شرح المقال

في آياتِ وَعِيْد اليهود بالزَّوال

:

إن الله تبارك وتعالى قد توَّعد اليهود ( بني إسرائيل ) في كتابه العزيز ( القرآن الكريم )، وعلى لسان رسوله سيّدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: بالهلاك والهزيمة على أيدي عبادٍ من أمة المصطفى الحبيب سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقال الله عز وجل:

وقضينا إلى بني إسرائيل أي: أعلمناهم وأخبرناهم في الكتاب [[ الذي جاء به رسول الله موسى عليه السلام ]] أي: التوارة لتفسدن في الأرض مرّتين بالمعاصي ولتعلن أي: ولتستكبرن ولتظلمن الناس عُلُوّاً كبيراً فإذا جاء وعد أولاهما أي: أولى المرتين _ [[ وقد ]] قيل: كان إفسادهم في المرة الأولى: هو ما خالفوا من أحكام التوارة، وركبوا من المحارم _ بعثنا عليكم عباداً لنا أي: سلّطنا عليكم  جنداً من خلقنا أولي بأس شديد أي: ذوي قوة وبطش شديد فجاسوا خلال الديار أي: فتردّدوا ذاهبين وجائين وسط دياركم طلباً لكم؛ ليقتلوكم ويسبوكم وكان وعداً مفعولاً أي: وكان هذا الوعد الأول قضاءً كائناً حاصلاً قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد اختلف العلماء والمفسرون في العباد الذين سُلِّطوا على بني إسرائيل في هذه المرة:

فقيل: هم جالوت وجنوده.

وقيل: هم ملك الموصل (سَنْحاريب) وجنوده.

وقيل: هم بُخْتَنَصَّر (ملك بابل) وجنوده.

ثم رددنا لكم الكرَّة عليهم أي: الدولة والغلبة وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا أي: وجعلناكم أكثر منهم نُصّارا؛ لما جاء في أن نفرته ونافرته هم مَنْ يغضب لغضبه.

وقيل: أكثر نفيرا يعني: أكثر عدداً، أو أكثر عشيرة.

والصحيح ما اخترناه؛ لأن كثرة العدد تُستفاد من قوله وبنين ، ومن المعلوم: أن اليهود لم تقم لهم دولة، ولم يتقدّموا خطوةً في قتال وهم يعتمدون على أنفسهم وعددهم؛ كما ذكر الله تعالى فيما جرى معهم عند قتال جالوت، وأنهم قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله ، ثم لمّا بعث الله تعالى إليهم طالوت، تخلَّف عنه بعضهم، وما زالوا يتخلّفون حتى لم يبقَ معه منهم إلا فئة قليلة، فنصرهم الله على جالوت وجنوده.

وأوضح من ذلك وأدلّ على ما ذكرناه: قوله تعالى ضُربت عليهم الذّلة أينما ثقفوا إلا بحبلٍ من الله وحبلٍ من الناس أي: إلا بقوة من الله تردُّ عنهم الكيد، وكنف أمة قوية تصونهم.

فاليهود لا تقوم لهم دولة إلا بهذين الشرطين.

إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم أي: إن أحسنتم فيما مكّنكم فيه اللهُ تعالى وأطعتموه فقد أحسنتم لأنفسكم بما جُعل لكم من ثواب إحسانكم فيما مُكِّنتم فيه، وطاعة ربكم سبحانه؛ لأن الله غنيٌّ عنكم وعما تعملون وإن أسأتم فلها أي: فعليها إثم إساءتكم، وإنما قال فلها : لأنها المتأثّرة بأفعال العباد، فمن يُطعِ الله ينفعْ نفسه، ومن يعصِ الله يؤذِ نفسه ويضرها. وأما الله سبحانه فلا يتأثّر بأفعال عباده؛ لأنه الغنيّ عنهم وعما يفعلون، وهو الذي خلقهم وما يعملون.

