فضل الجهاد في سبيل الله

قال الشيخ عبد الرحمن الصفوري الشافعي في كتابه نزهة المجالس:"

قال الله تعالى: { ولا تحسبن الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يُرزقون } الآية ..

قيل: لما نزل قوله جل ذِكره { هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم }؟ فقالوا: لو نعلم ما هي لاشتريناها بالأرواح والأموال والأهل، فنزل: { تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله } ..

(موعظة) قال النبي : { لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله تعالى أرواحهم في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنة فتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد، فقال تعالى: { أنا أبلغهم عنكم }، فأنزل الله تعالى { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً } الآية }.

وفي صحيح مسلم: { من سأل الله الشهادة بصدق أناله الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه }.

وعن علي عن النبي قال: { إن الغزاة إذا هموا بالغزو كتب الله لهم براءة من النار، فإذا تجهّزوا لغزوهم باهى الله بهم ملائكته، فإذا ودعهم أهلهم بكت عليهم الحيطان والبيوت، ويخرجون من ذنوبهم كما تخرج الحية من سلخها، ويوكل الله بكل رجل منهم أربعين ألف ملك يحفظونه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، ولا يعمل حسنة إلا ضعّفت له، ويكتب له كل يوم عبادة ألف رجل يعبدون الله ألف سنة كل سنة ثلثمائة وستون يوماً اليوم مثل عمر الدنيا، فإذا صاروا بحضرة العدو انقطع علم أهل الدنيا عن ثواب الله إياهم، فإذا برزوا لعدوهم وشرعت الأسنة وفوقت السهام وتقدم الرجل إلى الرجل حفتهم الملائكة بأجنحتها ويدعون الله لهم بالنصرة والتثبيت ونادى مناد الجنة تحت ظلال السيوف، فتكون الضربة والطعنة على الشهيد أهنأ من الماء البارد في اليوم الصائف، فإذا زال الشهيد عن فرسه بطعنة أو ضربة لم يصل إلى الأرض حتى يبعث الله تعالى زوجته من الحور العين فتبشره بما أعد الله له من الكرامة مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ويقول الله تعالى: { أنا خليفته على أهله، من أرضاهم فقد أرضاني، ومن أسخطهم فقد أسخطني }، ويجعل الله تعالى روحه في حواصل طيور تسرح في الجنة حيث شاءت، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة بالعرش، ويعطى الرجل منهم سبعين غرفة من غرف الفردوس سمك كل غرفة كما بين صنعاء والشام يملأ نورها ما بين الخافقين، في كل غرفة سبعون خيمة، في كل خيمة سبعون سريراً من ذهب قوائمه الدر والزبرجد، على كل سرير أربون فراشاً غلظ كل فراش أربعون ذراعاً، على كل فراش زوجة من الحور العين عربا _ أي عاشقات لأزواجهن _ أترابا _ أي على سن واحد _ لها سبعون ألف وصيف وسبعون ألف وصيفة صفر الحلي بيض الوجوه عليهم تيجان اللؤلؤ وعلى رقابهم المناديل وبأيديهم الأكواب والأباريق، فإذا كان يوم القيامة فوالذي نفسي بيده لو كان الأنبياء على طريقهم لترجلوا لهم لما يرون من بهائهم، حتى أن الرجلين ليختصمان أيهما أقرب جوارا، فيقعدون معي ومع إبراهيم على مائدة الخلد، وينظرون إلى الله تعالى كل يوم بكرة وعشياً }[حكاه العلائي في آل عمران].

وعن جابر بن عبد الله عن النبي : { من رابط يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار سبع خنادق كل خندق منها مثل سبع سماوات وسبع أرضين }[رواه الطبراني]، وقال : { من رابط ليلة في سبيل الله كانت له كألف ليلة قيامها وصيامها }[رواه ابن ماجة]، وقال : { كل ميت يختم له على عمله إلا المُرابط في سبيل الله فإنه ينمي له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتنة القبر }[رواه الترمذي وقال حسن صحيح] ..

