الصَّبر

:"

بسم الله الرحمن الرحيم

[ مقدمة ]

قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا }[آل عمران:200].

وقال : { ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشّر الصابرين }[البقرة:155].

وقال : { استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين }[البقرة:153].

وقال سيدنا رسول الله محمد : { من كظم غيظاً وهو قادر على أن يُنفذَه، دعاه الله سبحانه على رؤوس الخلائق يوم القيامة، حتى يُخيّره من الحور العين ما شاء }[إسناده حسن، رواه أبو داود والترمذي].

وقال : { من يتصبر يُصبّره الله، وما أعطيَ أحدٌ عطاءً خيراً وأوسعَ من الصبر }[متفق عليه].

وقال يُرغّب أهل البلاء والأسقام بالصبر: { يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاءً إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبهُ إلا الجنّة }[رواه البخاري].

وقال لامرأة مريضة: { إن شئت صبرت ولك الجنة .. }[متفق عليه].

وقد فقه سلفُنا الصالح الخطاب بالصبر، فما كان منهم إلا المسارعة إلى اغتنام هذه الفضيلة، والتزام هذا الخلق، وطبقها في واقعه:

فعن أنس بن مالك قال:" كان ابن لأبي طلحة يشتكي، فخرج أبو طلحة، فقبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ قالت زوجته: هو أسكن ما كان، فقرّبت إليه العشاء فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغَ قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، فقالت: فاحتسب ابنك، وقالت: واروا الصبي، فلما أصبح أبو طلحة أتى سيدنا رسول الله محمداً فأخبره، فقال : { اعرَّستم الليلة }؟ قال: نعم، قال: { اللهم بارك لهما }، فولدت غلاماً "[متفق عليه]. قال رجل من الأنصار :" فرأيت تسعة أولاد لأبي طلحة، كلهم قد قرؤوا القرآن "[رواه البخاري].

ويُحكى عن أحد الصالحين أنه قال: خرجت حاجا إلى بيت الله الحرام، فبينما أنا أطوف، وإذا بامرأة قد أضاء حُسنُ وجهها، فقلت: والله ما رأيت إلى اليوم قط نضارةً وحسناً مثلَ هذه المرأة، وما ذاك إلا لقلة الهمّ والحزن!

فسمعت ذلك القول مني، فقالت: كيف قلت هذا يا رجل؟! والله إني لوثيقة بالأحزان، ومكلومة الفؤاد بالهموم والأشجان، ما يشركني فيها أحد.

فقلت: وكيف ذاك؟!

فقالت: ذَبَح زوجي شاة ضحّينا بها، ولي ولدان صغيران يلعبان، وعلى ثديي طفل يرضع، فقمت لأصنع لهم طعاما، إذ قال ابني الكبير للصغير: ألا أريك كيف صنع أبي بالشاة؟ قال: بلى، فأضجعه وذبحه وخرج هارباً نحو الجبل فأكله الذئب، فانطلق أبوه في أثره يطلبه فأدركه العطش فمات، فوضعت الطفل وخرجت إلى الباب أنظر ما فعل أبوهم، فدبّ الطفل إلى البرمة وهي على النار فوضع يده فيها فصبّها على نفسه وهي تغلي فانتثر لحمُه عن عظمه، فبلغ ذلك ابنة لي كانت عند زوجها فرمت بنفسها إلى الأرض فوافقت أجلها! فأفردني الدهرُ من بينهم.

فقلت لها: كيف صبرُك على هذه المصائب العظيمة؟!

فقالت: ما من أحد ميّزَ بين الصبر والجزع، إلا وجد بينهما منهاجاً متفاوتاً، أما الصبر بحسن العلانية: فمحمود العاقبة، وأما الجزع: فصاحبه غير معوّض.

ثم أعرضت عني وهي تنشد:

صبرت  وكان الصبرُ غيرَ معوّل   ***   وهل جزَعٌ يُجـدي عليَّ فأجـزعُ

صبرتُ على مَنْ لو تحمَّلَ بعضَه   ***   جِبـالٌ شُـرُودٌ  أصبحت تتصدَّعُ

ملكتُ دموعَ العين حتى رددتهـا   ***   إلى ناظريَّ فالعين في القلب تدمعُ

[ دعاء ] .. "انتهى