البُكَاءُ

:"

بسم الله الرحمن الرحيم

[ مقدمة ]

.. لكل زرع ثمر، وثمرة الخوف الطَّيِّبَة، التي يحبها اللهُ تعالى ورسولُه ، ويرضاها لعباده: هي البكاء.

قال الله تعالى: { ويخرّون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً }[الإسراء:109].

وقال _ وقد ذكر كلاماً عن عذابِهِ، ثم هدّد بقربِ الساعة: { أفمن هذا الحديث تَعجبُون * وتضحكون ولا تبكون }[النجم:60-61]، ولا يبكون خوفاً وانزجاراً لما فيه من الوعيد الشّديد، وقد فرطتم في طاعة الله، واستخففتم بمراقبته، فلم تستحيوا منه، ولم تجاهدوا وتجتهدوا ليوم القيامة الكُبرى، الذي تقفون فيه بين يديه سبحانه، ويحاسبكم عن كلّ صغيرة وكبيرة { يا بُنَيّ إنها إن تَكُ مثقال حبّة من خردل، فتكن في صخرة، أو في السماوات، أو في الأرض، يأت بها الله؛ إن الله لطيفٌ خبير }[لقمان:16].

فتوبوا يا أحباب رسول الله إلى الله توبةً نصوحا، وأنيبوا إليه، وتقلّبوا بين يديه، خاشعين خاضعين خائفين، وأعينُكم تفيض من الدمع؛ فإنه _ والله _ لأمرٌ عظيم، ولقاءٌ رهيبٌ جسيم.

وقد قال حبيبُنا وسيدنا رسول الله محمد : { ما اغرَورَقت عينٌ بمائها إلا حرّمَ اللهُ ذلك الجسد على النار، ولا سالت قطرةٌ على خدّها فيَرْهَقُ ذلك الوجهَ قَتَرٌ ولا ذِلّة، ولو أن باكياً بكى في أمّةٍ من الأمم لرُحِمُوا، وما من شيءٍ إلا له مِقدارٌ وميزانٌ إلا الدّمعة؛ فإنهُ يُطفَئُ بها بحارٌ من نار }[مصنف عبد الرزاق:11/189].

وقال : { مَن ذَكَر اللهَ ففاضَت عيناه من خشية اللهِ حتى يصيبَ الأرضَ من دموعِهِ، لم يُعَذّبْ يوم القيامة }[الحاكم].

وقال : { لا يلِجُ النارَ رجلٌ بكى من خشيةِ الله حتى يعودَ اللبنُ في الضِّرْع .. }[الحاكم].

وقال : { إبكوا، فإن لم تجدوا بكاءً فتباكُوا؛ لو تعلموا العِلمَ لصَلّى أحدُكم حتى ينكَسِرَ ظهرُه، ولَبَكى حتى ينقطع صوتُه }[الحاكم].

ولِمَ لا يبكي الإنسانُ على نفسِه المَرهونةِ بالنّار؛ { يا أيها الذين آمنوا، قُوا أنفسَكم وأهليكُم ناراً وَقُودُها الناسُ والحجارةُ، عليها ملائكةٌ غِلاظٌ شِدادٌ، لا يَعصُون اللهَ ما أمَرَهم، ويفعلون ما يُؤمَرون }[التحريم:6]؟!

لِمَ لا يبكي! والموتُ راكِبٌ على عُنُقِه، بسكراتِه، ودواهييه، وأهوالِه؟

لِمَ لا يبكي! والقَبرُ المُوحِشُ المُظلِمُ، بيتُ الدُّودِ والوِحدَة منزِله، ثمّ القيامة موعِده، وبين يدي عالِم الغيب والشهادة العزيز الجبار المنتقم شديد العقاب والعذاب موقِفه، والخصماء يومئذ أقوياء، والقاضي الجبار لا إله إلا هو، الذي لا يعزبُ عن علمِه مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض؟

لِمَ لا يبكي هذا المسكين! والسّجن: جهنّم، سجنٌ كلما أرادوا أن يخرجوا منه أعيدُوا فيه، وقيل لهم: { ذُوقوا عذابَ الحريق }، والسَّجان: الزّبانيَة؟

لِمَ لا يبكي! وفي ذلك اليوم تُدنى الشّمس من رأسه، ويزاد في حرّها؛ قال سيدنا رسول الله محمد r: { تدنو الشمسُ يوم القِيامة من رؤوسِ العِبادِ قَدرَ ميل، ويُزادُ في حرّها كذا وكذا، تغلي منها الرؤوسُ كما تغلي القُدُور، يعرقون فيها على قَدر خطاياهم، فمنهم مَن يبلُغُ إلى كعبيه، ومنهم من يبلُغُ إلى ساقيه، ومنهم من يبلُغُ إلى وسطه، ومنهم من يُلجِمه العَرقُ }[أحمد].

الله أكبر! الله أكبر! إذا كان هذا حرّ الشمس، فكيف سيكون حرّ النّار: التي أوقِد عليها ألفَ سنة حتى ابيضّت، ثم أوقِد عليها ألف سنة حتى احمرّت، ثم أوقِدَ عليها ألفَ سنة حتى اسوَدّت؟ بل كيف سيكونُ حرُّها ونارُ الدنيا التي لا نُطيقُها _ كما قال سيدنا رسول الله محمد r: _ { جُزءٌ من سبعينَ جزءاً من نار جهنّم }.