فإذا جاء وعد الآخرة أي: فإذا جاء وعد الإفساد الثاني فأفسدتم في الأرض لِيَسُوءُوا وجوهكم أي: فسوف نبعث عليكم عباداً لنا كما في المرة الأولى، ليفعلوا بكم ما يسوء وجوهكم: من القتل والقهر والسبي والإهانة والإحزان، وليدخلوا المسجد أي: المسجد الأقصى ( بيت المقدس ) كما دخلوه أول مرة أي: طائفون بين دياركم لطلبكم ولِيُتَبِّروا أي: يهلكوا ما عَلَوْا أي: ما ظهروا عليه وظفروا به تتبيرا أي: إهلاكا.

وقد اختلف العلماء في المرة الثانية: هل وقعت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ أم في زمانه؟ أم أنها لم تقع بعد؟

والصحيح: أنها لم تقع بعد؛ لأن الله تعالى يخاطب اليهود في هذه الآيات، ويتحدّث عما توعّدهم به، وذلك بعد مبعث سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد قال سبحانه في ذكره للمرة الأولى: وكان وعداً مفعولاً ، بخلاف المرة الثانية؛ فإنه ذكر الوعد بها ولم يذكر وقوعها، فكان التَّوَعُّد بها قائماً مستمراً، وذلك يعني عدم وقوعها.

وأما كونها وقعت قبل مبعث سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: فلم يدل عليه دليل صحيح، وما ورد في النص يفيد خلافه كما تقدَّم، وهو مُقَدَّم عليه.

وأما كونها وقعت في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم: فليس صحيحاً؛ لأن قائل ذلك، اعتبرها غزوة بني قريظة!! وهي وغيرها من الغزوات لم يكن في المسجد الأقصى كما هو معلوم، بخلاف المرة الثانية التي قضى الله أن تكون فيه، كما قال سبحانه: وقلنا من بعده أي: من بعد هلاك فرعون لبني إسرائيل اسكنوا الأرض أي: تفرّقوا في الأرض واسكنوا في أي موضع منها فإذا جاء وعد الآخرة أي: المرة الثانية من إفسادكم جئنا بكم لفيفا أي: جمعناكم من كلّ موضع في المسجد الأقصى؛ لنبعث عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد، ليسوءوا وجوهكم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرّة، متبّرين ما عَلَوْا تتبيرا.

فإن قيل: وكيف يدمّر ويهلك المسلمون ما علوا عليه؟

قلنا: يُحتمل أن تُحوِج المعركة إلى مثل ذلك؛ لاتخاذ اليهود سراديب أو نحو ذلك تحت ممتلكاتهم ومساكنهم، فيضطر المسلمون لتدميرها على من فيها.

ويُحتمل أن يكون المراد: ليقتلوا كل من يظهروا عليه من محاربي اليهود، ويُسْبوا غيرهم، ويدمّروا كلّ ما له صلة باليهود مما لا يصلح للمسلمين، أو غيره وبدّله اليهود في بيت المقدس وما حوله. ومذهب جمهور العلماء جواز ذلك؛ حيث رأوا في إجلاء بني النضير ما يدل عليه، حين قطع سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعض نخيلهم وأحرقه بإذن الله تعالى، كما قال سبحانه: ما قطعتم من لِينَةٍ أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله [الحشر:5]، وكذلك في أمر سيدنا الصديق أبي بكر رضي الله تعالى عنه بالإحراق والقطع حينما أرسل سيدنا خالداً رضي الله تعالى عنه إلى طُلَيْحَة وبني تميم.

ويحتمل غير ذلك مما يطول الحديث به، وفيما ذكرناه كفاية وإشارة.

تنبيه: ولعل هذا الموعد قد قُرعت أجراسه، وظهرت أعلامه. بل لعلنا على بُعْد خطوات عن تحقّقه؛ ونحن نرى كيف جمع اللهُ اليهودَ من كل بلد في المسجد الأقصى وأكنافه، ونرى إفسادهم المتزايد فيه وفي أكنافه، بل وفي الأرض كلها: من فتن، وقتل،  وتدمير، وهتك للأعراض، ونشر للفساد والرذيلة بين العباد، وغير ذلك مما لا يُعَبَّر عنه بأحسن مما قاله الله العزيز الحكيم العليم الخبير، وهو: ( الإفساد في الأرض ).

