سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم:" الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً " يعني: غالباً، " فَلَا تَصُومُوا " رمضان " حَتَّى تَرَوْهُ " يعني: هلال رمضان، " فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ " الرؤية " فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ "[متفق عليه]، وفي رواية:" إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ "! وكما في "خبر الدجال" وفيه أن سيدنا رَسُول اللهِ محمداً صلى الله عليه وسلم سُئل عن مدَّة لَبْث الدَّجَّال فِي الْأَرْضِ؟ فقال:" أَرْبَعُونَ يَوْمًا يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ "، فقال الصحابة رضي الله تعالى عنهم: يَا رَسُولَ اللهِ، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ:" لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ "[مسلم].

فإن علمت هذا، فاعلم أنني لا أعلم اختلافا قديماً حول وجوب العمل بالأحكام المقررة للصلاة والصيام في كل بلد فيه ليل ونهار مهما كان قدر أحدهما متفاوتاً؛ بل ذلك أنه لا يجوز الاختلاف عليه بعد تقريره شرعاً!

فالإفتاء بالتقدير مع إمكان التقرير بدعة ضلالة! فلا يجوز لأهل البلاد الاسكندنافية التي يتعاقب فيها الليل والنهار بالمدة المعتمدة أن يقدروا لأنفسهم ميقاتاً آخر للصلاة أو الصيام، فمن فعل ذلك فقد تعدى حدود الله تعالى وخالف حكمه؛ لاسيما: أن المفتي لهم بذلك قد اعتمد القياس فلجأ إلى الاجتهاد في مورد النص وذلك باطل! كما أن القياس باطل لعدم تحقق المناط فيما استند عليه ( وهو "خبر الدجال" وما في معناه )؛ إذ الحكم فيه متعلق بخرق العادة، ولا خرق لها ما تعاقب الليل والنهار وفق المعتمد في المكان! ثم إن هذا الفساد في الفتوى يدل على عدمَ أهلية المفتي بها للإفتاء؛ حيث أضاف إلى شذوذه بالفتوى عدمَ مراعاة حدود الإفتاء والتَّخريصَ بأصول الاستنباط.

ويبقى أن تعلم: أن البلاد المخالفة للعادة المعتمدة ( وهي التي يمتد فيها الليل أو النهار لأكثر من أربع وعشرين ساعة إلى شهور )، فالراجح: أنْ يُعتمَد فيها تقدير العادة الأقرب لها.

وبالعودة إلى البلاد العادية: فالنصيحة لأهلها أن يُنَظِّموا أمرهم في ظل تلك الأيام الطويلة، بأن يضبطوا أوقات نومهم وعملهم .. الخ، فلو أنهم اتخذوا قيلولة طويلة في النهار أو ناموا بعد العصر إلى وقت المغرب قريبا من وقت العشاء فقاموا للمغرب والعشاء ولو لجمع صُوَرِي ( وهو أداء الصلاة في آخر وقتها بحيث يدخل وقت التي تليها عند الفراغ منها فتؤدى التالية عقبها )، ثم يفعلوا للفجر كذلك، أو يحيوا تلك الليالي القصيرة القليلة إلى الفجر حيث يبقى لديهم متسعا للنوم قبل مواعيد العمل، لاسيما إن هم استعدوا للإحياء بتطويل زمن القيلولة أو نوم النهار! ولا أرى النصف ساعة التي وفرها عليهم المدعي ستحدث فرقا.

وأما الذي يشق عليه الصوم لعلة دائمة أو بسبب طول تلك الأيام: فقد رخص له الشارع بالإفطار والكفارة أو القضاء! لكن لا بد من مراعاة ضوابط المشقة والرخصة.

وهذا بدوره ناقض آخر لفتوى المدعي؛ إذ لو صح التقدير في ظل التقرير لكان من الأولى أن يحكم للذين لا يطيقون الصيام به، وإذ لم يكن ذلك فقد دل على فساده.

فأسأل الله تعالى أن يعين أهلَ تلك البلاد على البر والتقوى في ظل هذه البلوى، وأن يجنِّبَهم اتِّبَاع الباطل؛ فإن قوماً اتبعوا الباطلَ فذكر الله تعالى حالهم مع المتَّبَعين بقوله: { إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ }{ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ }[البقرة:166-167].

وأنصحهم بقول الله تعالى: { مَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ، فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ، وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }، { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ }.

كما أسأل الله تعالى أن يُلهِم أصحاب هذه الفتوى رشدهم ويظهر لهم شناعة حكمهم وما يترتب عليه من مسؤولية على كاهلهم، فيعلنوا للناس تراجعهم عنها إلى الحق المبين.

والحمد لله رب العالمين.

خادم الحق

طارق بن محمد السَّعْدِي