|
الاستدلال على معرفة الله
.. قال الله تعالى: { ولَقَد جِئْنَاكُم بِكِتَابٍ فَصَّلنَاه على عِلْمٍ هُدىً ورَحْمَةً لِقَومٍ يُؤمِنُون * هل يَنْظُرون إلا تأويلَه! يوم يأتي تأويلُه يقولُ الذين نَسُوهُ من قَبلُ: قَدْ جاءَت رُسُلُ ربِّنا بالحَقِّ }: فقوله تعالى: { جئناكم بكتابٍ }: الإشارةُ فيه: إلى الأمر المكتوبِ في نفوسِ الناسِ بفِطرة التَّوحيد على ما قَدَّمناه، ثم إلى العالَمِ الوَاسِع والضَيِّق، ثمَّ إلى الصُّحُفِ المُنزلة باسْتِدْعَاء النَّظَر في ذلك ومَعْرِفَة مُقْتَضَاه والواجب مَعَه، وأعظمها: القرآن الكريم. والتَّعْبِيْرُ بالكِتَابَة لإظْهَار الثُّبُوْت، أي: دَلالَتهُ ثابِتَة لا تُنْكَر. وقوله: { لقومٍ يؤمنون }: الإشارة فيه: إلى الإيمان المُوْجَب بفِطرة التَّوحيد على ما قَدَّمناه، وقد علمت أنه ما من عبدٍ يخلوا من هذا الإيمان. وقوله: { هل ينظرون إلا تأويله }: استنكار على المُستكبرين وتهديدٌ لهم في آن؛ لأنَّ التَّعَبُّد إنما هو في الاستدلال والمعرفة فإذا تَجَلِّي المَدْلُوْل انقطع الرَّجاء، لذلك قال: { يوم يأتي تأويلُه يقولُ الذين نَسُوهُ من قَبلُ: قَدْ جاءَت رُسُلُ ربِّنا بالحَقِّ }. قوله: { الذين نَسُوه }: تأكيدٌ لِما تقدمت الإشارة إليه التَّنبيه على فِطرة التوحيد، وزيادة: أنها إنما حُجِبَت بأوهامِ العالَم السُّفْلي التي استحوَذت على العقول فأنستها ذِكْرَ الله. وتأويله: على مراتبُ؛ قال اللهُ تعالى: { هل يَنْظُرُوْن إلا أن تأتيهم الملائكةُ أو يأتي رَبُّك أو يأتي بعضُ آياتِ ربِّك }، فمدارُها على تَجَلِّي الغيب، ومراتبها على هذا التَّرتيب ظُهُوراً وحُكماً: الأولى: المُكَاشَفة بالعالَم العلوي. الثانية: المكاشَفَة بالله تعالى. الثالثة: المُكاشَفَة بمُوجِباتِ الإيمان وَضْعاً. وكونها مُرَتَّبة ظُهُوراً: أي: ليس التَّقديم باعتبار الشَّرَف، لكن بِقَضَاءِ اللهُ تعالى. وكونها مُرَتَّبة حُكماً: أي: باعتبار صِفَة الحُكْم المُقْتَضَى منها؛ إذ هو في الأوليين اختيارياً، وفي الثالثة لازماً، ويظهران قبلها. وذلك التأويل مجموع في يوم القيامة؛ كما قال تعالى: { ونُفِخَ في الصُّور ذلك يَومُ الوعيد * وجاءت كل نَفسٍ معها سائقٌ وشَهيد * لقد كُنت في غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُك اليوم حَديد }، ثم ذكر حِسابهم ومأواهُم.
وقال
|