|
يوم عَرَفَة
قال
الشيخ عبد الرحمن الصفوري الشافعي في كتابه نزهة المجالس:"
قال الله تعالى في
عرفة: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا
}، فلما نزلت هذه الآية فرحت الصحابة غير أبي بكر الصديق
، فقيل له في ذلك؟
فقال:" ما بعد الكمال إلا النقصان "، وعاش النبي
بعدها ثمانين يوماً.
(فإن قيل) ما
الفرق بين التمام والكمال؟ (فالجواب) أن الكمال لا يقتضي الزيادة، والتمام
يقتضي الزيادة، فنعمه
في زيادة لا نهاية
لها، فله الحمد، وفرائضه لا زيادة فيها إلا من شاء زيادة تطوع، فله الحمد.
وعن أبي هريرة عن
النبي
:
{ من صام يوم عرفة كتب اللهُ له بعدد من صام ذلك اليوم، وبعدد من لم يصمه
من المسلمين ثواباً، ويشيعه سبعون ألف ملك إلى الموقف وعند نصب الميزان ومن
الموقف إلى الصراط ومن الصراط إلى الجنة، ويبشرونه بكل خطوة يخطوها مركوبه
ببشارة جديدة } ..
ورأيت في حادي
القلوب الطاهرة: { من صام يوم عرفة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر }
..
يسمى ( يوم عرفة
): لأن إبراهيم عرف
أركان الحج فيه، وقيل: عرف أن الأمر بذبح ولده من الله.
وقال أنس
:" صوم كل يوم من
أيام العشر بألف يوم، ويوم عرفة بعشرة آلاف ".
وعن النبي
:
{ إذا كان يوم عرفة نشر الله رحمته، فليس من يوم أكثر عتقاً منه، ومن سأل
الله تعالى في يوم عرفة حاجة من حوائج الدنيا والآخرة قضاها له، وصوم يوم
عرفة يكفر سنة ماضية وسنة مستقبلة }، والحكمة في ذلك: أنه بين عيدين، وهما
يوما سرور للمؤمن، ولا سرور للمؤمن أكثر من غفران ذنوبه. ويوم عاشوراء بعد
العيدين فهو كفارة سنة واحدة لأنه لموسى
، وكرامة النبي
تتضاعف على كرامة غيره ..
ويقع السؤال عن
هذا التكفير: هل هو ممن عليه ذنب؟ أو هو عام؟ فيقال: إن كان عليه ذنوب
فيكفرها، وإلا فيعطى من الثواب بقدر ما يكفّر ذلك القَدْر لو كان عليه ذنب.
عن عائشة
عن النبي
قال: { إن في الجنة قصوراً من در وياقوت وزبرجد وذهب وفضة } قلت: يا رسول
الله، لمن هي؟ قال: { لمن صام يوم عرفة، يا عائشة، من أصبح صائماً يوم عرفة
فتح الله عليه ثلاثين بابا من الخير، وأغلق عنه ثلاثين بابا من الشر، فإذا
أفطر وشرب الماء استغفر له كل عِرق في جسده }.
وعن أم سلمة
قالت:" نعم اليوم يوم عرفة، يوم خير وبركة، ويوم رحمة ومغفرة، فمن صامه جعل
الله له نصيبا في ثواب من حضر الموقف، وباعده الله من النار سبعين خريفاً
".
وعن الفضل بن
العباس عن النبي
قال: { من حفظ لسانه وسمعه وبصره يوم عرفة غفر له إلى عرفة }.
وقال عمر قال
النبي
:
{ لا يبقى أحد يوم عرفة في قلبه مثقال ذرة من الإيمان إلا غفر له } فقال
رجل: لأهل عرفة يا رسول الله أم للناس عامة؟ قال: { بل للناس عامة }.
