ليلة القَدْر

:"

بسم الله الرحمن الرحيم

[ مقدمة ] ..

قال الله تعالى: { إنا أنزلناه في ليلة القَدْر * وما أدراك ما ليلة القَدر * ليلة القَدر خير من ألف شهر * تنزّل الملائكةُ والرّوحُ فيها بإذن ربّهم من كلّ أمر * سلمٌ هي حتى مطلع الفجر }.

سمّيت ليلة القدر " قدراً ": لأن فيها قَدَّرَ اللهُ الأمورَ والأحكامَ والأرزاق والآجال وما يكون، وفيها من كل عام يُظهر للملائكة ما قَدَّرَ للعام المُستَقْبَل، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم؛ قال الله تعالى: { فيها يُفْرَقُ كلّ أمرٍ حكيم }[الدخان:4].

رُوِيَ عن ابن عباس أنه ذَكر لسيدنا رسول الله محمد رجلٌ من بني إسرائيل حَمَل السلاحَ على عاتِقِه في سبيل الله ألف شهرٍ، فتعجّب سيدنا رسول الله محمد لذلك، وتمنى ذلك لأمّته فقال: { يا ربّ، جعلت أمتي أقصَرَ الأمم أعمارا وأقلّها أعمالا }؟ فأعطاه الله تعالى " ليلة القَدر " خيرٌ من ألف شهر.

وقيل: إن الرجل فيما مضى ما كان يُقال له عابِدٌ حتى يعبد اللهَ تعالى ألف شهر، فأعطينا ليلة إن أحييناها كنا أحقّ بأن نُسمّى " عابدين " من أولئك العُبّاد.

وهي منحصرة في العشر الأخير من رمضان، لا تنتقل منه إلى غيره؛ لحديث أمّنا السَّيّدة عائشة t قالت: كان رسول الله يُجاوِرُ في العَشْر الأواخِر من رمضان، ويقول: { تحرّوا ليلة القَدر في العشرِ الأواخر من رمضان }[متفق عليه]، ثم قال سيدنا رسول الله محمد : { تحرّوا ليلة القَدرِ في الوتر من عشر الأواخر من شهر رمضان }.

قيل: تلزم ليلة منها بعينها على المُعتمد، فمن عرفها في سنة عرفها فيما بعدها.

وقيل: أنها تنتقل من ليلةٍ إلى أخرى منها، وأرجاها: ليلة الحادي والعشرين، أو الثالث والعشرين، أو السابع والعشرين.

قال حجة الإسلام الغزالي وغيره:" أنها تُعلم باليوم الأول من الشَّهر، فإن كان أوله يوم الأحد أو الأربعاء: فهي ليلة تسع وعشرين، أو يوم الإثنين: في ليلة إحدى وعشرين، أو يوم الثلاثاء أو الجمعة: فهي ليلة سبع وعشرين، أو الخميس: فهي ليلة خمس وعشرين، أو يوم السبت: فهي ليلة ثلاث وعشرين.

وقد نظمها بعضُهم بقوله:

يا سائلي عن ليلة القَدرِ  التي   ***   في عَشر رمضان الأخير حلّت

فإنهـا في  مُفردات العَشـرِ   ***   تُعرَف من  يوم  ابتـداء الشّهر

فبالأحـد والأربعاء:  التاسعة   ***   وجُمعة مع  الثلاثاء:  السّـابعة

وإن بـدا الخميس: فالخامسة   ***   وإن بـدا بالسبت:  فالثـالثـة

وإن بدا الإثنين: فهي الحادي   ***   هـذا عن الصُّوفيّـة الزُّهـاد

ومن حكمة إبهامها في العشر: إحياءُ جميع الليالي المذكورة، وهي من خصوصيات هذه الأمّة، وباقية إلى يوم القيامة.

وفي أعمال هذه الليلة المباركة يقول سيدنا رسول الله محمد : { مَن قام ليلة القَدْرِ } أي: أحياها، وإحياؤها على مراتب: أعلاها: إحياء الليل كلّه بأنواع العبادة، وأوسطها: إحياء معظم الليل، وأدناها: صلاة العشاء والفجر في جماعة، { إيماناً } أي: تصديقاً بوعد الله تعالى بالثواب عليه، { واحتِساباً } أي: إخلاصاً وطلباً للأجر عند الله تعالى، لا لرياءٍ ونحوه، { غُفِرَ له ما تقَدّم من ذَنبِه } قيل:" أي ما تقدّم من الصّغائر، أو الأعمّ دون التّبعات التي هي حقوق الآدميين؛ فهذه لا يُكفّرها إلا الاستحلال من مستحقّها "اهـ، وفي رواية: { وما تأخّر }.

وفي الأثر:" مَن قامَ ساعةً في ليلةِ القَدرِ، قَدرَ ما يحلبُ الراعي شاةً: أحبّ إلى الله من صيام الدَّهرِ كلّه، والذي بعثني بالحَقّ نبياً، لَقراءة آية من القرآن ليلةَ القَدر أحبّ إلى الله من أن يُخْتَمَ في غيرها من الليالي "[درة:334].

وفي أثرٍ آخر:" أبواب السماوات مفتوحة في ليلة القَدر، ما من عبد يصلي فيها إلا جعل اللهُ له بكلّ تكبيرة غرسَ شجرةٍ في الجنّة، لو سار الراكب في ظِلّها مائة عام لا يقطعها، وبكلّ ركعةٍ بيتاً في الجنّة من درّ وياقوت وزَبَرجَد ولؤلؤ، وبكل آيةٍ من قراءته في الصلاة تاجاً في الجنّة، وبكل تسليمة حُلّة من حُللِ الجنّة "[درة:333].

وفي أثرٍ آخر:" مَن صلى في ليلة القَدر ركعتين يقرأ في كلّ ركعة بفاتحة الكتاب مرّة، والإخلاص سبع مرّات، فإذا سلّم يقول " أستغفر اللهَ وأتوب إليه " سبعين مرّة، فلا يقوم من مقامه حتى يغفر اللهُ له ولأبويه، ويبعث الله تعالى ملائكته إلى الجنان يغرسون له الأشجار، ويبنون له القصور، ويُجرون له الأنهار، ولا يخرج من الدنيا حتى يرى ذلك كله "[درة:332].

فمن قام ليلة القدر ظفر بالفضل المذكور وإن لم يطَّلع عليها، لكن من اطّلع عليها فهو أكمل.

هي ليلةُ القَدرِ التي أشرفَت على   ***   كلِّ الشُّهور  وسـائر الأعـوام

من قامهـا يمحو  الإلـه بفضلِه   ***   عنـه الذّنوبَ وسـائرَ الآثـام

فيهـا تَجَلّى الحـقّ جـلّ جلالُه   ***   وقَضى القَضَاءَ  وسائرَ الأحكام

فادعوه واطلب فضلَه تُعطَ المُنَى   ***   وتُجـابُ بالأنعـامِ والإكـرام

فاللهُ يرزُقنـا القَبُـولَ بفضـلِه   ***   ويجـود بالغفـران  للصّـوّامِ

ويُذيقُنـا فيهـا  حلاوة عفـوه   ***   ويُميتُنـا حقـاً على  الإسـلام

  [ دعاء ] .. "انتهى