|
أحكام الأناشيد والمعازف
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله و بركاته. وبعد: شيخي وأستاذي طارق بن محمد السعدي، أريد أن أستفتيك في أمرِ الأناشيد الإسلامية: يقول البعضُ: أنها تكون محرمة إذا دخل فيها " الدف "! فهل هذا صحيح؟ وهناك من لا يعارض على " الدف "، ولكن يقول: أن " الطبل " حلال؛ لأنه نفس آلة الدف، فهل هذا صحيح؟ جزاك الله خيراً، ووفقك الله لما يحبه ويرضاه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ذي الحمد المجيد، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد خير العَبيد، ثم على المُبَشِّرين به وآله وصَحْبِه وخُلفائه وورثته إلى يوم المَزيد. عزيزي ..، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته.
وبعد:
فليس " الدّف " آلة محرّمة؛ فقد صحَّ أن أمَّنا السَّيِّدة
عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:"
دَخَلَ عَلَيّ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي
الأَنْصَارِ تُغَنّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الأَنْصَارُ يَوْمَ
بُعَاثٍ، وَلَيْسَتَا بِمُغَنّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:
أَبِمُزْمُورِ الشّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه
وسلم؟! وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله
عليه وسلم:
قلت: وفي هذا الحديث فوائد: أولاً: أن الشارع كان قد قضى تحريمَ " الغناء والمعازف " بِالإجمال؛ كما يُفهم من إطلاق سيدنا أبي بكر الصِّديق رضي الله تعالى عنه التَّحريمَ بين يدي سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ثانياً: أن الشارع بيَّن المراد من هذا الإجمال: بكونه في " الغِناء المشتمل على ما يهيج النفوس على الشر ويحملها على الإثم "، لا فيما جاز: مما اشتمل على مصالح أو خلا من المَفاسِد، وفي " آلات مخصوصةٍ من المعازف ": [1] فأما " الغناء ": فلِمَا في الحديث:" تُغَنّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثٍ، وَلَيْسَتَا بِمُغَنّيَتَيْنِ "، وما تقاولت به الأنصار يومئذٍ مشهورٌ بَيِّن عدم اشتماله على ما ذكرنا من المفاسد. وقولها " تغنيان .. وليستا بمغنّيتين ": تفريق بين ما بات يُعرف بـ" النَّشِيْد "، ويُسمَّى غناء؛ لِمُمَاثلَتِه الغِنَاء في وجوه، وبين " الغناء الفاسِد " الذي وُضِع لفظ " الغِناء " له. وقد ثبت عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم الإنشاد والترنم والحداء، وفعلهم لذلك في حضرة سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم. [2] وأما " بعض المعازف ": فلأن الشَّارع حرَّم " الأوتار والمزامير "؛ كما يُفيد النّصُّ بعد عرضه على القرائن المُحْتَفَّة به كالعِلَّة، والإذن بالدّفّ في هذا الحديث ونحوه .. الخ. فيكون البعض المأذون به: كل ما لا وَتَرَ فيه ولا مِزمَار؛ لعدم نصّ الشارع على حُرمة ذلك، وفساد عِلَّة القياس على الأوتار والمزامير. وعليه: فإن " الدف والطبل " جائز على التحقيق وإن منع منه البعضُ بناءً على ما ذكرنا من العلة الموهومة الفاسدة.
ثالثاً: أن الشارع قد ينهى عن الشيء باعتبار دوافعه لا لحرمة ذاته،
الأمر الذي يؤدي إلى تغيير الحُكم عند تغيُّر الدّوافـع؛ لقول سيدنا
رَسُول اللهِ محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم:
فليس الأناشيد مع أو من غير الدفّ والطبل حرام .. ولكنا نَسْتحبّ ترك ما سوى الدّفّ؛ للخروج من خلاف من مَنَع منها، عملاً بقاعِدة: الخُروجُ مِنَ الخِلاف مُسْتَحَب.
هذا،
ومِن فضل الإعراض عن " الغناء والعَزْف الفاسد " غير كونه طاعة: ما
جاء في الخبر أن سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قال:
تنبيه: فإن تحدثت نفسُ العبد باستغراب لَذَّة سَماع صوت تلك الشجرة، وما تُصوّت به؛ فلِجَهلِ العَبْد: أن العبرة باللذة وإشباع الرغبة، لا بالمُصوّت وعِباراته، لذلك تجد لذة سماع الغِناء وحتى المعازف بالجملة تختلف بين عبد وآخر. فائدة: وما صدر عن سيدنا أبي بكر رضي الله تعالى عنه من الإنكار في مجلس سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إنما كان لظنه أنه غير عالم به؛ لكونه دخل فوجده مغطى بثوبه _ كما في بعض الروايات _ فظنه نائماً، فتوجه بالإنكار مستصحباً ما تقرر عنده من حظر الغناء والمعازف. والحمد لله رب العالمين. خادم الحق طارق بن محمد السَّعْدِي
|