|
إحياء المناسبات الإسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله وسلم وبارك عليكم سيدي ومولاي الشريف الشيخ الإمام طارق بن محمد السعدي. وبعد: فقد سألني شخص عن " سبب إحياء المناسبات الإسلامية " وأجبته بما يسره الله لي من العلم، لكني تنبهت في نفسي إلى ضعف في الجواب؛ لما كان فيه من عدم انضباط وترتيب! فأرجو من فضيلتكم التكرم على الفقير ومن على شاكلته ممن لا غنى لهم عنكم بجواب كاف كما عودتمونا؟ كما أسألكم _ سيدي _ احتسابي وإخواني ومن معنا من أهل وولد، ودوام الذكر والمدد، ولكم منا جزيل الشكر والامتنان إلى الأبد. محبكم .. عماد الدين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الحميد المجيد، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد وآله وصَحْبِه وخُلفائه وورثته خير العبيد. عزيزي عماد الدين ..، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته. حسبنا الله لا إله إلا هو الحي القيوم ونِعم الوكيل. وبعد: فإن " المناسبات الإسلامية " عموماً: هي أحداث تنزل بالأمة في زمن معيَّن، والتحقيق فيها يرجع إلى ثلاثة أبحاث:
والصحيح أنها ترجع إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: مناسبات إلهية، وهي الحوادث التي كرم الله تعالى بها هذه الأمة في أزمنة معينة، كفتح باب المغفرة في ثلث الليل الآخر يوميا، وكذا يوم الجمعة أسبوعيا، والثلاث البيض شهرياً، والحج وعرفة سنوياً. وهذا النوع توقيفي، فلا مجال للاجتهاد فيه أو القياس عليه. النوع الثاني: مناسبات إيجابية: هي حوادث النِّعَم، كالمولد النبوي الشريف. وهذا هو المقصودة بإطلاق " المناسبات الإسلامية ". النوع الثالث: مناسبات سلبية: هي حوادث المصائب، نحو وفاة سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الفصل الأول: في إحيائها: والإحياء هو: عمارة زمن المناسبة بفعل ما. فأما الإيجابية: فقد ثبت جوازُ إِحيائها عموماً، ونَدْبُ الكريمة منها خصوصاً. ومما دل على الجواز: عدم النهي عن إحياء المناسبات الإيجابية، مع وقوع الإحياء فعلاً. فقد ثبت: أن الأصل ( فيما لا مستند له في الشرع ) الإباحة، فإن وجد المستند فبحسبه جوازاً أو نهياً؛ كما أخبر سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: { ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً { وما كان ربك نسيّا } }[أخرجه البزار والحاكم وغيرهما، وهو صحيح] والمقصود بقوله { أحلَّ }: أوجب، كما هو ظاهر. { إن الله فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها }[أخرجه الدارقطني وغيره]. وذلك: تأويل قولِ الله تعالى: { وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }[الحشر:7]، وخبرِ: { مـا أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه }؛ إذ ليس فيه: ( وما سُكِت عنه أو تُرِك )، فضلا عن أن يكون ما له مستند من الشّرع يدل عليه. ويمكن أن يندرج ذلك جميعاً في قول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُـواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُـرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ }[المائدة:101]. فتقرَّر بهذا إباحة الإحياء، ثم لما قد وقع الإحياء شرعاً بلا تخصيص _ كما ستعلم في الاستدلال التالي _، ارتقى الحكم إلى الجواز. فائدة: والفرق بين الإباحة والجواز: أن الجواز أعم من الإباحة؛ فالإباحة مقيدة بالتخيير، وهو ما أذن بفعله أو تركه مما لا يترتب على فعله أو تركه ثواب ولا عقاب. بينما الجواز هو إمكان الفعل، فيشمل طلب الفعل والتخيير، فيندرج فيه ( الواجب والمندوب والمباح )، وقد غلب على الفقهاء إطلاق الجواز على الإباحة! وفيما بينته هاهنا تحقيق المسألة. وعليه: فالإباحة: تتبع النية وتتأثر بها لحصول المنافع الدينية، وأما الجواز: فيتبع مستنده ويتأثر بالنية لزيادة المنافع الدينية، ما لم يرجع إلى الإباحة. ومما دل على الندب: أن الله تعالى قد أمر بذكر نعمته، وبين أن من