مُلْكِيَّة النفوس والمتاع

في كتاب ( فتح العليم ):"

قال الله تعالى: { إن اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجَنَّة }.

ظاهر هذه الآية الكريمة يدلّ على ملكيَّة الله تعالى لنفوس المؤمنين ومتاعهم خَلْقاً وعِوَضاً، فلا يسعهم المخالفة.

والكلام عليها من وجوه:

الوجه الأول: أن " شراء النفوس والأموال " اتّجار، وهو على أربعة أقسام:

تجارة للحقِّ تعالى: وهي السّمو بالمبيعِ في بيعه عن قصدِ العِوض عملاً بالموافقة، كما يقول الله تعالى: { الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه }.

فلسان حال أهلها _ _ يقول:" اللهمَّ ربَّنا ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً بجنَّتك، ولكن لكونك إلهٌ يستحقُّ العبادة ".

تجارة مع الحق تعالى: وهي السّمو بالمبيع في بيعه عن قصد العِوضِ الدنيوي، كما يقول الله تعالى: { أمَّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربِّه }.

فلسان حال أهلها _ رحمهم الله تعالى _ يقول:" ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنةً وقِنا عذابَ النار ".

تجارة مع الدنيا: وهي التنكيس بالمبيع في بيعه عن الآخرة طلباً للدنيا، كما يقول الله تعالى: { يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون }، وأهلها الذين خاطبهم الله تعالى بقوله: { تريدون عَرَضَ الحياة الدنيا و يُريدُ الآخرة }.

فلسان حال أهلها _ غفر الله تعالى لهم _ يقول:" ربنا آتنا في الدنيا حسنة "، وما لهم في الآخرة من خلاق.

تجارة للهوى: وهي السخط بالمبيع في بيعه عن الآخرة والدنيا موافقة للهوى، كما يقول الله تعالى: { إن يتبعون إلا الظنَّ وما تهوى الأنفس }، لذلك تجد { منهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العِلمَ: ماذا قال آنفاً؟! أولئك الذين ختم على قلوبهم واتَّبعوا أهواءهم }، وأهلها الذين قال الله تعالى فيهم: { لهم عذاب في الحياة الدنيا، ولعذابُ الآخرة أشقّ، وما لهم من من واقٍ }؛ لأنهم يبادرون أعمالهم وفقاً للخاطِر القائم في نفوسهم على أثَر الحال الحادث من غير نظرٍ في العواقب، فحقيقتهم طاعة الخاطر من غير عوض! حتى أن لسان حالهم _ هداهم الله تعالى _ يقول:" لبيك هوانا ".

وقد حذّر الله تعالى المؤمنين منهم بقوله: { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذِكرنا واتَّبعَ هواه وكان أمرُه فُرُطا }.

الوجه الثاني: أن " أنفسهم " هي النفوس الذاتيَّة والتابعة؛ إذ لما كانت الذّاتيّة غير مملوكة للمؤمن فلم يلتفت إلى حظِّ الدنيا منها، كانت النّفوس التابعة من باب أولى، فلا يقف المؤمنُ في جميع ذلك إلا على موافقة الحقِّ بمنازلة حكمه والصبر عليه، لذلك همَّ سيدنا إبراهيم بذَبْح ابنه سيدنا إسماعيل طاعة لله تعالى لولا أن نَسَخَ حُكْمَه وفداه بذِبح عظيم، ومن ثم قال الله تعالى: { قُل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من ورسوله وجهادٍ في سبيلِه فتربَّصوا حتى يأتيَ بأمره، و لا يهدي القومَ الفاسقين }.

ومناسبة هذا الوجه وأن الله تعالى لم يتعرَّض للنفوس الذَّاتيَّة في الخطاب الأخير: أن التوابع علّة للغفلة وداعٍ للتعلّق، فالخالي عنها أقرب إلى الموافقة من المتلبس بها.

الوجه الثالث: أن " أموالهم " هي ما ملَّكهم الله تعالى إياه من متاع الدنيا نقداً كان أو غيره؛ لكونه مُثَمَّناً.

الوجه الرابع: أن قوله تعالى: { بأن لهم الجنَّة } يعني: منزلاً يقيمون فيه سواء منهم المتّجر للحق أو معه. جعلنا الله تعالى في جملة أشرفهم. "انتهى