|
اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيْهِ إلىْ الله قال سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرَّم اللهُ وجهه:" أوصيكم _ عباد الله _ بتقوى الله، الذي ضرب لكم الأمثال، ووقت لكم الآجال، وجعل لكم أسماعاً تعي ما عناها، وأبصاراً لتجلوا عن غشاها، وأفئدة تفهم ما دهاها، في تركيب صورها وما أعمرها؛ فإن الله لم يخلقكم عبثاً، ولم يضرب عنكم الذكر صفحاً، بل أكرمكم بالنعم السوابغ، وأرفدكم بأوفر الروافد، وأحاط بكم الاحصاء، وأرصد لكم الجزاء في السراء والضراء. فاتقوا الله _ عباد الله _ وجدوا في الطلب، وبادروا بالعمل مقطع النهمات، وهادم اللذات؛ فإن الدنيا لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجائعها: غرور حائل، وشبح فائل، وسناد مائل، يمضي مستطرفاً، ويردي مستردفاً باتعاب شهواتها وختل تراضعها. اتعظوا _ عباد الله _ بالعِبَر، واعتبروا بالآيات والأثر، وازدجروا بالنذر، وانتفعوا بالمواعظ: فكأن قد علقتكم مخالب المنية، وضمكم بيت التراب، ودهمتكم مقطعات الأمور بنفخة الصور، وبعثرة القبور، وسياقة المحشر، وموقف الحساب، بإحاطة قدرة الجبار، كل نفس معها سائق يسوقها لمحشرها، وشاهد يشهد عليها بعملها، { وأشرقت الأرض بنور ربها، ووضع الكتاب، وجيء بالنبيين والشهداء، وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون }، فارتجت لذلك اليوم البلاد، ونادى المناد، وكان يوم التلاق، وكشف عن ساق، وكسفت الشمس، وحشرت الوحوش مكان مواطن الحشر، وبدت الأسرار، وهلكت الأشرار، وارتجت الأفئدة، فنزلت بأهل النار من الله سطوة مجيحة، وعقوبة منيحة، وبرزت الجحيمُ لها كلب ولجب، وقصيف رعد، وتغيظ ووعيد، تأجج جحيمُها، وغلا حميمها، وتوقد سمومها، فلا ينفس خالدها، ولا تنقطع حسراتها، ولا يقصم كبولها، معهم ملائكة يبشرونهم بنزل من حميم، وتصلية جحيم، عن الله محجوبون، ولأوليائه مفارقون، وإلى النار منطلقون. عباد الله، اتقوا الله تقية من كنع فخنع، ووجل فرحل، وحذر فابصر فازدجر، فاحتث طلباً، ونجا هرباً، وقدم للمعاد، واستظهر بالزاد. وكفى بالله منتقماً وبصيراً، وكفى بالكتاب خصماً وحجيجاً، وكفى بالجنة ثواباً، وكفى بالنار وبالاً وعقاباً، وأستغفر الله لي ولكم. "انتهى
|