|
خطب جامعة لسيدنا علي بن أبي طالب قال الخليفة الراشد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " الحمد لله فاطر الخلق وفالق الإصباح وناشر الموتى وباعث من في القبور، وأشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأوصيكم بتقوى الله؛ فان أفضل ما توسّل به العبد: الإيمان والجهاد في سبيله. وكلمة الإخلاص؛ فإنها الفطرة. وإقام الصلاة؛ فإنها الملّة. وإيتاء الزكاة؛ فإنها من فريضته. وصوم شهر رمضان؛ فإنها جنّة من عذابه. وحجّ البيت؛ فإنه منفاة للفقر ومدحضة للذنب. وصلة الرحم؛ فإنها مثراة في المال، منسأة في الأجل، محبّة في الأهل. وصدقة السر؛ فإنها تكفّر الخطيئة، وتطفئ غضب الرب. وصنع المعروف؛ فإنه يدفع ميتة السوء، ويقي مصارع الهول. أفيضوا في ذكر الله؛ فانه أحسن الذكر. وارغبوا فيما وعد المتقون؛ فان وعد الله أصدق الوعد. واقتدوا بهدي نبيّكم صلى الله عليه وسلّم؛ فانه أفضل الهدي. واستسنّوا بسنته؛ فإنها أفضل السنن. وتعلموا كتاب الله؛ فانه أفضل الحديث. وتفقّهوا في الدين؛ فانه ربيع القلوب. واستشفوا بنوره؛ فانه شفاء لما في الصدور. وأحسنوا تلاوته؛ فانه أحسن القصص. واذا قرئ عليكم فاستمعوا له وأنصتوا لعلّكم ترحمون، واذا هديتم لعلمه فاعملوا بما علمتم به لعلّكم تهتدون؛ فان العالم العامل بغير علمه كالجاهل الجائر الذي لا يستقيم عن جهله، بل قد رأيت أن الحجة أعظم والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه على هذا الجاهل المتحيّر في جهله، وكلاهما مضلل مثبور. ولا ترتابوا فتشكّوا، ولا تشكّوا فتكفروا، ولا ترخّصوا لأنفسكم فتذهلوا، ولا تذهلوا في الحق فتخسروا. ألا وان من الحزم: أن تثقوا، ومن الثقة ألا تغترّوا. وان أنصحكم لنفسه أطوعكم لربّه؛ من يطع الله يأمن ويستبشر، ومن يعص الله يخف ويندم. ثم سلوا الله اليقين، وارغبوا إليه في العافية، وخير ما دام في القلب اليقين. إن عوازم الأمور أفضلها، وان محدثاتها شرارها، وكل محدثة بدعة، وكل محدث مبتدع، ومن ابتدع فقد ضيّع، وما أحدث محدث بدعة إلا ترك بها سنّة. المغبون من غبن دينه، والمغبون من خسر نفسه. وان الرياء من الشرك، وان الإخلاص من العمل والإيمان. ومجالس اللهو تنسي القرآن، ويحضرها الشيطان، وتدعو إلى كل غيّ. ومجالسة النساء تزيغ القلوب، وتطمح إليه الأبصار، وهي مصائد الشيطان. فاصدقوا الله؛ فان الله مع من صدق. وجانبوا الكذب؛ فان الكذب مجانب للإيمان، ألا إن الصدق على شرف منجاة وكرامة، وان الكذب على شرف ردى وهلكة. ألا وقولوا الحق، تعرفوا به، واعملوا به، تكونوا من أهله. أدّوا الأمانة إلى من ائتمنكم، وصلوا رحم من قطعكم، وعودوا بالفضل على من حرمكم. وإذا عاهدتم فأوفوا، وإذا حكمتم فاعدلوا. ولا تفاخروا بالآباء. ولا تنابزوا بالألقاب. ولا تمازحوا. ولا يغتب بعضكم بعضا. وأعينوا الضعيف والمظلوم والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل والسائلين وقي الرقاب، وارحموا الأرملة واليتيم. وأفشوا السلام، وردّوا التحيّة على أهلها بمثلها أو بأحسن منها.
وأكرموا الضيف، وأحسنوا إلى الجار، وعودوا المرضى، وشيّعوا الجنازة، وكونوا عباد الله إخوانا. أما بعد: فان الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وان الآخرة قد أظلّت وأشرفت باطلاع، وان المضمار اليوم وغدا السباق، وان السبقة الجنة والغاية النار. ألا وإنكم في أيام مهل من ورائها أجل يحثّه عجل، فمن أخلص لله عمله في أيام مهله قبل حضور أجله فقد أحسن عمله ونال أمله، ومن قصر عن ذلك خسر عمله وخاب أمله وضرّه أمله. فاعملوا في الرغبة والرهبة، فان نزلت بكم رهبة فاذكروا الله واجمعوا معها رغبة؛ فان الله قد تأذن المسلمين بالحسنى، ولمن شكر بالزيادة. واني لم أر مثل الجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها، ولا أكثر مكتسبها من شيء كسبه ليوم تدّخر فيه الذخائر، وتبلى فيه السرائر، وتجمع فيه الكبائر. وانه من لا ينفعه الحق يضرّه الباطل، ومن لا يستقيم به الهدى يجر به الضلال، ومن لا ينفعه اليقين يضرّه الشك، ومن لا ينفعه حاضره فعازبه عنه أعوز, وغائبه عنه أعجز. إنكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد. ألا وان أخوف ما أخاف عليكم اثنان: طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيبعد عن الحق. ألا وان الدنيا قد رحلت مدبرة، وان الآخرة قد ترحّلت مقبلة، ولهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة إن استطعتم، ولا تكونوا من بني الدنيا؛ فاليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل. "[حياة الصحابة:4\296-300].
ملاحظة: هذا الموضوع زودنا به أخ كريم ( عماد الدين )، وقمنا بترتيبه.
إنما قال من قال:
ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين باللون الأزرق [ -- ]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف.
|