الضَّرُوْرَة التي تُرَخِّصُ خَلعَ الحِجَاب

:" بسم الله الرحمن الرحيم، الشيخ طارق السعدي، أريد أن أسأل عن الحجاب: هل فعلاً منع السلطات الفرنسية المسلمات من ارتداء الحجاب ضرورة تبيح لهن خلع الحجاب كما قال البعض؟

أرجو من سماحتكم توضيح المسألة، وشكراً لكم.

.. / فرنسا

:" الحمد لله ذي الحمد المجيد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير العبيد، ثم على المُبَشِّرين به وآله وصَحْبِه وخُلفائه وورثته إلى يوم المَزيد.

عزيزتي ..، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته.

وبعد: قال الله تعالى: { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ، وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ، ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء، ولا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ }[النور:31]، قال سيدُنا ابن عباس وأمُّنا السيدةُ عائشةُ رضي الله تعالى عنهم في الزينة الظاهرة:" وجهها وكفيها والخاتم "اهـ

فالحجاب شعيرة من شعائر الدين، فرضه الله تعالى على كل مسلمة، ولم يجعل لها الخيار في تركه إلا من جهة الإيمان والكفر، أو الطاعة والفسق، غير أنه لا يُكلّف نفساً إلا وسعها:

فالذي يرخّص خلع الحجاب ضربان:

الضرب الأول: العجز: كمرض يفتك بالمرأة إذا سترت عورتها، وتضطرّ معه للخروج؛ فقد ثبت أن الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها.

لكن ما أبيح للضروريات يُقَدّر بقدرها، فلا يُرَخَّص لهذه المريضة أن تُبدي عورتها لغير محارمها إلا لضرورة أو حاجة لا تنقص مهجتها في الشرع عن النهي، كأن تضطرّ لقصد الطبيب في مشفاه، أو الخروج لإحضار ما تسد به رمقها، أو الخروج للعمل لأنها لا تجد من يعيلها، ومع ذلك جميعا وما في معناه كانت لا تجد وسيلة تستر بها نفسها كخباء يحيط بها فيحول دون رؤية الناس لعورتها، أو عمل بين نساء أو في مكان محجوب عن الناس.

ولا عبرة بكون الناس يستغربون ذلك فيها أو يسخرون منها؛ فقد قال الله تعالى: { زين للذين كفروا الحياةُ الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا! والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة، والله يرزق من يشاء بغير حساب }[البقرة:212].

فتلزم العاجزة عن لبس الحجاب دارها، ولا تخرج منها إلا لضرورة تبيح خروجها.

الضرب الثاني: الإكراه: كتسلط ظالم على مسلمة بالتخيير بين خلع الحجاب أو القتل مثلاً، فإنه يُرَخّص لها خلع الحجاب طالما كانت تحت تهديده، بلا زيادة: فإن كان التهديد بعدم الخروج من الدار إلا سافرة رخّص لها لضرورة نحو ما تقدم ذكره.

وليس منع السلطات الفرنسية الحجاب ضرورة ترخّص للمسلمة الخروج من دارها سافرة، ولا فيه إكراه لها على ذلك.

وقد علمت أن القرار مقيّد بالمدارس، والشارع لم يفرض على المرأة ارتيادها، فتكون مهجتها ناقصة عن مهجة حظر إبداء العورة.

ثم يمكن للمسلمة أن تتعلم حاجتها من خلال طرق عديدة متيسرة، لا تواجه معها هذه العقبة.

والضرورة أو الحاجة: إنما هي الشرعيّة، لا النفسية؛ إذ قد تتوهم النفس الضرورة أو الحاجة في غير محلها.

فجعل البعض هذا الأمر ضرورة، دليل على الجهل بالحقّ أو التجاهل له.

أسأل الله تعالى العفو والعافية لنا ولهم، والحفظ للأمة الإسلامية مما يكاد لها ويراد فيها من السوء، واللطف بها فيما جرت به المقادير.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

خادم الحق طارق بن محمد السَّعْدِي "انتهى