الجهاد في سبيل الله

في محاضرة حول ( الجهاد في سبيل الله تعالى ):"

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الأحد الصَّمد؛ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، نصر عبده، وأيّد جنده، وهزم الأحزاب وحده؛ لا إله إلا هو ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه وخلفائه وورثته وأتباعه الصالحين، في كل لمحة ونفَسٍ بعدد كل معلوم له أبد الآبدين ودهر الداهرين.

وبعد: فقد مَنَّ الله تعالى علينا بالجهاد، وفضَّل أهله على سائر العباد؛ فقال : { وفَضَّل اللهُ المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً * دَرَجات منه ومغفرةً ورحمةً وكان اللهُ غفوراً رحيماً }، أما " الدّرجات ": فأخبر عنها سيدنا رسول الله محمد بقوله: { إن في الجنة مئةُ درجة أعدّها الله تعالى للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدَّرجتين كما بين السماء والأرض }. و " المغفرة ": فقد ثبت أن الله تعالى يُكَفِّرُ للمجاهد إن قبضَه كافَّةَ ذنوبه. و " الرحمة ": تتمثّل في ضربين: دنيوي، وسنأتي على بيانه إن شاء الله تعالى. وأخروي، وهو على مرحلتين: الأولى: في البرزخ كما قال الله تعالى: { ولا تحسبن الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يُرزقون * فرحين بما آتاهم اللهُ من فضله }، قال سيدنا رسول الله محمد : { أرواحهم في جوفِ طيرٍ خَضرٍ لها قناديلُ معلّقةً بالعرش تسرحُ من الجَنَّة حيث شاءت }. الثانية: في الآخرة، وهي دخول درجته التي نالها من الجنة حامداً شاكراً. وقد جمع الله تعالى ذلك في قوله: { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة  تنجيكم من عذابٍ أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيله بأموالكم وأنفسِكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهارُ ومساكنَ طيّبة في جنات عدن، ذلك الفوز العظيم * وأخرى تحبونها نصرٌ من الله وفتح قريب وبشِّر المؤمنين }. لذلك قال سيدنا رسول الله محمد : { رأس الأمر وعموده وذروة سنامه: الجهاد في سبيل الله }، فكونه " في سبيل الله تعالى " دلَّ أنه مبني على الإيمان بالله تعالى كما قال : { الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله }، ومعنى " في سبيل الله تعالى ": أنه لإعلاءِ كلمة الله تعالى بتحقيق حكم الإسلام وحقِّه، دون حظوظ النفس كالشجاعة والحمية؛ قال سيدنا رسول الله محمد : { من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله }، وهذا يستدعي بيان مبادئه.

فأقول مستعيناً بالله تعالى استعانة من لا حول له ولا قوة إلا به:

الجهاد في اللغة: المبالغة واستفراغ الوسع في طلب الشيء. وفي الشَّرع: على ضربين: أحدهما: المجاهدة في تزكية النفس، وليس هو موضوعنا هنا. ثانيهما: القتال في سبيل الله تعالى؛ قال الله تعالى: { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله }، { كتب عليكم القتال }، وهو على قسمين:

القسم الأول: ابتدائي أو غزو: وهو المطلوب لتحقيق حكم الإسلام ( المتمثّل بنشر الدعوة وتحكيمها )، وذلك إذا امتنع الكفار عن الإسلام أو الجزية _ إن كانوا من أهل الكتاب ومن في معناهم _ لأنهم طواغيت يَحُولون دون تحقيق الهدف المذكور؛ قال الله تعالى: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يُحِبّ المُعتدين }، وقال سيدنا رسول الله محمد : { يا أيها الناسُ لا تتمنوا لقاءَ العَدو واسألوا اللهَ العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا؛ واعلموا أن الجنة تحتَ ظِلال السيوف } يعني: وما في معناها من آلات الحرب. ومما يتعلق بهذا القِسم خاصّة:

·   حكمه: فرضُ كفاية على كل ذكرٍ مسلم عاقل مستطيع رَضِي والداه ( إن كانا مسلمَين ) وأصحاب الحقّ عليه، إذا قام به من فيه كفاية سقط عن الباقين؛ لقول الله تعالى: { فَضَّل اللهُ المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجةً وكلاً وعد اللهُ الحُسنى }، فلو كان فرض عين لما فاضل بين المجاهدين والقاعدين ووعد كليهما بالحسنى.

