|
شهادة أمتنا على الأمم قال الإمام أبو حيان الأندلسي رحمه الله في البحر المحيط:
في شهادتهم هنا أقوال: أحدها: ما عليه الأكثر من أنها في الآخرة، وهي شهادة هذه الأمة للأنبياء على أممهم الذين كذبوهم، وقد روي ذلك نصاًفي الحديث في البخاري وغيره. وقال في المنتخب: وقد طعن القاضي في الحديث من وجوه، وذكروا وجوهاً ضعيفة، وأظنه عني بالقاضي هنا: القاضي عبد الجبار المعتزلي؛ لأن الطعن في الحديث الثابت الصحيح لا يناسب مذاهب أهل السنة.
وقيل:
الشهادة تكون في الدنيا. واختلف قائلوا ذلك، فقيل: المعنى يشهد بعضكم
على بعض إذا مات؛ كما جاء في الحديث من أنه مر بجنازة فأثنى عليها
خيراً، وبأخرى فأثنى عليها شرًّا، فقال الرسول:
وقيل: الشهادة الاحتجاج، أي لتكونوا محتجين على الناس، حكاه الزّجاج.
وقيل: معناه لتنقلوا إليهم ما علمتموه من الوحي والدين كما نقله رسول
الله صلى الله عليه وسلم. وتكون على بمعنى اللام، كقوله:
وقيل: معناه ليكون إجماعكم حجة، ويكون الرسول عليكم شهيداً، أي محتجاً بالتبليغ. وقيل: لتكونوا شهداء لمحمد صلى الله عليه وسلم على الأمم: اليهود والنصارى والمجوس، قاله مجاهد. وقيل: شهداء على الناس في الدنيا، فيما لا يصح إلا بشهادة العدول الأخيار. وأسباب هذه الشهادة، أي شهادة هذه العدول أربعة: بمعاينة، كالشهادة على الزنا، وبخبرالصادق، كالشهادة على الشهادة؛ وبالاستفاضة، كالشهادة على الأنساب؛ وبالدلالة، كالشهادة على الأملاك، وكتعديل الشاهد وجرحه. وقال ابن دريد:" الإشهاد أربعة: الملائكة بإثبات أعمال العباد، والأنبياء، وأمة محمد، والجوارح "انتهى. ولما كان بين الرؤية بالبصر والإدراك بالبصيرة مناسبة شديدة، سمي إدراك البصيرة: مشاهدة وشهوداً، وسمي العارف: شاهداً ومشاهداً، ثم سميت الدلالة على الشيء: شهادة عليه، لأنها هي التي بها صار الشاهد شاهداً. وقد اختص هذا اللفظ في عرف الشرع: بمن يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات.
قالوا: وفي هذه الآية دلالة: على أن الأصل في المسلمين العدالة،
وهو مذهب أبي حنيفة، واستدل بقوله:
وقال بقية العلماء: العدالة وصف عارض لا يثبت إلا ببينة، وقد اختار المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة ما عليه الجمهور، لتغيرأحوال الناس، ولما غلب عليهم في هذا القوت، وهذا الخلاف في غير الحدود والقصاص.
لا خلاف أن الرسول هنا هو محمد صلى الله عليه وسلم، وفي شهادته أقوال: أحدها: شهادته عليهم أنه قد بلغهم رسالة ربه. الثاني: شهادته عليهم بإيمانهم. الثالث: يكون حجة عليهم. الرابع: تزكيته لهم وتعديله إياهم، قاله عطاء، قال:" هذه الأمة شهداء على من ترك الحق من الناس أجمعين، والرسول شهيد بعد ذلك لهم ". وروي في ذلك حديث ..
واللام في قوله:
وأما كون شهادة الرسول عليهم سبباً لجعلهم خياراً، فظاهر أيضاً؛ لأنه
إن كانت الشهادة بمعنى التزكية، أو بأي معنى فسرت شهادته، ففي ذلك
الشرف التامّ لهم، حيث كان أشرف المخلوقات هو الشاهد عليه. ولما كان
الشهيد كالرقيب على المشهود له، جيء بكلمة
وأما في قوله:
وما ذهب إليه الزمخشري " من أن تقديم
وتقدّم ذكر تعليل جعلهم وسطاً بكونهم شهداء. وتأخر التعليل بشهادة الرسول، لأنه كذلك يقع؛ ألا ترى أنهم يشهدون على الأمم، ثم يشهد الرسول عليهم، على ما نص في الحديث: من أنهم إذا ناكرت الأمم رسلهم وشهدت أمّة محمد عليهم بالتبليغ، يؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمّته، فيزكيهم ويشهد بصدقهم؟ وإن فسرت الشهادتان بغير ذلك مما يمكن أن تكون شهادة الرسول متقدّمة في الزمان، فيكون التأخير لذكر شهادة الرسول من باب الترقي؛ لأن شهادة الرسول عليهم أشرف من شهادتهم على الناس.
وأتى بلفظ
وأتى بجمع فعلاء، الذي هو جمع فعيل وبشهيد، لأن ذلك هو للمبالغة دون قوله: شاهدين، أو إشهاداً، أو شاهداً.
وقد استدل بقوله:
ملاحظة: هذا الموضوع زودنا به أخ كريم ( عماد الدين )، وقمنا بترتيبه.
|