صفة ذِكرها: إحياء زمنها؛ وذلك ما بينه سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بسَنِّ إحياء ليلة القَدْر المُنْعَم فيها بنزول القرآن الكريم، ويوم مولـده المُنْعَم فيه بولادته الشريفة، ويوم بعثته المُنْعَم فيه بإنزال الوحي، ويوم الأضحى المُنْعَم فيه بالفداء الإسماعيلي العظيم، ويوم عاشوراء المُنْعَم فيه بانفلاق البحر لسيدنا موسى عليه السلام وقومه للنجاة من فرعون وجنوده .. الخ. فمما نزل في كتاب الله تعالى إجمالاً: { وأما بنعمة ربك فحدّث }[الضحى:11]، { .. وَاذْكُرُواْ نِعْمَـةَ اللهِ عَلَيْكُمْ .. }[آل عمران:103] { وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ }[المائدة:7]. ومما وقع في السنَّة تفصيلاً: إحياء يوم الاثنين، فلما سئل سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك؟ قال: { ذلك يوم ولدت فيه، وأنزل علي فيه }[مسلم]. ومن ذلك: قول الله تعالى: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } [القدر:1]؛ فأمر سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإحيائها، وقال: { التمسوا } وفي رواية: { تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان }[متفق عليه]. ويتجلى هذا البيانُ في قول الله تعالى: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ }[ابراهيم:6]؛ حيث سَنَّ لهم سيدُنا موسى عليه السلام ذكرَ تلك النعمة بإحياءِ زمَنِها الذي هو يوم عاشوراء، ثم أقرَّ ذلك سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجعله سُنة لنا؛ فعَن ابنِ عباسٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهُما: أَنَّ سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لمَّا قَـدِمَ المَدينةَ وجدَهم يَصومونَ عَاشُورَاءَ! فَقَالُوا: هذا يومٌ عظيمٌ؛ وهو يومٌ نَجَّى اللهُ فيهِ مُوسَى وأغْرَقَ آلَ فرعونَ، فَصَامَ مُوسَى شُكْرًا للهِ! فَقَالَ: { أَنَا أوْلَى بمُوسَى منهم، فَصَامَهُ، وأمَرَ بصيامِهِ }[البخاري]. أصل: وليس في الخِطاب مُخَصِّصٌ للنِّعَم بما وقع _ مما أوردته وغيره _، فدَلَّ على عُمُوم الطلب. وأما السلبية: فليس من السنة إحياؤها. فائدة: فإن ظهرت المصلحة الشرعية في إحياء مناسبة سلبية اندرجت في البدع الحسنة؛ وقد قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { مَن سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء }[مسلم]. وقد بيَّنتُ _ بتوفيق الله تعالى _ أمرَ البدعة في غير موضع يعين على فقهها؛ فليراجَع. الفصل الثاني: في صفة الإحياء: والمندوب: " الإحياء بعبادة "؛ كما قال الله تعالى: { إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ }[الأنبياء:106]، { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ }[الأنبياء:84]. وذلك بيِّن في أدلة الإحياء ( كأخبار المولد والبعثة الشريفين، وليلة القدر، والأضحى، وعاشوراء .. الخ )؛ حيث كان الإحياء بالعبادات. ومن العبادات الواردة: ذِكر النعمة والتّحدّث بها؛ كما في قول الله تعالى: { وأما بنعمة ربك فحدّث }[الضحى:11]، وذلك: نحو الاجتماع في مجلس لتذاكر أمر النعمة. شكر النعمة؛ كما في قول الله تعالى: { وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }[النحل:114]، { .. وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }[المائدة:6]، { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }[المائدة:89]. الذِّكـر؛ كما في قول الله تعالى: { لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ }[الزخرف:13]. الصيام؛ كما في أخبار المولد الشريف، ويوم عاشوراء. القيـام؛ كما في أخبار ليلة القدر. الذبح والإطعام؛ كما في أخبار الأضحى. الإنفاق والتوسعة على العيال؛ كما في أخبار يوم عاشوراء؛ التي بيَّن صحَّتَها الإمام الحافظ العراقي. ويصح الإحياء بمباح؛ كما قال الله تعالى: { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا }[يونس:58]، كأن