·   عدّته: أدناها الكفاءة، وأتمّها الزيادة على عدة العدوّ؛ قال الله تعالى: { وأعدُّوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ومن رِباط الخيل تُرهِبون به عدوَّ اللهِ وعدوَّكم }، فالإشارة بـ " القوة " إلى المجاهدين، و بـ " رباط الخيل " إلى العتاد. وقوله عز وجل { ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم }: بيان للحكمة من تخصيص هذا الطلب بالزيادة ( أعني: إن حُمِل معنى { ما استطعتم } على أكثر ما تستطيعون )؛ إذ رؤية العدو لكثرة المجاهدين وعتادِهم تخيفه من الامتناع عن حكم الإسلام، ويتجلى ذلك في قول الله تعالى حكاية عن سيدنا سليمان : { ارجع إليهم فلنأتينّهم بجنود لا قِبَلَ لهم بها ولنُخرجنّهم منها أذلةً وهم صاغرون }.

القسم الثاني: دفعي، ويُسمى نَفِيْر: وهو المطلوب لتحقيق حقّ الإسلام ( المتمثّل بحماية الدعوة والأمة التي آمنت بها والحرمات التابعة كأرض الإسلام )، وذلك إذا اعتدى الكفار عليه؛ قال الله تعالى: { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم }. ومما يتعلق بهذا القِسم خاصّة:

·   حكمه: فرضُ عينٍ على كلّ مسلمٍ من أهل البلد ( باعتبار أن المعتدى عليه بلد ) فمن تلاهم إلى أن تحصل الكفاءة في اتقاء عدد العدو وعدته حتى يتم دفع العدوان ويثبت حقّ الإسلام على ما كان. فإن كان الحال كما هو اليوم مشتتاً فالفرضُ على كل مستطيع ولو كان في آخر الدنيا.

·   عدته: ما تيسَّر؛ لظاهر قول الله تعالى: { وأعدُّوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ومن رِباط الخيل تُرهِبون به عدوَّ اللهِ وعدوَّكم }، وأنَّ عدم وجود ما يرهب لا يمنع من الجهاد. ومن ثم قال : { فانفروا ثُبَاتٍ أو انفروا جميعاً }، { انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله }.

ومن أهمّ الأمور المتعلقة بالقسمين:

الوسيلة: الأسلحة التي يشرع استعمالها فيه ويتحقق أثره بها، سواء بالرَّمي، أو الالتحام، أو الاقتحام ( وهو ما يُسمى اليوم " العمليات الاستشهادية " ).

الأسلوب: الشِّدة والغِلظة، قال الله تعالى: { أشداء على الكفّار }، { وليجِدوا فيكم غلظة }.

القتـل: فيُقتل الرجال حكماً، وأما النساءِ والصبيان والشيوخ الفانين والرهبان فلا يُقتلوا إلا إن حاربوا، فإن تترّس المحاربون بهم جاز رميهم مع الاتقاء ما أمكن، وكذا لو تترّسوا بمسلمين حال الالتحام، وإن تحصنوا في حصن جاز قطع المدد عنهم للظفر بهم. ويكره قتل ذي الرحم.

الطريقة: ضرب الرقاب أو مواطن الضعف دون تمثيل؛ قال الله تعالى: { فاضربوا فوقَ الأعنقاق واضرِبوا منهم كلّ بنان }، قال سيدنا رسول الله محمد : { قاتلوا من كفر بالله .. ولا تمثّلوا }.

الآثـار: وهي الأمور المترتبة على الجهاد ميدانياً، منها:

·   الأسر: وهو اعتقال الكفار، فيكون " الأطفال والنساءُ " أرِقّاءَ حكماً، وأما " الرِّجالُ " فأمرهم إلى الإمام فيما فيه الأصلح من حقِّ الإسلام: له أن يقتلهم، أو يسترقّهم، أو يفديهم بالمالِ أو أسرى المسلمين، أو يمنّ عليهم بالحريَّة، بحسب المصلحة في ذلك. فإن أسلم الكافر قبل أسره فقد عصم دمه ونفسَه وماله وصِغارَ أولاده، وكذا المرأة.

·   الغنيمة: وهي المُثَمّن المأخوذ من بلد الحربيين، فتقسم خمسة أقسام، أربعة للمقاتلين، والخامس لمن ذكر الله تعالى بقوله: { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خُمسَه وللرسولِ ولِذي القُربى واليتامى والمساكين وابن السبيل }.

