معاملة الوالدين

:"

بسم الله الرحمن الرحيم

[ مقدمة ] ..

قال الله تعالى: { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً }[النساء:36]، مخاطباً الناس بلزوم الإحسان بالوالدين كما لزمهم عبادة الله تعالى، وإنما ثنى بذلك رغم أنه من العبادة أدباً ومعاملةً: لعِظم الشّأن، وشدة خطر الإساءة فيه.

لطيفة: ومن لطائف إيراد الأمر على هذا النحو: أن من لم يحفظ حقّ الوالدين اللذين كانا سبب وجوده، وبالتالي أنكر نعمتهما عليه، فإنه لا يحفظ حقّ الله تعالى، ولا يشكر نعمته التي لا تُحصى. فكأن المرء مع ذلك: يُروّض نفسه على حفظ حقّ الله تعالى وشكره بحفظ حقِّ والديه وشكرهما.

وقال : { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا }[العنكبوت:8]، فجعل الإحسان بالوالدين وصيّةً بعد الطلب اللازم: تأكيداً لما أشرنا إليه من عظيم شأنه وشدة خطره.

ثم قال : { وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا: إما يبلغن عندك الكبرَ أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما، واخفض لهما جناح الذّلّ من الرّحمة وقُل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيراً }[الإسراء:23-24]، مشيراً إلى أصول الإحسان بالوالدين:

*/ بأن يتحمل الابن عبأهما أو أذاهما الخَلقي أو الخُلُقي.

*/ وأن لا يواجههما بمكروه في القول أو الفعل، ولو كان منهما ما يكره.

*/ وأن يتخير أكرم الكلام في حديثه معهما، لاسيما عندما يصدر منهما ما يكره.

*/ وأن لا يتعالى عليهما وإن كان شأنه بين الناس عالياً.

*/ وأن يسعى في مصالحهما المباشرة ( بالاجتهاد في تحقيق طلبهما والانفاق عليهما )، وغير المباشرة ( بفعل ما فيه المصلحة لهما كالدعاء، وما يسرهما من أمور الدنيا أو الآخرة ).

والإحسان بالوالدين مطلوب ولو مع إساءتهما، وقول الله تعالى: { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما } يعني: لا ترتكب ما يأمرانك به من المعصية لله تعالى، ولكن مع ذلك ليس من الأدب الإساءة في إظهار الرفض، أو مقابلتهما بالسوء لطلبهما؛ فقد أتْبَعَ اللهُ ذلك بقوله: { وصاحبهما في الدنيا معروفا }، والمعروف: هو ما عرّفه في الأصول المتقدمة، وبينه فيها وفيما أوحاه إلى سيدنا رسول الله محمد من الحكمة والبيان.

وبرّ الأم ألحّ من برّ الأب في الطلب؛ لضعفها وانخفاض جناحها، ما قد يغرّ الابن فيستخف بها ويعقّها، بخلاف الأب؛ فإنه غالباً له هيبة عند الابن تدعوه لخفض الجناح له وبرّه.

لذلك قال الله تعالى: { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمّهُ وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك }[لقمان:14]، وقال سيدنا رسول الله محمد لرجل سأله:" من أحقَّ الناس بحسن صحابتي؟ ": { أمّك }، فقال: ثم مَن؟ قال: { أمّك }، فقال: ثم مَن؟ قال: { أمّك }، فقال:" ثم مَن؟ قال: { أبوك }[متفق عليه].

وحكي:" أن سيدنا موسى قال: يا ربّ أوصني؟ قال: { أوصيك بأمك }، قال: أوصني؟ قال: { أوصيك بأمك }، حتى قال في التاسعة: { يا موسى، من برّ والديه كنت له ولياً في الدنيا، وفي القبر مؤنساً، وفي الحشر رحيماً، وعلى الصراط دليلاً، وفي الجنة محدثاً: يكلمني وأكلمه بلا واسطة } ".