يأخذ الرجل عيالَه في نزهة لإدخال الفرحة إلى قلوبهم بناء على ذكر النعمة؛ وذلك: أن الفرح مباح، وهو عادة ترتقي إلى العبادة بالنيَّة. ومن ذلك: خبر المرأة التي أذن لها سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن تضرب الدف على رأسه وفاء لنذرها؛ فالنذر أمر ديني والدف مباح. أصـل: ولا مانع من اختلاف صفة الإحياء، كأن يجتمع الناس على ذكر أو مدحٍ أو وليمة .. الخ إضافة إلى الوارد في المناسـبة أو بـدلاً عنه؛ لأن المطلوب: إنما هو ذكر النعمـة، وذلك يحصل بكل مشروع لذكرهـا، مع كون الشرع لم يوجب الإحيـاءَ بالعبادات، ولا خصَّ الإحياء بالوارد منها. فائدة: ويتجلى هذا في السُّنة الشريفة: بنحو ما ثبت عن سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أنه أمر بالحمد في الاعتدال بالصلاة، مبينا أن المقام للحمد، وكان يقول { ربنا لك الحمد }، ثم أقر الذي أحدث لفظا غيره من أصحابه رضي الله تعالى عنهم وهو { ربنا لك الحمد حمداً كثيرا طيبا مباركا فيه }. وأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل: { كيف تقول في الصلاة }؟ قال: أتشهد وأقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار؛ أما إني لا أحسن دندنتك، ولا دندنة معـاذ!! فقال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { حولها ندندن }[صحيح]، والدَّندَنة: هي الكلام المُبهم، أو الكلام المتعدد الذي يدور على شيء واحد. والمقصود: أن ذلك الرجل لم يدرك ألفاظ الدعاء، أو أنه لم يقدر على نظم ألفاظ مماثلة لِما يسـمع، فبنى على ما تقرَّر عنده في أصل الأمر. والشاهد في الخبر: الجواب؛ إذ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: { حولها ندندن } _ ومعناه: نتكلم حول طلب الجنة والتعوذ من النار _ يدلّ على السعة في الوسائل الصحيحة لتحقيق الغاية التي لم يجب شيء خاص فيها. ويحرم الإحياء بالمنكرات الشرعيَّة. الفصل الثالث: في زمن الإحياء: وقد جرت العادة بإحياء الحول السنوي للمناسبات، كما في يوم عاشوراء. ثم أقر الشرعُ هذه العادة، وزاد عليها: الاعتداد بالحول اليومي ( وهو يوم المناسبة من كل أسبوع )؛ كما ثبت في يوم المولد النبوي المشرَّف. فالمشروع: جواز إحياء المناسبات بأحوالها الزَّمنية سواء كانت سنوية أو شهرية أو يومية؛ لِما ثبت، مع عدم ورود المخصِّص. فائدة: فيصحّ إحياء المناسبات اليومية ( كيوم المولد النبوي المشرَّف ) بحولها السنوي؛ لِما تقرَّر. توجيه: لكني أكره الإحياء اليومي لغير المناسبات الخاصة بسيدنا رسول الله محمـد صلى الله عليـه وآله وسلم ( كالمولـد والبعثة الشريفين ) تعظيما له، لاسيما أن ذلك لم يقع لغيره شرعاً. وإذ صح الإحياء السنوي العامّ لمولده الشريف صلى الله عليه وآله وسلم، وجرت العادة على ذلك، فالواقع: أن المكتفي بذلك عما نُدب فيه ( من الإحياء اليومي الخاص ) لفي غاية التقصير! فلا ينبغي أن يُفوّت المسلمُ الإحياء اليومي الخاص لمناسبة المولد الشريف ( كل يوم اثنين )، ولو بذكر أو شكر. والاختلاف في تعيين زمن المناسبة لا يمنع من الإحياء ولا يضيع أجر المحيين؛ لصحة ذكر النعمة مطلقاً. ويُستأنس لذلك: بما ثبت من طلب تحري ليلة القدر المباركة، وقاعدة: الأمور بمقاصدها. وبالنسبة لحول المولد الشريف السنوي خاصة: فرغم الاختلاف في تعيينه، إلا أن الظاهر بما ذهب إليه الجمهور أنه اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، وهو اليوم الذي جرت العادة بإحيائه بين المُوَفَّقِيْن من المسلمين. وكونه خلاف فعله صلى الله عليه وآله وسلم لا يخرجه عن السنة؛ إذ السُّنَّة تثبت بالقول والفعل والتقرير، والإحياء السنوي يوافق ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في حكم الإحياء السنوي للمناسبة _ كما تقرَّر _، فبقي في دائرة السُّنَّة الشريفة والشريعة الحنيفة، لكن من وجهين: الوجه الأول: أنه سنة فعلية بوقوع إحيائه. الوجه الثاني: أنه سنة شرعية بتقرير زمانه، أي: الإحياء السنوي.