عسى ربكم أن يرحمكم أي: بجعل ما أصابكم كفارة لذنوبكم إن اعتبرتم به، فتبتم إلى الله وأسلمتم له من قبل أن يأتيكم الموت بغتة وأنتم لا تشعرون. وصرف الذل عنكم، وإمدادكم بأموال وبنين.

وإن عدتم أي: فإن غرّكم رحمة الله لكم، فعدتم إلى الإفساد في الأرض كما سبق عدنا أي: إلى جمعكم في المسجد الأقصى وأكنافه، وبعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد لإهلاككم وإذلالكم كما في السابق.

وإنما قلت: إن إعادة جمعهم تكون في المسجد الأقصى وأكنافه، لمناسبة العطف؛ إذ عطفَ اللهُ تعالى الأفعالَ في وإن عدتم عدنا على الأفعال السابقة بحيث يُحمل الفعل المبهم هنا على الفعل المبيّن هناك، فيُحمل عدتم على العودة للإفساد في الأرض، ويُحمل عدنا على: العودة لجمع اليهود في أرض بيت المقدس، وبعث جند لله عليهم لإهلاكهم وإذلالهم.

وهذا المفهوم لازم لغةً وعقلاً وشرعاً، ولا يُصرف عنه إلا بدليل قطعي.

فائدة: على فرض صحة ما قيل: من أن المرتين اللتين قضاهما الله تعالى على بني إسرائيل في الكتاب قد انقضتا قبل مبعث سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن قول الله تعالى لهم: وإن عدتم عدنا يُستفاد منه مرة ثالثة وأَزْيَد.

ثم على فرض أنه صحّ، فإنه يؤكد ما ذكرناه: وهو أن الله تعالى يجمع اليهود في المسجد الأقصى عندما يعودون للإفساد في الأرض؛ إذ نرى اليوم دولة اليهود قد عاثت في الأرض الفساد وقويت شوكتها وكثر نفيرها، وقد جمع الله تعالى أفرادها من جميع الأرض.

ولكن الصحيح: هو ما ذكرناه: من أن الوعد الآخر لم يتحقّق بعد؛ لما تقدّم من قرائن، ولأن الله تعالى جعل من علامات المرة الثانية: إمداد اليهود بالمال الكثير، وبالأولاد، وبكثرة النُّصّار، وجمعهم في بيت المقدس بعد أن يفسدوا في الأرض بما آتاهم من سلطة وقدرة اقتصادية ( مالية ) وغير ذلك.

وهذا كله قد تحقق فيهم في هذا الزمان كما يراه الأعمى والبصير، غير أنه على ما يبدو: أن نسبة الإفساد التي قدّر الله على إثرها بعث جند من عباده لإهلاك اليهود لم تتحقق بعد، أو أن الله تعالى يهيّئ هؤلاء العباد أولى البأس الشديد، ويهيّئ لهم أسبابا، والله تعالى أعلم. ولكن، نحن لا نشك بأننا على بُعْد خطوات فقط عن تحقق قدر الله تعالى في اليهود.

وهنا نُنَبِّه: أن العباد الذين يسلّطهم الله تعالى على اليهود لإهلاكهم، لا يشترط أن يكونوا مسلمين؛ إذ مَن بُعِثوا عليهم في المرة الأولى لم يكونوا كذلك.

وهذا لا يتعارض مع حديث سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم .. الذي فيه يقاتل المسلمون اليهود ؛ لاحتمال أن يكون تحقيق هذا الحديث في مرة أخرى يحاول فيها اليهود العودة إلى الإفساد.

أو لاحتمال الاشتراك في المعركة، بحيث يكون لله عباد يقاتلون اليهود دفاعاً عن مصالحهم والمسلمون الذين يقاتلون لرفع راية الحق وإحقاقه، وتكون الكرامة فيه ( وهي مخاطبة الشجر والحجر ) للمسلم دون غيره، التي أتصور أن تكون بدورها سبباً لدخول الناس في الإسلام أفواجا.

ويحتمل غير ذلك.