كيف احتيالي إذا جاء الحِسابُ غداً   ***   وقـد حُشِرتُ بأثقـالي وأوزاري

وقـد نظرتُ إلى صُحُفي مُسَوّدة   ***   مِن شُؤمِ ذنبٍ قديم العهدِ أو طاري

وقـد تجلّى لهتـك  السّترِ خالِقُنا   ***   يومَ المِعـاد ويوم الـذّلّ والعـارِ

يفوزُ كـلّ مُطيـعٍ للعزيز غـداً   ***   بـدارِ عـدنٍ  وأشـجارٍ وأنهـارِ

لهـم نعيم خلـود  لا نفـادَ لـهُ   ***   يخلدون  بـدار الواحِـدِ البـاري

ومَن عصى في قرار النار مسكنُه   ***   لا يستريحُ من التعذيبِ  في النـارِ

فابكوا كثيراً  فقد حقّ البكـاءُ لكم   ***   خوفَ العـذابِ بدمعٍ واكِفٍ جـارِ

نعم إخواني وأخواتي، إبكوا، إبكوا قبل يوم البُكاء الشديد الذي لا يُجدي ولا ينفع، إبكوا قبل ذلك اليوم الذي يبكي فيه مَن عصى اللهَ الدّموعَ حتى تنقطع، فيبكي الدّمَ حتى تتقرّح العيون، فيصيرُ فيها كالأخدود، لو أجريت فيه السّفُنُ لجَرَت.

فهذا رسول الله _ وهو المغفور له ما تقدّم وما تأخّر من ذنبه، وهو حبيبُ الرحمن وخليله _ { كان لصدره أزيزٌ كأزيز المِرجَل من البكاء }[أبو داود والترمذي].

وها هو يطلبُ من ابن مسعود أن يقرأ عليه القرآن، فيقرأ من سورة النساء، حتى إذا جاء إلى قوله تعالى { فكيف إذا جئنا من كلّ أمّةٍ بشهيدٍ، وجئنا بكَ على هؤلاء شهيدا }، قال : { حَسْبُكَ الآن }، فالتفتَ إليه ابنُ مسعودٍ، فإذا عيناه تذرِفانِ.

وهذه امرأة من سلف هذه الأمة الصالح ، ظلّت تبكي حتى ذهبَ إحدى عينيها، فقيل لها: اتّقِ الله تعالى لئلا تذهب الأخرى؟ فقالت: أيها العاذِلون! إن كانت عيني من عيون أهل الجنّة، فسُيبدلني الله تبارك وتعالى بها ما هو أحسَنُ منها، وإن كانت من عيون أهل النار فأبعدها الله عني. ثم عادت لبُكائها، رحمها الله.

وهذا مالك بن دينار ، يروي أنه دخل جبّانة، فرأى رجلا يعرفه، فقال له: كيف حالك؟ وكيف أنت؟ فقال: يا مالك، كيف يكون حالُ مَن أصبَح وأمسَى يريدُ سفراً بعيداً، بلا أهبة ولا زاد؟ ويقدُمُ على ربٍّ عدلٍ حاكِمٍ بينَ العِباد؟ ثم بكى بكاءً شديداً .. فقال مالك: ما يُبكيك؟ قال: واللهِ ما بكيتُ حرصاً على الدنيا، ولا جزعاً من الموت والبلاء، ولكن، بكيتُ ليومٍ قضى من عمُري لم يحسُن فيه عملي، أبكاني _ والله _ قِلّةُ الزّاد، وبُعدُ المَفازة، والعقبة الكئود، ولا أدري بعد ذلك، أأصير إلى الجنّة أم إلى النار؟ وأخذ _ رحمه الله _ بالبكاء.

وعن بعض الصالحين قال: كانت إلى جنبي عجوزٌ قد أضنتها العبادةُ والبكاء، فسألتها أن ترفق بنفسها، فقالت:" يا شيخ، أما علمت أن رِفقي بنفسي غيّبني عن باب المولى، ومَن غابَ عنه مشتغلاً بالدنيا عرّضَ نفسَه للمِحَن والبلوى، وما قَدرُ عملي إذا عملت واجتهدت؟ فكيف إذا قصَّرت "؟! ثم قالت:" واسوأتاه من حسرة السّباق وفجعة الفِراق:

فأما حسرة السّباق: فإذا قام القائمون من قبورهم، ركب الأبرارُ نجائبَ الأنوار، وساروا إلى قصور من العِزّ والجلال، ورُفِعت لهم منازل المحبين، وقُدّمت بين أيديهم نجائب المقرّبين، وبقي المسبوقُ في جملة المحزونين، فعند ذلك ينقطع فؤادُه حسرةً وتأسفاً، ويذوبُ ندامةً وتلهّفاً.

وأما فجعةُ الفِراق: فعند تمييز الناس بالجمع والإفراق، وذلك: أن الله إذا جمع الخلقَ في صعيد واحد، أمر ملكاً ينادي: أيها المجرمون، امتازوا؛ إن المُتّقين قد فازوا، وهو قوله تعالى: { وامتازوا اليوم أيها المجرمون }، فيميز الرّجل من زوجته، والولد من والديه، والحبيب من حبيبه، هذا يحمل مُبَجّلاً إلى جنات النعيم، وهذا يُساقُ مسلسلاً مغلولاً إلى عذابِ الجحيم، وقد طال منهم التّلَفّت والوداع، ودموعُهم تجري كالأنهار بفجعةِ الانقطاع ".

لو كنت ساعةَ بيننا  ما بيننا   ***   ورأيت كيف نُكرّرُ التوديعـا

لعلِمت أن منَ الدُّموعِ لأنهُراً   ***   تجري وعاينتَ الدماءَ دموعا

      [ دعاء ] .. "انتهى