·   السَّلَب: وهو المُثَمّن المأخوذ من المُحاربين بعد قتلهم، فيكون ملكاً لقاتله؛ قال سيدنا رسول الله محمد : { مَن قَتَلَ قتيلاً له عليه بيِّنَةٌ فله سلبُه }.

[ متعلقات أخرى: ]

ترك الجهاد: هو عدم القيام به، قال الله تعالى: { ولا تهِنوا في ابتغاء القوم }، قال الحسن : " جاهدوا عبادَ اللهِ أعداءَ الله .. ولا تتركوا الجهاد في سبيل الله؛ فإن ذلك موجبٌ لنزولِ الذّلِّ والبلاء على أهل الإسلام، وما ترك قوم الجهاد في سبيل اللهِ إلا طمع به أعداؤهم فغزوهم في عقر دارهم، وقد قال ختن الرسول الإمام علي : ما غُزِي قومٌ في عقر دارهم إلا ذُلُّوا "، لكن التركَ ضربان:

·   تخلف: وهو عدمُ خروجِ وإنفاقِ من تعلق به الفرض، أو فِراره من الزحفِ لغير ضعف وتحرُّفٍ لقتال وتحيزٍ إلى فئة، وهو كبيرة موبقة تنذر بسوءِ الخاتمة _ والعياذ بالله تعالى _؛ قال الله تعالى: { قُل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأزواجُكم وعشيرَتُكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارةٌ تخشَون كسادَها ومساكنُ ترضَونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربّصوا حتى يأتيَ اللهُ بأمره، واللهُ لا يهدي القومَ الفاسقين }، وقال : { إلا تنفروا يُعذِّبكم عذاباً أليماً }، وقال : { ومَن يولّهم يومئذٍ دُبُرَه إلا متحرِّفاً لقتال أو متحيّزاً إلى فئة فقد باء بغضبٍ من اللهِ ومأواه جهنّم وبئسَ المصير }، قال سيدنا رسول الله محمد : { اجتنبوا السبعَ المُوبقات } وذكر منها { التولي يوم الزحف }. ويجدر بهذين النظر في حال المتخلفين في عهد سيدنا رسول الله محمد كيف أنه وأصحابه أعرضوا عنهم، فكيف يكون حالهما لو أعرضوا عنهما يوم القيامة وهم لا يعرضون إلا عمن سخط الله تعالى عليه؟

·   قعود: وهو عدم خروج من لم يتعلق به الفرض، فلا إثم عليه لكن يفضله المنفق على الجهاد وإن كان الأخيرُ دون المقاتلين في الجزاء.

السَّلْم: بمعنى المسالمة وترك الحرب والقتل، ينقسم إلى قسمين: هدنة واستئمان:

·   فالهدنة: من السكون، تسمى الصلح والموادعة والمعاهدة والمسالمة: وهي مصالحة الإمامِ أهلَ الحربِ على ترك القتال مدّة معيَّنة، تجوز إن كان الإمام مستظهراً عند ظن المصلحة على مدَّة لا تزيد عن أربعة أشهر؛ لقول الله تعالى: { براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر }، وقيل: تجوز في أهل الكتاب إلى ما دون السنة لأنها مدة الجزية، وإلا _ إن لم تظن المصلحة _ فقد قال الله تعالى: { فلا تهنوا وتدعوا إلى السَّلْم وأنتم الأعلون واللهُ معكم }. وإن كان الإمام غازٍ غير مستظهر تجوز لمدة لا تزيد على عشر سنين؛ لعموم الأمر مع الرخصة الثابتة في صلح الحديبية. ثم للإمام نبذ الهدنة إن خاف الغدر؛ قال الله تعالى: { وإما تخافنَّ من قومٍ خيانةً فانبذ إليهم على سواء }.

·   والاستئمان: هو أن يُؤمن مسلمٌ آحاداً من الكُفار ( كالواحد والعشرة والمِئة وأهل القلعة ) لا يتعطّل بأمانهم الجهاد في ناحية؛ قال الله تعالى: { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلامَ الله ثم أبلغه مأمنه }.