(حكاية) قال أبو قدامة الشامي أميراً على قوم فدعوت الناس إلى الجهاد، فجاءت امرأة بورقة وصرّة، فإذا في الورقة ( إنك دعوتنا للجهاد ولا قدرة لي، وهذه الصرة فيها ضفيرة شعري فخذها قيدا لفرسك لعلّ الله يرحمني بذلك، فلما صادفنا العدو ورأيت صبيا يقاتل فزجرته رحمة له، فقال: كيف تأمرنا بالرجوع وقد قال الله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار }، ثم قال: أقرضني ثلاث سهام، فقلت: بشرط إن مَنّ الله تعالى عليك بالشهادة أن أكون في شفاعتك، قال: نعم، فقتل ثلاثة علوج ثم أصابه سهم، فقلت له: لا تنس، قال: لا، ولكن لي إليك حاجة، أقرئ أمي السلام وادفع لها متاعي، فهي التي أعطتك شعرها، فدفنته في قبره فقذفته الأرض، فقلت: لعله خرج بغير رضا أمه، ثم صليت ركعتين ودعوت الله تعالى فسمعت صوتا يقول ( يا أبا قدامة،  دع ولي الله )، فنزلت طيور فأكلته، فرجعت إلى أمه، فقالت: تعزيني أم تهنئني؟ فقلت لها: ما معنى ذلك؟ قالت: إن كان مات تعزيني، وإن كان قتل تهنئني، فقلت لها: قد قتل، قالت: فأخبرني بالعلامة، فقلت: جاءت طيور فأكلته! فقالت: صدقت؛ إنه كان يقول ( اللهم احشرني في حواصل الطير )، وقد استجاب الله دعاءه.

(فائدة) قال النبي : { إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله }[رواه أبو داود]، قال البغوي:" (مُنْبِله) بضمّ الميم وسكون النون وكسر الباء الموحدة: هو الذي يناول الرامي السهام ".

وقال النبي : { من رمى بسهم في سبيل الله كان له نورا يوم القيامة }[رواه البزار بإسناد حسن]، وفي رواية: { كان كمن أعتق رقبة }[رواه ابن حبان في صحيحه] ..

(حكاية) قال بعض الصالحين: رأيت رجلا في الطواف يقول: يا سيدي، ما فعلت بالمحروم؟! فسألته عن ذلك، فقال: كنا عشرة نجاهد في سبيل الله، فأخذنا العدو وأمر كبيرهم بضرب رقابنا، فنظرت في الهواء فرأيت عشرة من الحور العين، فكلما ضرب عنق واحد نزلت جارية ومعها منديل من الجنة فتأخذ روحه وتصعد بها إلى السماء، فلما انتهى إليّ السيّاف تقرّبت مني جارية، فحصل فيّ شفاعة فتركوني، فصعدت وهي تقول: يا محروم .. يا محروم ..

(حكاية) لما حاصر النبي خيبر جاءه عبد أسود فقال: يا رسول الله، اعرض علي الإسلام، فأسلم .. ثم قاتل مع المسلمين حتى قُتل، فأتوا به إلى النبي فأعرض عنه، فقيل له: يا رسول الله، ولم أعرضت عنه؟ قال: { لأن معه زوجته من الحور العين تنفض التراب عن وجهه وتقول: ترّب الله وجه من ترّب وجهك، وقتل مَن قتلك } ..

(فائدة) الشهداء تسع: من مات تحت هدم، والغريب، والمقتول دون ماله، والمبطون، والمطعون، والغريق، والحريق، وذوات الطلق، والمقتول في سبيل الله خصوصاً إذا غزا في البحر؛ قال النبي : { غزوة في البحر خير من عشر غزوات في البرّ }[رواه البيهقي]، وقال : { من غزا في البحر غزوة في سبيل الله تعالى _ والله أعلم بمن غزا في سبيله _ فقد أدى إلى الله طاعته وطلب الجنة كل مطلب، وهرب من النار كل مهرب }[رواه الطبراني في معاجيمه الثلاثة] .. والمقتول ظلما شهيد أيضاً ..

(فائدة) قال في شرح المهذب: سمي الشهيد (شهيدا) لأن الله تعالى ورسوله شهدا له بالجنة. وقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدون روحه فيقبضونها. وقيل: لأن روحه تشهد دار السلام وروح غيره لا تشهدها إلا يوم القيامة. "انتهى مختصراً