الفصل الأول: في أسباب الإحياء، أي: الأمور الداعية لفعله. وهي إجمالاً: مقتضى أدلة الإحياء، وهي: الأدلة الواردة في طلبه. وعمـومـاً: ذكرُ النعمة والفرح بها، بالتَّحَدُّثِ والسُّرُورِ بها وذِكرِ الله تعالى وشكرِه عليها. ويرجع التفصيل إلى صفة الإحياء. فبالنسبة لإحياء المولد النبوي الشريف مثلاً: فإنه الحَدَث الذي افتُتِحت به نعمةُ سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم على هذه الأمة، إلى أن تَمَّ تقريرُها بالرسالة. وقد قال الله تعالى: { .. وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }[آل عمران:103]. ومن كلام جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في بيان نعمة سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم على هذه الأمة: قوله للنجاشي رحمه الله تعالى:" أيها الملك! كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف! فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان. وأمرنـا بصدق الحديث، وآداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدمـاء. ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة. وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً. وأمرنا بالصلاة والزكـاة والصيام _ فعـدد عليه أمور الإسلام ثم قـال: _ فصدقناه، وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا .. "انتهى المطلوب. ومما ذكر في آثار مولده صلى الله عليه وآله وسلم: أنه لما فُصل من أمـه رحمها الله تعالى خرج معه نورٌ أضاء له ما بين المشرق والمغرب، وهبط على الأرض معتمداً على يديه، فقبض قبضة من التراب، ورفع رأسه إلى السماء، فدنت النجوم حتى ظن من رآها أنها ستقع على الأرض، وارتجس إيوانُ كسرى فسقطت منه أربعَ عشْرةَ شُرفة، وخمدت نارُ فارسٍ التي لم تخمُد منذ ألف عام، وغاضت بُحَيرَةُ سَاوَة. لطيفة: وقد كان في هذه الظواهرِ إشاراتٌ لطيفةٌ، منها: إشارةُ النور إلى صفته صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى ما يجيء بـه من النور الذي يبدد الظلمات التي أخرج الطاغوتُ الناسَ إليها، وهو ما بيَّنه الله تعالى بقوله: { .. قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }[المائدة:15-16]. إشارة الاعتماد إلى قوته الشريفة؛ قال سيدنا علي رضي الله تعالى عنه:" لما كان يومُ بدرٍ اتقينا المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وكان أشدَّ الناس بأساً "، وقد أجمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم:" أن سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أشجعُ الناس ". إشارة قبض التراب إلى سُلطته؛ كما قال الله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّـةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ }[سبأ:28]. إشارةُ رفعِ الرأس إلى علو رتبته؛ قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { أنا سيد ولد آدم }. إشارةُ دنوِّ النجوم إلى ذل الكون له، حتى أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يناغي القمر في طفولته؛ كما في الخبر عن سيدنا العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه أنه قـال:" قلت: يا رسـول الله! دعاني إلى الدخول في دينك أمارةٌ لنبوتك: رأيتك في المهد تناغي القمرَ وتشيرُ إليه بإصبعك، فحيث أشرت إليه مال "! قال: { إني كنت أحدثه ويحدثني، ويلهيني عن البكاء، وأسمع وجبته حين يسجد تحت العرش }. وكحادثة الإسراء والمعراج. إشارةُ خمود النار إلى خمود مساوئ الأخلاق؛ وفي الخبر الصحيح: { إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق }. إشارةُ غيض البُحيرة إلى ظهور أمَّته صلى الله عليه وآله وسلم على سائر الأمم ودينه على سائر الأديان بالحجة والبرهان، قال الله تعالى: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ .. }[آل عمران:110]. وكل هذه الإشارات خاصة كانت أو عامة عائدة إلى الأمة امتداداً واحتساباً، فحق لها أن تحيي اليوم الذي أفاض الله تعالى عليها بهذه النعمة العظمى. وهذه الأحداث وأمثالها وما جرى من إرهاصات قبلها كيوم الفيل: دليل على افتتاح نعمة سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بولادته. فالسبب الجامع لإحياء المناسبات الإسلامية: إنما هو طاعة الله تعالى والتقرب إليه بما شرعه من الأفعال نَصاً وتقريراً. الفصل الثاني: في أهداف الإحياء، أي الأمور المطلوبة بفعله. وهي إجمالاً: الغاية من التشريع. وعموماً: تحقيق الذكر، أو كسب الأجر، أو حصول السرور؛ لِما تقرر. ويرجع التفصيل إلى صفة النعمة. فبالنسبة لإحياء المولد الشريف مثلاً، من أهدافه: ذكر نعمة سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحقيقاً للذكر والإحسان لا عن غفلة أو نسيان. تحقيق المصالح الشرعية المترتبة على ذكر خصائص هذه النعمة والقربات المشروعة فيها. السرور الحاصل من إحياء هذه النعمة؛ لاسيما أن سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هو الرحمة المهداة للعالمين، كما قال الله تعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين }[الأنبياء:107]، فالفرح به عينٌ في قول الله تعالى: { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا }[يونس:58]. فائدة: والطاعات المطلوبة تبنى على الانقياد وتتفاضل بالمقاصـد، فترجى أهدافُها بالموافقة وفضائلُها بالنوايا المُوَفَّقة. والمباحات تبنى على النية، فلا بد من ضبطها وإحسانها لتحصيل الأهداف الشرعية. وقد قال الله تعالى: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ }[إبراهيم:7]. { .. قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ }[النمل:40].
واعلم أن بعض فرق هذه الأمة قد انحدروا إلى أخلاق أعدائها! فخاصموا أهل الحق في هذا الأمر، ووقعوا فيهم، واجتهدوا في منع الناس من الإحياء لاسيما إحياء المولد الشريف!! وما يدندن حوله هؤلاء المبتدعة المتفيقهون _ هداهم الله تعالى إلى الحق المبين _ إنما هو: عدم فعل الشارع لنفس الأمر مع قيام المقتضي! وهـذا منطق من لا يعرف التشريع ولا يفقه أصوله وأدلتـه؛ إذ لو كان ما لم يفعله الشارع بعينه محظورا لتجمدت الشريعة ولم تصلح لزمنها فضلاً عن سائر الأزمنة من بعـد. فمن مسـاوئه: تعطيل الاستنباط والاجتهاد المنصوص عليه بقول الله تعالى: { وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً }[النساء:83]، وخبر الاجتهاد الصحيح: { إذا اجتهد الحاكم فأصاب .. }. وهو تَقَوُّل على الله تعـالى! القائل: { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَـاوِيلِ * لأَخَذْنَـا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ }[الحاقة:44-46]. فنعظهم: أن اتقوا الله تعالى، و { لا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا، قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا، فَلْيَحْـذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }[النور:63]. ولا يخفى! أن سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد فعل أشياء لم يلزم بها أصحابه، وندب للبعض ما لم يندبه لغيره في نفس الأمر .. الخ، فضلا عما صرح به في هذا الباب وذكرت بعضه في بحث أحكام الإحياء المتقدم. والحمد لله رب العالمين. خادم الحق طارق بن محمد السَّعْدِي
|