أول شعبان

خطب الشيخ أبو عبد الله الرهوني _ رحمه الله _:"

الحمد لله الذي أمر عباده بقمع النفوس عن شهواتها، وشرع لهم من العبادة ما يكون كاسراً لسوراتها، وجعل راحة القلب في تعبها، وسعادته في خمود لهبها، ولا أقهر لها عن الرجوع من تجرع كؤس الظما والجوع، ولذلك كان الصيام جنة من الذنوب، وجنة تسرح في رياضها القلوب.

نحمده حمد من تنزه في رياض الإحسان فاجتنى منها أزهاراً مختلفة الألوان، ونستغفره من ذنوبنا المتوالية في السّرّ والإعلان، ونسأله سبحانه تمام الامتنان بدخول جنة الرضوان.

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من خالطت قلبَه بشاشةُ الإيمان، وأن سيدنا محمداً عبدُه ورسوله ومصطفاه درّةُ العوالِمِ وبهجةُ الأكوان، وعلى آله وأصحابه أعيان الصدور وصدور الأعيان، صلاة وسلاما يترددان إلى جنابه ما تعاقب الملوان وأحيى الأرض شباب الزمان.

أيها الناس

إلى كم تمرّ بنا الأيام والليالي ونحن مواظبون على معصية الله ولا نبالي، كل حين تذهب عنا قوة الشباب ويخلفها ضعف المشيب، والموت مسدد نحونا سهمه المصيب، ونحن غافلون عن أعمال الصالحين فلا نضرب معهم بنصيب، حتى ذهبت أعمارنا سبهللاً في غرور باطل، وشغلنا طلب الدنيا الدنيّة عن الفرائض، فكيف بالنوافل؟ ألا وإن ذلك عين الخسران ونفس الشقاء والحرمان.

فلنستيقظ _ يا عباد الله _ من غفلتنا من قبل حلول رمسنا، ولنختر من الأعمال الصالحات ما يطهر نفوسنا من الرذائل ويوجب تحليتنا بالفضائل والفواضل.

ألا وإن في الصيام لأجراً كبيراً، ولا سيما في الأزمنة الفاضلة، وإن فيه لتصفية للنفوس، وتطهيراً من قبائحها الحاصلة، فاغتنموا رحمكم الله ما وعدتم عليه من الثواب، وقدموه عن شهوة الطعام والشراب، فربّ صبر على طاعة جلب لصاحبه رزقاً كريماً، ورب شهوة ساعة فوّتت على مرتكبها أجراً عظيماً، واستكثروا منه في أزمنة الخير المدرار، كهذا الشهر العظيم المقدار؛ فإنه لم يكن النبي في شهر يلاقيه أكثر مما كان يصوم فيه، وأخبر أنه ترفع فيه الأعمال، وتكتب فيه الآجال، فينبغي أن يكون العبد فيه على أحسن حال، وأن يتعرض فيه لنفحات ذي الجلال.

فاغتنموا أيها المؤمنون أجرَه العظيم، واقتدوا في ذلك بسنّة نبيكم الكريم؛ { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة }، فطوبى لمن اتّبَع هداه وسُنَّتَه.

وصحِّحوا فيه نيّة القُربة والاحتساب؛ فإنما الأعمال بالنيات.

وصونوا ألسنتكم عن الكذب والاغتياب؛ فإنها من أعظم البليات، فرُبّ صائمٍ ليس له من صومه إلا الجوع، ورُبَّ قائمٍ حُرِم أجر القيام ولذّة الهجوع.

أخرج الترمذي والبيهقي عن أنس أن رسول الله قال: أفضل الصوم بعد رمضان: شعبان؛ لتعظيم رمضان، وأفضل الصدقة: صدقة رمضان.

وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت:" كان رسول الله يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت استكمل شهراً قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان، وكان يصومه إلا قليلاً ".

وروى أبو داود عن عائشة قالت:" كان أحب الشهور إلى رسول الله أن يصومه: شعبان، ثم يصله برمضان ".

وأخرج الترمذي وحسّنه، عن أم سلمة قالت:" ما رأيت رسول الله يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان ".

وأخرج النسائي وأبو داود وابن ماجة وصححه عن أسامة بن زيد قال:" قلت: يا رسول الله، لم أرَك تصوم في شهر من الشهور ما تصوم في شعبان؟ قال: { ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال لرب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم }.

فسارعوا _ رحمكم الله _ لفعل الخيرات، وانتهزوا الفرصة من أعمال البرّ قبل الفوات؛ { فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرّة شراً يره }.

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبحديث نبيه المصطفى الكريم، وأجارني وإياكم عذاب يوم عظيم.