|
شرح المقال في آياتِ وَعِيْد اليهود بالزَّوال
إن الله تبارك وتعالى قد توَّعد اليهود ( بني إسرائيل ) في كتابه العزيز ( القرآن الكريم )، وعلى لسان رسوله سيّدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: بالهلاك والهزيمة على أيدي عبادٍ من أمة المصطفى الحبيب سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقال الله عز وجل:
وقد اختلف العلماء والمفسرون في العباد الذين سُلِّطوا على بني إسرائيل في هذه المرة: فقيل: هم جالوت وجنوده. وقيل: هم ملك الموصل (سَنْحاريب) وجنوده. وقيل: هم بُخْتَنَصَّر (ملك بابل) وجنوده.
وقيل:
والصحيح ما اخترناه؛ لأن كثرة العدد تُستفاد من قوله
وأوضح من ذلك وأدلّ على ما ذكرناه: قوله تعالى
فاليهود لا تقوم لهم دولة إلا بهذين الشرطين.
وقد اختلف العلماء في المرة الثانية: هل وقعت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ أم في زمانه؟ أم أنها لم تقع بعد؟ والصحيح: أنها لم تقع بعد؛ لأن الله تعالى يخاطب اليهود في هذه الآيات، ويتحدّث عما توعّدهم به، وذلك بعد مبعث سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد قال سبحانه في ذكره للمرة الأولى:
وأما كونها وقعت قبل مبعث سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: فلم يدل عليه دليل صحيح، وما ورد في النص يفيد خلافه كما تقدَّم، وهو مُقَدَّم عليه.
وأما كونها وقعت في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم: فليس صحيحاً؛
لأن قائل ذلك، اعتبرها غزوة بني قريظة!! وهي وغيرها من الغزوات لم يكن
في المسجد الأقصى كما هو معلوم، بخلاف المرة الثانية التي قضى الله أن
تكون فيه، كما قال سبحانه:
فإن قيل: وكيف يدمّر ويهلك المسلمون ما علوا عليه؟ قلنا: يُحتمل أن تُحوِج المعركة إلى مثل ذلك؛ لاتخاذ اليهود سراديب أو نحو ذلك تحت ممتلكاتهم ومساكنهم، فيضطر المسلمون لتدميرها على من فيها.
ويُحتمل أن يكون المراد: ليقتلوا كل من
يظهروا عليه من محاربي اليهود، ويُسْبوا غيرهم، ويدمّروا كلّ ما له صلة
باليهود مما لا يصلح للمسلمين، أو غيره وبدّله اليهود في بيت المقدس
وما حوله. ومذهب جمهور العلماء جواز ذلك؛ حيث رأوا في إجلاء بني النضير
ما يدل عليه، حين قطع سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم
بعض نخيلهم وأحرقه بإذن الله تعالى، كما قال سبحانه:
ويحتمل غير ذلك مما يطول الحديث به، وفيما ذكرناه كفاية وإشارة. تنبيه: ولعل هذا الموعد قد قُرعت أجراسه، وظهرت أعلامه. بل لعلنا على بُعْد خطوات عن تحقّقه؛ ونحن نرى كيف جمع اللهُ اليهودَ من كل بلد في المسجد الأقصى وأكنافه، ونرى إفسادهم المتزايد فيه وفي أكنافه، بل وفي الأرض كلها: من فتن، وقتل، وتدمير، وهتك للأعراض، ونشر للفساد والرذيلة بين العباد، وغير ذلك مما لا يُعَبَّر عنه بأحسن مما قاله الله العزيز الحكيم العليم الخبير، وهو: ( الإفساد في الأرض ).
وإنما قلت: إن إعادة
جمعهم تكون في المسجد الأقصى وأكنافه، لمناسبة العطف؛ إذ عطفَ اللهُ
تعالى الأفعالَ في
وهذا المفهوم لازم لغةً وعقلاً وشرعاً، ولا يُصرف عنه إلا بدليل قطعي.
فائدة:
على فرض صحة ما قيل: من أن المرتين اللتين قضاهما الله تعالى على بني
إسرائيل في الكتاب قد انقضتا قبل مبعث سيدنا رسول الله محمد صلى الله
عليه وآله وسلم، فإن قول الله تعالى لهم:
ثم على فرض أنه صحّ، فإنه يؤكد ما ذكرناه: وهو أن الله تعالى يجمع اليهود في المسجد الأقصى عندما يعودون للإفساد في الأرض؛ إذ نرى اليوم دولة اليهود قد عاثت في الأرض الفساد وقويت شوكتها وكثر نفيرها، وقد جمع الله تعالى أفرادها من جميع الأرض. ولكن الصحيح: هو ما ذكرناه: من أن الوعد الآخر لم يتحقّق بعد؛ لما تقدّم من قرائن، ولأن الله تعالى جعل من علامات المرة الثانية: إمداد اليهود بالمال الكثير، وبالأولاد، وبكثرة النُّصّار، وجمعهم في بيت المقدس بعد أن يفسدوا في الأرض بما آتاهم من سلطة وقدرة اقتصادية ( مالية ) وغير ذلك. وهذا كله قد تحقق فيهم في هذا الزمان كما يراه الأعمى والبصير، غير أنه على ما يبدو: أن نسبة الإفساد التي قدّر الله على إثرها بعث جند من عباده لإهلاك اليهود لم تتحقق بعد، أو أن الله تعالى يهيّئ هؤلاء العباد أولى البأس الشديد، ويهيّئ لهم أسبابا، والله تعالى أعلم. ولكن، نحن لا نشك بأننا على بُعْد خطوات فقط عن تحقق قدر الله تعالى في اليهود. وهنا نُنَبِّه: أن العباد الذين يسلّطهم الله تعالى على اليهود لإهلاكهم، لا يشترط أن يكونوا مسلمين؛ إذ مَن بُعِثوا عليهم في المرة الأولى لم يكونوا كذلك.
