|
خطر السّيّئات
الخطبة الأولى: الحمد لله تعالى ذي الحمد المجيد. الحمد لله تعالى الذي لا يؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة منه، توجب على مؤدّي ماضي نعمه بأدائها نعمة حادثة يجب عليه شكره بها. والصلاة والسلام على أعظم الكائنات سيدنا رسول الله محمد، وعلى آله وصحبه وخلفائه وورثته وأتباعه بالحق إلى يوم الدين، أبد الآبدين ودهر الداهرين. أشهد أن لا إله إلا الله الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ونبيه ورسوله، وأستغفره استغفار من أقر بعبوديته، وشهد أن لا حول ولا قوة إلا بالله تعالى. قال الله تعالى: { أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف اللهُ بهم الأرضَ أو يأتيهم العذابُ من حيث لا يشعرون }، وقال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: { كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى }، قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟! قال: { من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى }. والناس في المعاصي قسمان: 1/ كَيِّسٌ عاقل. 2/ عاجزٌ غافل. وقد بينهما النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: { الكيِّس: من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز: من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني }. فالأول: يُتبِع السيئةَ بالحسنةِ والتوبةِ؛ خشيةَ أن يلقاها بعد الموت. والثاني: لا يأبه للسيئة ولا يتوب عنها، ويكون في الغالب مغتراً بأماني المغفرة، التي هي من أضر الأشياء على الواقعين في معاصي الله تعالى، وعدم الانقياد لحكمه؛ لأنهم يغترون بها ولا يعملون لها، زاعمين أن الله تعالى كريم غفور رحيم، يغفر الذنوب للعصاة ولا يبالي!! وهذا _ والله _ لَعَيْن العجز والحَمق؛ لأن الله عز وجل يقول: { ولله ما في السموات وما في الأرض ليجْزيَ الذين أساءوا بما عملوا، ويجزيَ الذين أحسنوا بالحسنى }. ويقول سبحانه: { أم حسبَ الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، سواءً محياهم ومماتهم، ساء ما يحكمون }. فجاهدوا المعاصي يا عباد الله ولا تقربوها، حتى لا تألفوها؛ فإنها أقذارٌ وأرجاسٌ، قد رتب الله عليها آثاراً وعلامات، في هذه الدنيا وبعد الممات: فأما التي في هذه الدنيا، فمنها: 1ـ ( حرمان العلم )؛ فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور. 2ـ ( إزالة العِزِّ والنِعَم، وإحلال الذل والنقم )؛ قال تعالى: { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلّهم يرجعون }. 3ـ ( سلب صاحبها أسماء المدح والشرف، وكِسوَته أسماء الذم والصَّغار )، فمِن مؤمنٍ إلى فاجر، ومن بارٍّ إلى عاصي، ومن صادقٍ إلى كاذب، وهلمّ جرا. وأما الآثار والعلامات التي بعد الممات، فمنها: 1ـ أن الزناة والزواني، يكونون في مثل التنور عراة، يأتيهم لهبٌ من أسفل منهم، فيضجّوا. 2ـ أن الذي يسأل الناس وليس بذي حاجة، ليس في وجهه قطعة لحم. 3ـ أن المتكبرين، يُبعثون مثل الذَّر يُداسون بالأقدام. 4ـ أن المغتابين الناس، تُقَرَّض شفاههم بالمقاريض. فالمعاصي إذاً يا عباد الله: إنما تورث الخِزيَ والعار، وتلحق بصاحبها العذاب والذلّ والدمار، وقد قال تعالى: { والذين كسبوا السيّئات، جزاء سيّئةٍ بمثلها، وترهَقُهُم ذِلّةٌ ما لهم من الله من عاصم }. صدق الله العظيم، صدق الله العظيم؛ فما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه؟ وما الذي أغرق أهلَ الأرض حتى علا الماءُ فوق رؤوس الجبال؟ وما الذي سلّط الريحَ على قوم عادٍ وأرسل الصَّيحة على قوم ثمود؟ وما الذي أغرق فرعون وجنودَه في البحر وخسف الأرض بقارون؟ أليست هي المعاصي والذنوب؟؟ بلى، بلى وعلاَّم الغيوب، فقد قال تعالى: { فكلاً أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرضَ، ومنهم من أغرقنا، وما كان الله ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }. وهانحن اليوم يا عباد الله: نشاهد الزلازل والبراكين والنيران، والأعاصير والفيضانات التي تُدَمِّر البلدان، وكذلك الأمراضَ كالإيدز والسرطان، التي تهلك العشرات من بني الإنسان، ومع هذا: ترانا على ذنوبنا مصرُّون، وعلى الغفلة عاكفون، نسمع المواعظَ ونحن عنها معرضون!! أوتظنون أنكم في الدنيا مخلّدون؟ أم تتوهمون أنكم لا تموتون ولا تُبعثون؟ أم وسوس لكم الشيطان أنكم على أعمالكم لا تعذبون؟ فإن كان هذا أملكم فقد خاب والله ما تُؤَمِّلون؛ فإن الله تعالى يقول: { ألم نهلك الأولين، ثم نتبعهم الآخرين، كذلك نفعل بالمجرمين }. ولا تغتروا أنكم ما زلتم بمثلهم غير مصابين، فإن الله تعالى يقول: { لو يُؤاخذ الله الناس بما كسبوا، ما ترك على ظهرها من دابة، ولكن يؤخرهم إلى أجلٍ مسمى، فإذا جاء أجلهم، فإن الله كان بعباده بصيراً }. فهل من خائفٍ من عذاب الله العليّ الكبير؟ وهل من تائبٍ مما وقع منه في الذنب والتقصير؟ وهل من باكٍ على ما سلفَ من ذنوبه وأوزاره؟ وهل من متأسِّفٍ على تضييع العمر فيما يعود عليه بأضراره؟ فإن الله تعالى يقول: { ووُضع الكتابُ فترى المجرمين مشفقين مما فيه، ويقولون يا ويلتنا }، يا ويلتنا، { مالِ هذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضراً، ولا يظلم ربك أحداً }. عباد الله، اتقوا الله ولا تغترُّوا بدارٍ نهاكم ربُّكم عن الاغترار بها، فترجعوا بخسران الدنيا والآخرة، قال تعالى: { يا أيها الناس إن وعد الله حقٌّ، فلا تغرّنّكم الحياة الدنيا ولا يغرَّنكم بالله الغرور }. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم .. الخطبة الثانية: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: { قل يا عباديَ الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً، إنه هو الغفور الرحيم، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له، قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تُنصرون }. عباد الله، كما أن للمعاصي عقوبات، فإن لها علاجاً تعالج به، ويُتّقى به شرّها: ومن أعظم ما تعالج به المعاصي: التوبة الصادقة والاستغفار، قال الله تعالى: { وإني لغفّارٌ لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى }، وفي الحديث القدسي: { يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم }. فاستغفروا الله عباد الله حقّ استغفاره، واحذروا أن تستحقروا الذنوب وتستصغروها فتستحقون العذاب بناره؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: { إيّاكم و( محقرات الذنوب )، فإنهنّ يجتمعن على الرجل حتى يُهلكنه }، وقال زين العابدين: ( إن الله خبّأ سخطه في معصيته، فلا تستحقروا شيئاً من المعاصي، فلعلّ سخطه سبحانه يكون فيه ). ورحم الله القائل:
عباد الله، إن إبليس لعنه الله، قد لُعِن وأُهبط من منزل العزِّ، بترك سجدة واحدة أُمر بها ولم يفعلها. وكذلك آدم عليه السلام، أُخرج من الجنة بلقمةٍ تناولها. فكيف بنا يا عباد الله: وقد نسينا المآب والمصير؟ وأسأنا الأدب بين يدي الله السميع البصير؟ وعكفنا على المعاصي وتعرّضنا لأسباب التكفير؟ واستصغرنا الذنوب حتى كأنها ذبابٌ يسقط على الأنف ويطير؟ وخرجت النساء والفتيات من البيوت حاسراتٍ يلبسن القصير؟ متبرّجاتٍ يتمخطرن في الطرقات كالحمير؟ ألا نستحق الحبس في السعير؟ .. بلى، بلى والله، وإنه على ما نفعله من المعاصي لجزاء بسير. عباد الله، إن الله تعالى يقول: { فذكّر إن نفعت الذّكرى، سيذّكر من يخشى، ويتجنّبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى }. دعاء: . . . "انتهى كانت الخطبة على منبر مسجد الإمام علي / جنوب لبنان
|