ثمرة الجهاد: أخرويّة وقد تقدم ذكرها، ودنيويّة ( أعني: في الدنيا )، وهي ضربان:

·   خاصّة: لِفِرَقِ الأمَّة، وهي فيما بينهم من التنازع؛ قال الله تعالى: { إن اللهَ يُحب الذين يُقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيانٌ مرصوص }، { والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله، أولئك يرجون رحمة الله } ومقتضى محبةِ ورحمةِ اللهِ تعالى: السلامة من النزاع وما في معناه، ومن ثم قال : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا }.

·   عامّـة: تتمثّل في " قمع أعداء اللهِ تعالى ونصر أوليائه وإقامة حكم وحقّ الإسلام " كما قال الله تعالى: { وأخرى تحبّونها نصر من اللهِ وفتح قريب }، و " الهداية والكرامة ورفع الظلم عن رعيّة الطواغيت ".

نشأت الجهاد: قال الله تعالى: { ولولا دفع اللهِ الناسَ بعضَهم ببعض لفسَدَت الأرضُ }، فبيّن أنه سنَّ الجهادَ مع خلق الناس لدفع الفساد وغير ذلك مما تقدّم، والكلام عن نشأته على وجهين:

الوجه الأول: نشأة الجهاد في الأمم السَّابقة: الظاهر أن الجهادَ فُرِض في كافَّة شرائع الله تعالى؛ كما قال : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنَّة، يُقاتلون في سبيل الله فيَقتُلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم }، وقال : { وكأيِّن من نبيٍّ قاتل معه ربِّيُّون كثيرٌ، فما وَهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضَعُفوا وما استكانوا، واللهُ يُحبُّ الصَّابرين }.

الوجه الثاني: نشأة الجهاد في هذه الأمَّة: الثابت: أن سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم قد خُوطِبَ بالجهاد بعد الهِجرة إلى المدينة المنوَّرة، والصحيح أن الله تعالى أوحى حُكمَه من السنة الثالثة على ثلاث مراحل:

·        المرحلة الأولى: الإذن بالجهادِ دفاعاً، فقال : { وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم }.

·        المرحلة الثانية: إباحة الجهاد ابتداءُ مقيّداً، فقال : { قاتلوا الذين يلونكم من الكفَّار }.

·        المرحلة الثالثة: فرض الجهاد عاماً مطلقاً، فقال : { كُتِبَ عليكم القِتالُ }.

مصائب الجهاد: هي ما يصيب المجاهد في نفسه من موت أو جراح، أما الموت: فهو الشهادة، وقد تقدَّم فضلها والنعمة المترتبة عليها، لكن نُذَكِّرُ هنا: أن البيعة الثابتة في أعناق المؤمنين إلى يوم الدين تشتمل على الموت وعدم ترك الجهاد. وأما الجراح: فمع ما فيها من ثواب الجهاد قد قال سيدنا رسول الله محمد : { ما من مؤمن يُكلَمُ في سبيل الله .. إلا جاء يوم القيامةِ وجرحُه يَثْعَبُ دماً: اللون لون الدم، والريحُ ريحُ المسك }.

المطلوب من المسلمين اليوم تُجاه ما حدثَ من عدوان على حق الإسلام: على وجهين:

الوجه الأول: الجهاد، فيجب على كل مسلم _ من أيّ فرقة كان _ النفورُ في سبيل الله تعالى، سواء أكان الحادث واقعاً على أهل فرقته أو غيرهم من أهل " لا إله إلا الله "، ولا عذر له في التزام حكم الحاكم لبلده؛ إذ لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، وقد تقدم الأمر بذلك وبيان فضله، ومنه قول الله تعالى: { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهبَ ريحُكم واصبِروا إن اللهَ مع الصابرين }.

الوجه الثاني: الاجتماع، وسبيله: أن يُبايع العامَّة من يثقون به من أهل الدِّين، ثم يجتمع هؤلاء الخاصَّة في كل قطر فيبايعوا أحدهم، وهكذا تباعاً حتى ننتهي إلى واحد يتولى أمر المسلمين فيجمعهم ويقيم بهم حقَّ الإسلام ويحقق حكمه، وقد قال سيدنا رسول الله محمد : { من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية }.

تنبيه: ومن توهم العزةَ _ وهي موجب السلامة _ في غير ذلك فهو مغبون؛ لقول الله تعالى: { ولله العِزّة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون }، وقد حذَّر الحكامَ خاصَّة بقوله: { إلا تنفروا يُعذِّبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيرَكم ولا تضرّوه شيئاً }، وفي الأثر أن ابن عمر ذكرَ أموراً يحدثها الناس في دينهم حتى بلغ أمر الجهاد قائلاً: " إذا ترك الناسُ الجهادَ في سبيل الله أنزلَ اللهُ عليهم بلاءً وذلاً فلا يرفعه عنهم حتى يُراجعوا دينهم ".