وهذا لا
يتعارض مع حديث سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم .. الذي
فيه
أو لاحتمال الاشتراك في المعركة، بحيث يكون لله عباد يقاتلون اليهود دفاعاً عن مصالحهم والمسلمون الذين يقاتلون لرفع راية الحق وإحقاقه، وتكون الكرامة فيه ( وهي مخاطبة الشجر والحجر ) للمسلم دون غيره، التي أتصور أن تكون بدورها سبباً لدخول الناس في الإسلام أفواجا. ويحتمل غير ذلك. وبالجملة، فنحن نقول: إن الاستعداد والتأهب للجهاد ضد اليهود فرض عين على كل مسلم سواء أكان فرداً أو في جماعة، بحيث لا يغفل ساعة عن هذا القصد، ويغتنم أي فرصة أو باب للجهاد، عسى أن يكون هذا الباب مدخلاً للوعد الآخر، أو لإهلاك اليهود بعد أن عادوا للإفساد في الأرض _ على قول من ادّعى أن الوعد الآخر تحقق فيمن سبق _. فإن قيل: وكيف يُنتظر تحقق هذا الوعد في اليهود والمسلمون متفرقون ومتخاصمون ليس لهم أمير أو خليفة أو دولة؟ تنبيه: وهذه مقولة يهودية حشوها بين الأمة الإسلامية، لإحباط عزيمتها، وتطويل أملها، وصدّها عن اغتنام الفرص وتخديرها. والجواب عنها: إن المسلمين إذا أخلصوا لله تعالى النيّة واستعدوا ورابطوا أفراداً وجماعات، فإن الله يهيّئ لهم من يقودهم ويخلف الحقَّ فيهم. أما أن يتصوّر الناس _ كما معظمهم اليوم _ أثرَ مقالة اليهود ( وهو: أن يبعث اللهُ رجلاً يؤلّف بين قلوب المسلمين ويجمعهم على جهاد اليهود )!! فهذا لن يتحقق في أمَّةِ العلم والعقل؛ لأنه لا يُتَصَوّر أن يستطيع رجلٌ الطواف في الأرض لدعوة الناس وجمعهم، سيما وفي الأمة من الفتن والبلايا ما قد يمنع من تصديق من يدور عليها لجمعها، وأعني بذلك: السُّبات الذي باتت الأمة فيه، وسوء الظنّ، ونحو ذلك مما يُعْجِز العبدَ أن يتمكّن من تحقيق هدفه. بخلاف ما لو كانت الأمة مستعدةً متأهبةً متشوقةً، منصرفةً بأفرادها وجماعاتها إلى قصد الجهاد والمرابطة له؛ لأنها عندئذ، إذا هيّأ الله تعالى لها من يقودها، وفتح لهم ثغرة للجهاد، فسوف يتَّبِعُونه ويجاهدون معه. فالمسلم إذاً: ينتهز كلَّ فرصة للجهاد، ويدخل في أي باب من أبوابه، دون تفريق وتمييز لمن هيّأ هذه الفرصة أو فتح هذا الباب. فإن قيل: ولكن ربما كان فاتح هذا الباب ينصب فخاً للمسلمين؟
فالجواب:
إن الجهاد لا يأتي إلا بخير، وإن الله قد تكفّل بحفظ الدِّين ولم يجعلك
حارساً عليه، فقال سبحانه:
وإجمالاً: فهذه المقولة مقولة يهودية أيضاً، يُراد بها ما يُراد بسابقتها وبغيرهما مما يُحبِط العزائم، ويدعو للتخلُّف عن الجهاد. وإذا كان الناس يُبعثون يوم القيامة بحسب أعمالهم، يُمَيَّز الخبيث من الطيب، فإن قبضهم بحسب نواياهم، وتمييز الشهيد من غيره، لأهون على الله تعالى الذي لا يعجزه شيء سبحانه. فقاتلِ اليهود من أيّ باب، واغتنم كلّ فرصة، وهمّك: قتل اليهود، ورفع راية الحقّ، وإحقاق الحقّ. وذلك كله طاعة لمولاك عزَّ وجَلَّ، الذي أمرك بقتال أعدائه، والدفاع عن المسلمين وبلادهم وحقوقهم. واعلم أن أمر الله إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، فلا تقنط ولا يغرَّنَّك مفاسد وأقاويل الذين كفروا وضلّوا وجهلوا.
ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين مزدوجتين باللون الأزرق [[ -- ]]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف.
|