كما أن الله تعالى قد رتّب جزاءً آخر عاجلاً على معاملة الوالدين، وهو ما بينه سيدنا رسول الله محمد بقوله: { بِرّوا آباءَكم تبرّكم أبناؤكم }، يعني: بِرّوا آباءكم ذكوراً وإناثاً تبرّكم أبناؤكم كذلك. وبالتالي: من عقَّ آباءه عقَّه أبناءَه.

فكما تدين تُدان، وفي الأثر:" البِرّ لا يبلى " أي: يثيب الله تعالى فاعله، ولا ينقطع ثناء الناس عليه، " والذّنب لا يُنسى " أي: يحاسب عليه الله تعالى جزاءً، ولا ينقطع ذم الناس له، " والديان لا يموت " وهو الله تعالى، " اعمل ما شئت " تهديد للعامل؛ والسبب: " كما تدين تُدان " أي: كما تفعل يُفعل بك، فإن فعلت حسناً جوزيت بمثله عند الله تعالى وعند الناس، أو سوءاً فكذلك.

قال وهب :" أوحى الله تعالى إلى موسى : وقِّر والديك؛ فإن مَنْ وقَّرَ والديه: مددت له في عمره، ووهبت له ولداً يبَرّه. ومن عقَّهما: قصَّرت عُمره، ووهبت له ولداً يعقّه ".

حُكي:" أن سيدنا سليمان كان يطير بين السماء والأرض على الريح، فمر يوما على بحر عميق، فرأى فيه موجاً هائلاً من الريح، فأمر الريح فسكنت، ثم أمر الشياطين أن تغوص في الماء لتنظر ما فيه، فانغمسوا واحدا بعد واحد، فوجدوا قبة من زمرّدة بيضاء لا باب لها، فأخبروه بها، فأمر بإخراجها، فأخرجوها فوضعوها بين يديه، فتعجب منها! فدعا الله تعالى، فانفلقت وفتح لها باب، فإذا فيها شاب ساجد لله تعالى. فقال له سيدنا سليمان : أمِن الملائكة أنت أم من الجن؟ فقال: لا، بل من الإنس. فقال له: بأي شيء نلت هذه الكرامة؟ قال: ببرّ الوالدين؛ لأني كانت لي أم عجوز، وكنت أحملها على ظهري، وكان من دعائها: اللهم ارزقه السعادة، واجعل مكانه بعد وفاتي لا في الأرض ولا في السماء، فلما ماتت كنت أدور بساحل البحر، فرأيت قبة من زمرّدة بيضاء، فلما دنوت منها انفتحت لي، فدخلت فيها فانطبقت علي بقدرة الله تعالى، فلا أدري أنا في الأرض أو في الهواء أو في السماء، ويرزقني الله تعالى فيها. فقال له سيدنا سليمان : كيف يأتيك رزقك فيها؟! قال: إذا جعت، يخرج من الحجر الشجر، ويخرج من الشجر الثمر، وينبع منه ماء أبيض من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج، فآكل وأشرب، فإذا شبعت ورويت زال ذلك. فقال له سيدنا سليمان : كيف تعلم الليل من النهار؟! فقال: إذا طلع الفجر ابيضت القبة واستنارت، وإذا غربت الشمس أظلمت، فأعرف بذلك النهار والليل. ثم دعا الله تعالى، فأطبقت القبة وصارت كبيضة النعامة، وعادت إلى محلها في قاع البحر! والله على كل شيء قدير.

وبلغني: أن رجلاً جاء إلى أحد الوجهاء في قومه، يستجير من ابنٍ له يتبعه ببندقيّة يريد قتله، فلما نظر إليه الوجيه قال: ألست فلان بن فلان؟ قال: بلى! قال: يا سبحان الله! قد جاءني والدك من قبل مستجيراً منك وكنت تتبعه بعصاً تريد ضربه، وها هو التاريخ يعيد نفسه، لكنه عليك هذه المرّة!!

فاتقوا الله أيها الناس، واعلموا أن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان.

[ دعاء ] .. "انتهى