(حكاية) قال ابن
جارود: خرجت أنا وصاحب لي في طلب العلم، فمررنا عشية عرفة على مدينة قوم
لوط، فقلت لصاحبي: ندخل هذه المدينة ونشكر الله على ما عافانا مما ابتلاهم
به، فبينما نحن نطوف إذ رأيت رجلاً كوسجاً أغبر الوجه! فقلنا له: من أنت؟
فتغافل عنا! فقلنا له: لعلك إبليس؟ قال: نعم، فقلنا له: من أين أقبلت؟ قال
هذا وجهي من عرفات، كنت شفيت صدري من قوم أذنبوا منذ خمسين سنة فنزلت
الرحمة عليهم في هذا اليوم، فجعلت التراب على رأسي وجئت أنظر هؤلاء
المُعذبين حتى يسكن غضبي.
(لطيفة) الكوسج:
مَن قلّ شعر وجهه وانحسر عن عارضيه، وقال في الروضة:" الكوسج عند أبي حنيفة
مَن عدد أسنانه ثمانية وعشرون "، وهي مذكورة في باب الأمانة.
(حكاية) قال
العباس بن مرداس :
دعا النبي
عشية عرفة لأمته، فأجيب { بأني قد غفرت لهم ما عدا الظالم؛ فإني آخذ
للمظلوم حقه }، فقال: { أي رب، إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم
}؟ فلم يجبه عشية عرفة، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل،
فضحك النبي
،
فسأله أبو بكر وعمر
عن ذلك؟ فقال: { إن عدو الله إبليس لما علم أن الله تعالى قد استجاب دعائي
وغفر لأمتي أخذ التراب وجعل يحثوه على رأسه ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني
ما رأيت من جزعه }.
(حكاية) قال ابن
عباس : نزل جبريل
على النبي
يوم عرفة وله أربعة وعشرون ألف جناح مكللة بالدرّ والياقوت منسوجة بألوان
الجواهر، وقال: يا محمد، ربك يُقرئك السلام ويقول لك: { اذهب إلى الطائف
فإن فيها ألفاً وخمسمائة صنم تُعبد من دون الله }، فخرج النبي
ودعاهم إلى التوحيد، فأعرضوا وأرسلوا له جارية فقالت: من أنت؟ قال: { محمد
رسول الله }، فسألته عن مسائل فأجابها، فقالت: اكشف عن ظهرك، فلما رأت خاتم
النبوة قبّلته وأسلمت، فلما رجعت إلى أبيها وأخبرته بإسلامها أخذ أوتاداً
من حديد محماة على النار وعذبها، فقالت: هذا لمن يطلب الفردوس قليل، فلما
ماتت طرحوها إلى النبي
فكفنها وصلى عليها ثم قال: { والذي نفسي بيده ما ماتت حتى رأت منزلها في
الجنة }، ثم جاء جبريل وقال: يا محمد، إن القوم قد اجتمعوا لقتلك بكلاب
ضارية، فلما أقبل النبي
أرسلوا الكلاب وقالوا: عليكم بمحمد، فقال النبي
:
{ اللهم بحق عرفة اصرف عني هذه الكلاب }، فخضعت له، فقال: { عليك بأصحابك
}، فوثبت عليهم فرموها بالأحجار، فوقع حجر في وجه النبي
فنزل خمسة من الملائكة وقال كل منهم: إن ربك قد أمرني أن أطيعك فيما تريد،
فبكى وقال: { إن الله تعالى أرسلني رحمة ولم يبعثني عذاباً }، قال: { اللهم
بحق آدم وإبراهيم وعيسى ورمضان ويوم عرفة ارزقهم الإيمان }، قال ابن عباس:
فوالله لقد صلينا الظهر والقوم أجمعون خلف النبي
.
(حكاية) قال بعض
الصالحين: رأيت رجلا بمكة يقول ( اللهم بحق صائمي عرفة لا تحرمني ثواب
عرفة )، فقلت له في ذلك؟ فقال: كان والدي يدعو بهذا الدعاء فلما مات
رأيته في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بهذا الدعاء، ولما وضعت
في قبري جاءني نور فقيل لي: هذا ثواب عرفة قد أكرمناك به.
(فائدة) أكرم الله
هذه الأمة بصيام عرفة، وأكرم فيه أربعة من الأنبياء: أكرم آدم بالتوبة،
وموسى بالتكليم، ومحمدا
بالحج وإكمال الدين،
وإبراهيم بفداء الذبيح وهو إسماعيل ..
"انتهى مختصراً
|