خاتمة: في بيان الإرهاب: قد كثر ذكر لفظ " الإرهاب " بين الناس في زماننا، والحقُّ أن الإرهابَ: هو التخويف بالقتل، سواء بالتهديد كما قال الله تعالى حكاية عن سيدنا سليمان : { ارجع إليهم فلنأتينّهم بجنود لا قِبَلَ لهم بها ولنُخرجنّهم منها أذلةً وهم صاغرون }، أو بالمباشرة كما في قوله : { فإما تثقفنَّهم في الحرب فشرّد بهم من خلفهم لعلهم يذَّكَّرون }. وهو قسمان:

·   إرهابٌ محمود: يسمى في الشرع " إرهاب "، وهو التخويف بالقتل للإصلاح، ومنه من قوله الله تعالى: { وأعدُّوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ومن رِباط الخيل تُرهِبون به عدوَّ اللهِ وعدوَّكم }؛ إذ يحصل به العدل وحقن الدماء.

·   إرهاب مذموم: يُسمى في الشرع " عدوان "، وهو التخويف بالقتل للإفساد؛ إذ يحصل به الظلم وإهدار الدماء بغير حق. وقد نهى الشرعُ عنه فقال الله تعالى: { ولا تعتدوا إن الله لا يُحب المعتدين }، وشدّد سيدنا رسول الله محمد على ذلك حتى قال: { إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار }، قيل: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: { كان حريصاً على قتل صاحبه }؛ فنهى عن نية العدوان فضلاً عن فعله.

فخرج بذلك الجهادُ في سبيل الله تعالى بقِسميه، خلافاً لما يدَّعيه الكفار وأذنابهم من المنافقين والفجار؛ فإن الأمور بمبادئها وعواقبها: ومبدأ الجهاد صالح لأن واضعه الله تعالى، وعاقبته محمودة بلا شك؛ لأنه يحكِّم الإسلام فيبسط الأمن والسلام، ويرفع الظلم والطغيان كما ظهر مما تقدم، وقال الله تعالى: { عسى اللهُ أن يكف بأس الذين كفروا }.

ومن قصص المجاهدين في سبيل الله تعالى:

الحكاية الأولى: أن خمسين رجلاً من المسلمين خرجوا غزاةً إلى الرّوم، فاستقبلهم سريّةٌ فاصطفّوا وحاربوا، وخرج واحد بعد واحدٍ حتى قُتلوا وبقي رجلٌ واحد، قال الرَّجل: رأيتُ منبراً موضوعاً بين السماءِ والأرضِ، وعلى كل درجةٍ حوريتان معهما كفن ووعاء وإبريق ومبخرة من الجنّة، فكلما استشهَدَ واحدٌ غسلتاه واعتنقاه، فبقي درجة وحوريتان وبقيت أنا، فطمعت في الشهادة إذ شَدَّ فارس من الروم، فلما انتهى إليّ ألقى السلاحَ وأسلَم، فسألته عن ذلك؟ فقال: " حملني على ذلك صبرُكم على القتال حتى قُتلتم إلى آخرِكم، فعلمت أنه ما حملكم على ذلك إلا الدّينُ الحقّ "، ثم شد على من تبقى من الرّوم وهزمهم واستشهد، فنزل الحوريتان وغسلتاه!

الحكاية الثانية: أن أم عمار ( واسمها نسيبة بنت كعب الأنصاريّة ) أنها شهدت أحداً والحُديبية وخيبر وحُنيناً وعُمرة القضاء ويوم اليمامة؛ قال سيدنا رسول الله محمد : { ما التفتّ يوم أحد يميناً ولا شِمالاً إلا وأراها تُقاتل دوني }، وأرَّخ الواقدي: أنها لما قاتلت يوم أحدٍ جُرِحت اثنتي عشرة جراحة، ودَاوت جُرحاً في عُنُقِها سنَةً، وفي مشهد اليمامة رجعت وبها عشر جراحات من طعنة وضربة. "انتهى

--------------------------------

ملاحظة: هذا النص يمثل متن المحاضرة.