عاشوراء

في موعظة له:"

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف العالمين: سيدنا رسول الله محمد المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه وخلفائه وورثته الطَّيبين الطاهرين، وأتباعه بالحق إلى يوم الدين، أبَد الآبدين ودَهْرَ الدَّاهرين.

وبعد: فإن من المَواسِم الشريفة عند المسلمين: عاشوراء، وهو اليوم العاشر من المُحرّم، فيه نجَّى الله تعالى سيدنا موسى وقومَه منْ فِرعَون وملئه، كما صحَّ الخبر عن سيدنا رسول الله محمد ، فأمرَ اللهُ تعالى بني إسرائيل بِذِكر هذا اليوم وشكر الله تعالى على النِّعمة التي باشرهم بها فيه، فسَنَّ لهم الصيامَ، حتَّى أدرَكهم سيدنا رسول الله محمد على ذلك، وفَرضَ على أمَّتِه صِيامَه، ثُمَّ نَسَخَه بصيام رمَضَان، وترك صيامَه سُنَّةً مندوبَةً، قائلاً: { صَومُ عاشوراء يُكَفِّر سَنَةً ماضيَة }، و { مَن وَسَّعَ على عِيالِه في يوم عاشُوراء، وسَّعَ اللهُ عليهِ في سَنَتِهِ كُلّها }.

وقَدْ ذُكِرَ أعمالٌ في هذا اليوم بلغت اثني عشرَ عملاً، منها الصِّيامُ، نَظَمَها بعضهم بقوله:

ورَغَّبَ سيدنا رسول الله محمد بصيامِ يومٍ قبله ويومٍ بَعْدَه.

فعلى كلِّ مُسْلِم حريص على الزَّاد، يستعدّ ليوم المعاد، أن يكسب في هذا اليوم كسباً طيباً.

ثمَّ ليَعلَم: أن لما تقدَّم دلالة على نَدبِ إحياء المناسبات الخاصَّة، التي أفاضَ اللهُ تعالى فيها من خصائص رحمته على المؤمنين، وشاهد ذلك أيضاً: يوم مَوْلِد وبَعثة سيدنا رسول الله محمدٍ ، فإنَّه لمّا سُئل عن صيام يَومِ الاثنين قال: { ذاك يومُ وُلدتُ فيه وأُنْزِل عليَّ فيه }.

وأما أيامُ المَصائبِ: فلا يُسَنُّ إحياؤها، فقد وقَع بين يدي سيدنا رسول الله محمد مصائبَ في زوجه وعمِّه حمزة وأصحابه، ولم يحيِ أيامَها ولا جعل لها مناسبات حُزن.

بل سَنَّ للمُحبّين كثرة الدَّعاء للمُصابين منهم على الدَّوام، مع احتساب الحُسنى لهم عند الله تعالى.

ولا يخفى أن المُسلمين قد أصيبوا في هذا اليوم بمصيبةٍ حزينة في مولانا الحُسَين بن علي بن أبي طالب ، سبط سيدنا رسول الله محمد ، وأنَّ قوماً احيوها بالحزن والتضييق على النفس والعيال، وغالوا إلى مخالَفَة السّنَّة ومُفارَقة الأمَّة فلَطموا الخُدود وشَقّوا الجيوب ودعوا بدعوى الجاهليَّة، وقد صحَّ الخبرُ: { ليس مِنا من لطم الخدود وشقَّ الجيوبَ ودعا بدعوى الجاهليَّة }، فلهم من الله ما يستحقون وقد جعلوا ذلك على الأشراف من عباد الله الصالحين.

بل زادوا على ذلك: اللعنَ والطَّعنَ في خيرة الصحابة وأمَّهات المؤمنين عليهنّ السلام!! وتذرّعوا بمحبَّة آل البيت عليهم السلام!! وتعلّقوا بنحو خبر: { من كنت مولاه فعليّ مولاه }، فزعموا أن الولاية من بعد رسول الله محمد لمولانا علي ، وجعلوا عدم تحقق ذلك ذريعة لبِدعتهم!!

والحقّ: أننا لو حاسبناهم على نحو هذا الخبر، وهو يطالب بموالاة سيدنا علي ، لوجدناهم أبعد الناس عن العمل به؛ فإن توليه مَنْ سبقه من الخلفاء، وعدم تعرّضه لهم يوجب على مَن تولاه موالاة مَن والاه.

ثم هو لا تعرَّض لهؤلاء ولا لغيرهم ممن يتعرض له هؤلاء المبتدعة، ولو صدقوا في موالاته لما تجرءوا عليه بتسفيه رأيه ومخالفة حكمه فعلاً.

فإن تبيّن ذلك: فليعلم المسلم البارّ بمحبة سيدنا الحسين ، أن مِن البِرِّ: أن يُهدي مثل ثواب عمله في هذا اليوم إليه، ويُكثر من الصلاة والسلام عليه؛ فإن ذلك سنة سيدنا رسول الله محمد في أصحابه الذين استشهدوا: كان يصلي ويدعوا لهم كلما تيسَّر له، من غير تحديد مناسبة، ولسنا نقصد إحياء المناسبة بذلك، ولكن مَن فعل ذلك للموافقة من غير قصد إحياء المصيبة فهو حَسَن.

وصلى الله صلاة كاملة وسلم سلاماً تاماً على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، في كل لمحة ونَفَسٍ، بعدد كلّ معلوم له."اهـ