وبالجملة، فنحن نقول: إن الاستعداد والتأهب للجهاد ضد اليهود فرض عين على كل مسلم سواء أكان فرداً أو في جماعة، بحيث لا يغفل ساعة عن هذا القصد، ويغتنم أي فرصة أو باب للجهاد، عسى أن يكون هذا الباب مدخلاً للوعد الآخر، أو لإهلاك اليهود بعد أن عادوا للإفساد في الأرض _ على قول من ادّعى أن الوعد الآخر تحقق فيمن سبق _.

فإن قيل: وكيف يُنتظر تحقق هذا الوعد في اليهود والمسلمون متفرقون ومتخاصمون ليس لهم أمير أو خليفة أو دولة؟

تنبيه: وهذه مقولة يهودية حشوها بين الأمة الإسلامية، لإحباط عزيمتها، وتطويل أملها، وصدّها عن اغتنام الفرص وتخديرها.

والجواب عنها: إن المسلمين إذا أخلصوا لله تعالى النيّة واستعدوا ورابطوا أفراداً وجماعات، فإن الله يهيّئ لهم من يقودهم ويخلف الحقَّ فيهم.

أما أن يتصوّر الناس _ كما معظمهم اليوم _ أثرَ مقالة اليهود ( وهو: أن يبعث اللهُ رجلاً يؤلّف بين قلوب المسلمين ويجمعهم على جهاد اليهود )!! فهذا لن يتحقق في أمَّةِ العلم والعقل؛ لأنه لا يُتَصَوّر أن يستطيع رجلٌ الطواف في الأرض لدعوة الناس وجمعهم، سيما وفي الأمة من الفتن والبلايا ما قد يمنع من تصديق من يدور عليها لجمعها، وأعني بذلك: السُّبات الذي باتت الأمة فيه، وسوء الظنّ، ونحو ذلك مما يُعْجِز العبدَ أن يتمكّن من تحقيق هدفه. بخلاف ما لو كانت الأمة مستعدةً متأهبةً متشوقةً، منصرفةً بأفرادها وجماعاتها إلى قصد الجهاد والمرابطة له؛ لأنها عندئذ، إذا هيّأ الله تعالى لها من يقودها، وفتح لهم ثغرة للجهاد، فسوف يتَّبِعُونه ويجاهدون معه.

فالمسلم إذاً: ينتهز كلَّ فرصة للجهاد، ويدخل في أي باب من أبوابه، دون تفريق وتمييز لمن هيّأ هذه الفرصة أو فتح هذا الباب.

فإن قيل: ولكن ربما كان فاتح هذا الباب ينصب فخاً للمسلمين؟

فالجواب: إن الجهاد لا يأتي إلا بخير، وإن الله قد تكفّل بحفظ الدِّين ولم يجعلك حارساً عليه، فقال سبحانه: إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون . فإن كان همك ( الدِّين ) فلا تبتئس ولا تخف. وإن كانت ذريعةً لتعلُّقك بالدنيا فقد خبت وخسرت، وأحسن لك أن لا تقول هذا القول؛ حتى لا يزاد في صحيفتك أنك تستّرت بالدِّين لحب الدنيا.

وإجمالاً: فهذه المقولة مقولة يهودية أيضاً، يُراد بها ما يُراد بسابقتها وبغيرهما مما يُحبِط العزائم، ويدعو للتخلُّف عن الجهاد.

وإذا كان الناس يُبعثون يوم القيامة بحسب أعمالهم، يُمَيَّز الخبيث من الطيب، فإن قبضهم بحسب نواياهم، وتمييز الشهيد من غيره، لأهون على الله تعالى الذي لا يعجزه شيء سبحانه.

فقاتلِ اليهود من أيّ باب، واغتنم كلّ فرصة، وهمّك: قتل اليهود، ورفع راية الحقّ، وإحقاق الحقّ. وذلك كله طاعة لمولاك عزَّ وجَلَّ، الذي أمرك بقتال أعدائه، والدفاع عن المسلمين وبلادهم وحقوقهم.

واعلم أن أمر الله إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، فلا تقنط ولا يغرَّنَّك مفاسد وأقاويل الذين كفروا وضلّوا وجهلوا.

 

 


ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين مزدوجتين باللون الأزرق [[ -- ]]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف.